اللكمة الواحدة بـ 1500 دولار!

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 11:40
الكاتب/ة: برهان موسى آغا.

يوم كئيب آخر، يضاف إلى أيامي الأولى في سويسرا، بلاد النظام الدقيق والشوكولا. أنهض من سريري. بالكاد أستطيع فتح عيناي. أترك سريري مبعثرا. أعلن انشقاقي عن كل الأفكار السوداء والكوابيس التي راودتني الليلة الماضية. وبعد خمس دقائق من التحديق في المرآة، أغسل وجهي.

أنا في مركز استقبال اللاجئين الجدد القادمين للبلاد. أسبوع واحد كان كافيا لأفهم المبادئ الأساسية للعبة الحياة هنا. المكان أشبه بمعتقل منه إلى مركز استقبال. وسرعان ما علمت أنه بالفعل كان سجنا في السابق. لا يسمح لنا هنا بالتجوال إلا لمدة ثلاث ساعات. ساعات قليلة جدا لا تشعرك بأنك حر. ولكن ما يعزي، أنه على الأقل لا وجود لأصوات القصف والرصاص. لا أحاديث عن النظام، ولا وجود له ولا لحزب الله، لا أحد يحصي جرائمهم ولا آخر يبررها. 

الشيء الوحيد الذي يذكرني بسوريا هنا، هو حافظ. وحافظ هذا هو صديقي الوحيد هنا؛ ونحن، السوريان الوحيدان الموجودان في المكان. وبالتالي يمكننا أن نتناقش بحريّة دون الخوف من امكانية وجود مخبرين. ويمكننا أيضا أن نسخر من كل المحظورات المفروضة علينا في سوريا. لأنني كما ذكرت سابقا لا وجود لأحد منهم هنا، أو على الأقل هذا ما كنت أظنه. صديقي حافظ محام، وقد تولى بنفسه إخباري بالقوانين الموجودة في هذه البلاد. أكثر ما رسخ في ذهني من حديثه القانوني الطويل، هو قانون اللكمات ذاك. ينص على أن أي شخص يعتدي على أحد باللكم، يغرّم بقيمة 1500 دولار أميركي لكل لكمة.

في إحدى الأيام، نظمت في منطقة قريبة منا مظاهرة، سارعنا للمشاركة بها أنا وصديقي، ربما كي نسترجع أيام مظاهرات سوريا. حين انتهت المظاهرة شعرت بالحنين لتلك الهتافات الخاصة بنا. ولأن صديقي اسمه حافظ كان من البديهي جدا أن أصر على ترداد شعاري المفضل "يلعن روحك يا حافظ". 

ذهبنا إلى أحد المطاعم بغية تناول طعاما سريعا قبل انتهاء الساعات الثلاث المسموح لنا بها. لدى دخولنا إلى المطعم لم أتوقف عن ترداد طقس لعن روحه، بل استمريت بحماس أكبر مع إضافات في اللحن والتقطيع. فجأة، لاحظت أن رؤوس جميع الموظفين التفتت نحوي. لا يحتاح الأمر إلى خبير كي يلاحظ ملامح الغضب التي بدت على وجههم آنذاك. 

حسنا، يبدو أن سويسرا أيضا لا تخلو من "المنحبكجية". عرفت لاحقا أنهم ليسوا سوريين، بل لبنانيين من محبي حسن نصر الله. حسنا، لم يعتدوا عليّ، اكتفوا فقط بنظرات الغضب، وحتى الآن لا أعلم إن كانت أخلاقهم العالية هي التي منعتهم من التعرض لي، أو أنهم على علم بالقانون الذي يغرّم اللكم. في الحالتين، لم يعد مهما الآن، وفي الحالتين يلعن روحك يا حافظ والله يخليلنا قانون اللكم.

--