وطن

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 11:35
الكاتب/ة: أدونيس عمران.

نظرا لكوني أحمل الجنسية السورية، وأقيم في لبنان منذ مدة ليست قصيرة. سأتحدث بدون لف ودوران، عن مشاعر يحس بها أغلب السوريين في لبنان.

لن أذكر أحداثا محددة بتفاصيلها، وإنما سأحاول فتح نافذة على المشاعر الناتجة عن بعض هذه الأحداث، والتي أستطيع الجزم بأن 150% من السوريين في لبنان سيفهمونها وربما خبِروا معظمها.

في الباص

أركب الباص المنطلق باكرا من بلدة لبنانية، أرتدي أفضل ثيابي، وأحاول جدياً الوصول إلى بيروت بسلام. أحاول قدر الإمكان التهرب من الحديث مع أي شخص، كي لا يتم اكتشاف حقيقتي اللعينة بأنني سوري. 

فذلك يعني أن جميع من في الباص من طلاب وعمال وأطفال وشيوخ وحتى السائق، سيبدأون بإطلاق جميع أنواع التساؤلات المحيطة بالملف السوري عليّ تحديداً!! والتي لا يستطيع الله ولا الأستاذ فيصل القاسم حتى بكل شرايينه المتضخمة أن يجيب عنها. ولو سانده في ذلك الأستاذ سامي كليب شخصياً.

ثم بعد ذلك، في آخر الرحلة، تحديدا أثناء ترجلي من الباص، ولأنهم لم يستطيعوا أخذ مني "لا حق ولا باطل" ولأنه لا متسع من الوقت لإجاباتي التفصيلية عن رشاشات أسئلتهم ذات العيار الثقيل، سيتوجه أحدهم بسؤال مباغت كضربة قاضية قبل أن أفلت من آخر درجة من سلم الباص "شو دينك؟!".

في العمل

في إحدى المرّات، كنت أعمل لدى أحد المواطنين اللبنانيين، في إصلاح خراب بيته. وحين انتهيت كان من المفترض أن "يعطيني حسابي لأمشي"، إلا أنه أصرّ علي لتناول معه "كباية شاي" بحجّة أنه أحب عملي ويريد التعبير عن مدى انفتاحه على العالم. أكد لي يومها أنه لا يرى عيباً في الجلوس مع أمثالي من السوريين "الفهمانين". كما أشار إلى أن مكوثي في لبنان جعل مني إنساناً أفضل "بينقعد معو". وأن العمال السوريين إجمالا جميعهم يعملون كالبغال بأجور زهيدة ورغم ذلك متخلفون وحرامية! وأخبرني أن هناك عسكري سوري في تسعينيات القرن الماضي توجه بكلمة نابية لأخيه، الذي يعد من رجال الأعمال المهمين في أفريقيا أو البرازيل أو هوليوود. ونصحني بتسجيل اسمي في مكتب الأمم المتحدة الخاص باللاجئين "روح ولييه عم يعطوكن مصاري" كي يتحسن وضعي المادي.

انتهى الحديث بيننا، كما ينتهي أي حديث بالعادة بكلام حاد ومتوتر. فغالباً بحسب تجربتي، هناك جزء من أجرة العمل سيسرقها دائما من يتحدث عن السارقين، تحت غطاء الكلمة الزئبقية الوداعية اللبنانية الشهيرة "طيّب بشوفك"، ومن ثم نفترق للأبد وكل منا يدمدم بشتائم بحق الآخر.

الانتظار في مراكز الأمن العام اللبناني

أثناء انتظارك أمام إحدى بوابات مراكز الأمن العام، تتحرق للوصول عبر الزحام ورائحة الكفر إلى "الوطن" الأنيق المتربع خلف طاولته المعدنية، علّـه يحقق لك حلمك بقطعة من الورق المقوى مختومة وموقعة ومتوفرة باللونين المميزين الأخضر والأحمر، والتي تعطيك الحق بالتجول على كامل الأراضي اللبنانية في الأوقات المحددة لتجول السوريين والممتدًة ما بين شروق الشمس وغناء أول عصفور صباحاً، حتى ساعة مسائية تحدد من قبل البلديات بحسب ما تراه مناسباً.

قبل أن تصل إلى تحقيق حلمك بخطوتين، يخرج "وطن" آخر متجهّم غير وطن أحلامك، ويقوم بممارسة عمليتين مهمتين، وهما الصراخ وترتيب جميع الحاضرين في صفين، أحدهما للبنانيين والآخر للعرب والأجانب "كالسوريين والهنود ومن في فصيلتهم".

تعود إلى آخر الصف مصاباً بنوع من الغيرة القاتلة من اللبناني الذي في مقدمة صفه المؤلف من ثلاثة أو أربعة أشخاص. تبدأ بمحاولات فاشلة لإصابتهم بالعين أو الجرب. في هذا الوقت ينهار المشهد بشكل صادم ومضحك أمام وصول "واحد أوروبي" مرتدياً ابتسامته الصفراء المبتذلة وفردتين من الصندل. هنا ينطلق "الوطن" الأنيق نحوه، يستقبله ويقوم بإيقاف استلام أوراق جميع المراجعين اللبنانيين وغير اللبنانيين حتى انتهائه من تسيير أوراق الأوروبي العزيز على أكمل وجه،حتى آخر الدوام وآخر الحلم.

--