شتاء الشباب العربي

نشر في‫:‬الأحد, نيسان 5, 2015 - 09:44
الحرية نحت منمق للروح | ماهر أبو الحسن
الكاتب/ة: زياد دلال.

يصف محمود درويش جيله أنه "جيل مرمي على كواهله: عليه هو وحده أن يكون العناصر الأولى لتكوين حياة متخيّلة، على مرأى من الحياة الواقعية. وعليه هو أن يكون المُكون". وكأنّنا ما زلنا ننتمي إلى هذا الجيل. اختلفت الأجساد ولكن لم تختلف الصورة. 

يحلّ علينا فصل الربيع. من المفترض أن تَزْهرّ نظرتنا. يقولون لنا إن هنالك من ينبعث من جديد، يردّدون كل دواوين الشعراء التموزيّين. إذن الربيع هو فصل الحياة الجديدة، فصل الانبعاث والولادة الجديدة، على الأقل. هذا ما تعلّمناه. ولكن ما معنى الربيع في فترة من الزمان تذكّرنا مراراً بترتيلة الشاعر بدر شاكر السيّاب "مطر مطر مطر"؟ كم من شخصٍ ينتظر الربيع بلا أي سؤال عن مهمة الشتاء؟

الربيع شهرٌ يأتي معبراً عن ثمرة الحب بعد شتاءٍ قاسٍ تُمتحن فيه أشد العلاقات متانةً. ولكن في نظر الشباب العربي، السماء الربيعية لا تأتي بالانبعاث ولا تبشّر بحياة جديدة، بل في غيومها صدى رعد الأحزاب البعثية والأنظمة القمعية التي تحارب بعضها البعض في معركةٍ شبه أزلية لا تُخمَد نيرانها إلا فوق أجساد فتيان وفتيات دُفنَّ في أرضٍ  يابسة لا تجعل أجسادهن قابلة للتجدد. من صحراء المغرب إلى الخليج العربي، من مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز، نسمع صدى هذا الرعد، وترتيلة الشاعر السيّاب مجدّدًا، "مطر، مطر، مطر".

حروب الحزم الجارية الآن تعصف بمستقبل الشباب العربي وتسيّره نحو قبرٍ في أرض اليباب. 

ها نحن أصدقاء من جميع العواصم العربية نجتمع على مشاهد الموت المتكرّرة. موتنا واحد، نتشابه به. حياتنا هي نتيجة شظايا لم تنجح بقتل أهلنا. ومشهد النجاة المتشظية هو مصدر أملنا أن نولَد ونكبر ونستمر ولو كانت مسيرتنا عرجاء ونظرتنا ضعيفة وروحنا قلقة وأحاسيسنا غير مستقرة وأجسادنا مترهلة من اليورانيوم ورئاتنا تصفّر من قنابل العسكر المسيلة للدموع. 

الربيع ثورة تزين جدران بيوتنا بصورٍ لعالمٍ مغاير لا تختلف فيه موازين القوى فحسب، بل تندثر كلّ الموازين الماضية-الحاضرة. اندثار القوى الحالية - هذه مهمّة شتاء الشباب العربي ضد قوات العسكر، ضد القوات الفكرية البورجوازية التي تبيعنا العدم بمقابل لحمنا، ضد قوات ومحاور تدّعي حمايتنا عبر سجننا، ضدّ كل من يتحالف مع البراميل، النفطية منها والمتفجّرة، على حساب مستقلبنا.

معنى الاندثار هو نفسه معنى القطيعة. القطيعة عن عامودية الماضي الحاضر واستحضار أفقية المستقبل. مستقبلٌ يعد بحياة تحيا عشقاً، وليس فقط من أجل شهادتي الهجرة والموت.

نختلف عن وعد الشعراء التموزيين وعن جيل محمود درويش ووجهته. الشباب العربي جيل الشتاء. نحن لا نريد أن "نعبد زهرة، بدنا نعشق الرحيق" كما يقول الراس في إحدى أغانيه/قصائده والرحيق لن يأتي إلّا من شتاءٍ ناجح. ندرك أنّنا قد نفشل، ربّما حتماً ولكن ربّما لا. ربّما مجدّداً ودائماً. ولكن لن نستحضر المستقبل من الماضي. نتبع لاعب النرد، "نحتفل بسوناتا القمر / وتسامح موت رآنا معاً سعداء / فغضَّ النظر".