حرمان الأطفال متعدّد الأبعاد في سورية: بحث مقارن بين عامي 2001 و2009

نشر في‫:‬الاربعاء, كانون الثاني 28, 2015 - 20:41
العمل لسلافة حجازي
الكاتب/ة: المركز السوري لبحوث السياسات.

ملخص تنفيذي

يصمم التقرير أدلة لحرمان الأطفال متعدد الأبعاد في سورية بناء على بيانات كل من العامين 2001 و2009، انطلاقاً من مقاربةٍ محورُها الأطفال، تركز على رفاه الأطفال وإمكانياتهم والبيئة المحيطة بهم. وذلك لتحليل حالة حرمان الأطفال ومكوناتها وتقييم أثر السياسات التنموية المرتبطة بها.

ويهدف التقرير لقياس انتشار وكثافة حرمان الأطفال بأبعاده المختلفة وتغيراته زمنياً وجغرافياً، وذلك باستخدام منهجية تشاركية مركبة بالاعتماد على كل من منهجية اليونسيف ومبادرة أوكسفورد للفقر والتنمية لقياس الحرمان متعدد الأبعاد. وقد أنتج التقرير دليلان لحرمان الأطفال في سورية الأول للأطفال تحت عمر الخمس سنوات والثاني للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة، وذلك لتغطية دورة حياة الطفل.  

النتائج على المستوى الكلي

تظهر نتائج أدلة حرمان الأطفال خلال الفترة 2001 و2009 ولكلا الفئتين العمريتين تحسناً مضطرداً في رفاه الأطفال وإمكانياتهم والبيئة المحيطة بهم. ورغم هذا التحسن إلا أن حرمان الأطفال في عام 2009 يبقى مرتفعاً نسبياً ومتفاوتاً إلى حد كبير بين المحافظات. 

فقد انخفض دليل حرمان الأطفال تحت الخمس سنوات بشكل كبير وبمعدل 50% بين 2001 و2009، وفي كل من الريف والحضر. إلا أن نتائج 2009 لا تزال تشير إلى أن حرمان الأطفال في الريف يبلغ ضعف مثيله في الحضر مما يعكس حالة التنمية غير المتوازنة في سورية. ويلاحظ انخفاض مكوني الدليل، حيث تراجع انتشار الحرمان للأطفال دون الخامسة من 44% في عام 2001 إلى 25% في عام 2009؛ كما تراجعت بشكل طفيف كثافة الحرمان لنفس الفئة العمرية من 50% إلى 45% بين عامي 2001 و2009.  

وتراجع دليل حرمان الأطفال بين 5 و17 سنة بمعدل 33% خلال فترة الدراسة، لكن الانخفاض في الريف الذي بلغ 39% كان أكثر حدة من الانخفاض في الحضر الذي بلغ 23%، مما قلص الفجوة بينهما. ويتكون هذا الانخفاض من تراجع حاد في انتشار الحرمان لهذه الفئة العمرية من 30% إلى 21% بين 2001 و2009؛ كما انخفضت كثافة الحرمان بشكل طفيف من 60% إلى 57% خلال نفس الفترة.   

النتائج على مستوى الأبعاد

شهدت الفترة بين 2001 و2009 انخفاضاً معنوياً إحصائيا متفاوتاً في كافة أبعاد حرمان الأطفال وكلا الفئتين العمريتين عاكسة تحسناً في المأوى والصرف الصحي والمياه والمعلومات والتغذية والصحة والتعليم. 

فقد تحسنت الأبعاد المتعلقة بظروف المعيشة (المأوى والصرف الصحي والمياه والمعلومات) لكلا الفئتين العمريتين نتيجة لتركيز السياسات الحكومية على توفير البنية التحتية والدعم كجزء من السياسات الاجتماعية لضمان الاحتياجات الأساسية للمعيشة مثل المياه والصرف الصحي. كما ساهمت ثورة الاتصالات بتسهيل الوصول للمعلومات بشكل كبير. لكن بدا اهتمام هذه السياسات بالجانب الكمي غالباً على تحسين نوعية الخدمات. 

تراجع الحرمان من التغذية بالنسبة للأطفال دون الخامسة، لكنه بقي مرتفعاً في عام 2009 بالنظر إلى عدد الأطفال الذي يعانون من نقص الوزن أو قصر القامة أو النحافة. يترافق هذا الحرمان عادة مع نقص في الغذاء المناسب للطفل والأم وعدم توفر عناية صحية مناسبة للأم والطفل، بالإضافة إلى ضعف الخلفية المعرفية للأبوين والفقر المادي للأسرة والقيود على وصول الأمهات للموارد والعادات والتقاليد السائدة. 

كما انخفض الحرمان الصحي للأطفال دون الخامسة بسبب تركيز سياسة الصحة العامة على توفير التلقيح لدى جميع الأطفال، علماً بأن المزود الأساسي للرعاية الصحية للأطفال هو القطاع الخاص مما يشكل عبئاً مادياً على الأسر. 

وانخفض الحرمان من التعليم بشكل طفيف بالنسبة للأطفال بين 5 و17 سنة خلال فترة الدراسة، ورغم التحسن إلا أن 19% من الأطفال في هذه الفئة العمرية بقي محروماً من التعليم في عام 2009، ذلك بالرغم من التوسع في البنية التحتية التعليمية وعدد كوادرها وفتح القطاع بشكل أكبر للقطاع الخاص بين عامي 2001 و2009. 

بالنتيجة شكل بعد التغذية المساهم الرئيسي في حرمان الأطفال دون الخامسة وازدادت هذه المساهمة خلال فترة الدراسة، كما ازدادت مساهمة بعدي الصحة والمياه في حرمان الأطفال من هذه الفئة العمرية خلال نفس الفترة. بينما كان بعد التعليم المساهم الرئيسي في حرمان الأطفال بين 5 و17 سنة وازدادت مساهمته خلال الفترة الدراسة بشكل كبير مقابل انخفاض مساهمة الأبعاد المتعلقة بظروف المعيشة.  

النتائج على مستوى المحافظات

تشير نتائج أدلة حرمان الأطفال إلى تفاوت كبير بين المحافظات، وبشكل عام تعد المنطقتين الشرقية والشمالية الأكثر حرماناً بينما كانت المنطقة الساحلية الأقل حرماناً. وقد كانت محافظات دير الزور والحسكة وريف دمشق وحلب على التوالي في عام 2009 الأكثر حرماناً بحسب دليل حرمان الأطفال متعدد الأبعاد للأطفال تحت الخمس سنوات، فيما كانت السويداء واللاذقية وطرطوس ودمشق  الأقل حرماناً على التوالي. وانخفض دليل حرمان الأطفال تحت الخمس سنوات في الفترة بين 2001-2009 في جميع المحافظات السورية باستثناء ريف دمشق الذي لم يطرأ عليه أي تغير معنوي إحصائياً.

أما بالنسبة للأطفال بين 5-17 سنة، فكانت محافظات حلب ودير الزور والحسكة والرقة وريف دمشق على التوالي الأكثر حرماناً في عام 2009، فيما كانت طرطوس والسويداء واللاذقية ودمشق الأقل حرماناً على التوالي. وانخفض دليل حرمان الأطفال متعدد الأبعاد للأطفال في الفترة بين 2001-2009، في جميع المحافظات السورية باستثناء دمشق والقنيطرة اللتين لم يطرأ عليهما أي تغير معنوي.

إن الاختلال بين الريف والحضر وبين المحافظات كبير بالنسبة لحرمان الأطفال ويعكس التفاوت بين المناطق في سورية. علاوة على ذلك، يتركز الحرمان في دليل حرمان الأطفال متعدد الأبعاد في المنطقة الشرقية وحلب وريف دمشق، علماً بأن عدد سكان المحافظتين الأخيرتين يبلغ 35٪ من إجمالي عدد السكان تقريباً. إن معالجة التنمية غير المتوازنة بحاجة إلى إستراتيجية  تنموية تضمينية على المستوى الوطني والتي تولي اهتماماً خاصاً بتحسين قدرات الأطفال في مختلف المناطق خاصة الأكثر حرماناً.

خلاصة سياساتية 

لم تتبن الحكومة خلال فترة الدراسة إستراتيجية متكاملة وشاملة تستهدف تنمية الطفولة وتخفيف حرمان الأطفال، على الرغم من أن الخطة الخمسية العاشرة تضمنت خطة مبدئية للطفولة ركزت على خلق بيئة تمكينية لرفاه الأطفال بما ينسجم مع اتفاقية حقوق الطفل الدولية، كما هدفت الخطة لإدماج حقوق وتنمية الطفولة في مختلف السياسات التنموية والتوعية بها (هيئة تخطيط الدولة 2006). لم تُترجم هذه الخطة المبدئية إلى إستراتيجية  شاملة وسياسات وبرامج موجهة للطفل. 

بالمقابل، تم تنفيذ سياسات وبرامج مختلفة تستهدف تخفيف الفقر بشكل عام وتحسين مستويات المعيشة خلال فترة الدراسة والتي لم تكن موجهة خصيصاً للأطفال. وقد عانت هذه السياسات بدورها من قلة التنسيق والتناقض في بعض الأحيان.

ارتكز النموذج التنموي في سورية من جهة على توفير الخدمات العمومية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية للمساكن مثل الكهرباء والماء والصرف الصحي والاتصالات، وتقديم الدعم لبعض الأغذية الأساسية ومشتقات الطاقة (المركز السوري لبحوث السياسات 2013). ويفترض أن يستفيد الأطفال من هذه الخدمات والإعانات العمومية مثل بقية أفراد الأسرة.

لقد أثر تبني السياسات التحريرية خلال فترة الدراسة، بما في ذلك التطبيق التدريجي لمبدأ استرداد الكلفة في الخدمات الصحية والتعليمية العامة وتقليص الدعم للأغذية والتحرير التدريجي لأسعار الطاقة، سلباً على رفاه الأسر السورية. في نفس الوقت تم تأجيل الإصلاحات المؤسسية الرئيسية مما أدى لاستمرار معاناة المؤسسات من ضعف التشاركية والفعالية والمساءلة. ولم يترافق التوسع الكمي للخدمات من قبل القطاعين العام والخاص مع تحسين نوعية هذه الخدمات، كما أخفقت سياسة توجيه الدعم لمستحقيه من بلوغ أهدافها بسبب الأداء المؤسسي والإداري الضعيف (هيئة التخطيط والتعاون الدولي، 2009).  

يعكس التحسن البطيء في حرمان الأطفال من التغذية والتعليم تحديات كبرى في نظامي الصحة والتعليم، حيث أن أثر عمومية الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم وتنمية الطفولة المبكرة وبرامج رعاية ومراقبة تغذية الأطفال يستند إلى حد كبير على عمق ونوعية هذه الخدمات. كما يعتمد أثر عمومية الخدمات الاجتماعية على تناسق وانسجام وتكامل استراتيجياتها في ظل رؤية تنموية واضحة. فالبنية التحتية التنموية لها أثر كبير في تحقيق الخدمات الصحية لأهدافها، كما تؤثر خدمات الرعاية الأولية الصحية على الالتحاق بالتعليم وعلى التطور المستقبلي للأطفال. يضاف إلى ذلك أن تعليم النساء والرجال يعتبر محورياً في تأكيد اكتمال العملية التنموية وكسر حلقة الحرمان والفقر. 

يعد بناء إستراتيجية تشاركية لتنمية الطفولة جوهرياً لمستقبل المجتمع السوري الفتي، ويتطلب ذلك بالدرجة الأولى تصميم وتنفيذ إصلاح مؤسسي يهدف لتعزيز احترام حقوق الطفل والاستثمار في قدراتهم ضمن عملية متناسقة ومساءلة تشمل احترام حقوق الإنسان وصون كرامته. 

لتنزيل كامل التقرير انقر(ي) هنا