‫قارع طبول الصمت‬

نشر في‫:‬الأثنين, آب 19, 2013 - 23:40
V-Wave
الكاتب/ة: أحمد السيد.

‫حين وصلتني رسالة من القيمين على موقع المنشور الالكتروني، يعلمونني فيها بأنهم يعدون لملف "الفن والثورة"، حيث اقترحوا اسمي لأنني أمارس الفن، من ضمن أشياء أخرى، ولأنني سجين. تحمست كثيرا للفكرة، وبدأت تراودني الأفكار عن شكل ما سأكتبه والمنهجية التي سأتبعها، وبدأت القيام ببعض الأبحاث المتعلقة بالموضوع. لكنني، وفي خضم أبحاثي تلك، تنبهت إلى أنني إذا ما أردت فقط تعداد أسماء الفنانيين الذين تعرضوا للقمع بسبب أفكارهم، فإنني سأحتاج إلى مجلد ضخم. وإن أردت أن أغوص في الأسباب التي تدفع بالفنانين إلى التمرد والثورة والتغريد خارج السرب، وبالتالي قمع السلطة لهم، فإنني سأدخل، وعلى الأرجح، في متاهة التنظير وهو ما لا طاقة لي عليه، كما أنني لا أبرع بذلك، وسيتحول نصي إلى نص ركيك. ‬

‫بناء على ما تقدم، قررت عدم الكتابة عن أي من ذلك، بل سأكتب عني شخصيا وبقليل من التواضع، وذلك لنفس الأسباب التي لأجلها تم إقتراح اسمي لهذا الموضوع.‬

‫التوطئة التي لا بد من ذكرها فيما خص رأيي بالفن وارتباطه بالثورة، وذلك من تجربتي الشخصية، تتمحور حول أن الفن الذي لا ينبع ولا يعبر عن حالة إنسانية معينة ولا يفتح الأبواب للسؤال والتحليل هو مجرد مضيعة للوقت والجهد. ومن شبه المؤكد أن الميول الفنية تولد مع الإنسان، بغض النظر عن الظروف التي تسمح بصقلها أم لا. فمنذ أن تشكلت الذاكرة في وعيي، بدأت أدرك الأمور من منظور مختلف. ولعل أبرز ما يفسر مقولتي هذه هو مقطع من رواية "الأمير الصغير" يتعلق بالرسم وكيفية تفسيره، إذ أن رسم بسيط لقبعة من الممكن والجائز أن يكون رسما لأفعى كبيرة مع وليمة كبيرة في وسطها. لطالما أثر بي هذا المقطع، وقد تتساءلون ما علاقة ما كتبته بموضوع الفن والثورة؟ الجواب بسيط جدا، إن وجهة النظر المغايرة إنما هي الدافع الأساسي وراء كل ثورة، كما وهي الدافع إلى تحليل الأمور أكثر، ومحاولة الوصول إلى لباب الأمور وعدم الاكتفاء بالقشور والرضا عنها. ‬

‫من هنا، بدأت حكايتي مع الفن والثورة والتمرد، إلى أن أصبحت في السجن، علما أنني لست معتقلا سياسيا أو سجين رأي بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكن في بلد يحكمها قانون استنسابي، وفي بلد مجرميه الكبار هم حكامه، فإنني أعتبر نفسي سجين رأي. ‬

‫لم أعد أذكر، وبكل صدق، متى بدأت الشرارة الفنية عندي، ولكن تأثري برواية "الأمير الصغير" حدث في عمر الثامنة تقريبا، وفتح الآفاق أمامي لأتمرد على ما هو سائد، بدءا من النظام الأسري عبر ترك المنزل بعمر مبكر وإثبات ذاتي أمام العائلة، ثم تمردي على المجتمع الأكبر وعاداته وتقاليده غير المنطقية. ‬
‫في أحد الأيام، وأثناء متابعتي لدروس الدين بمسجد في مدينة صيدا، وقد كان موضوع الحلقة الدراسية "نقد الفكر الماركسي"، حيث انتقد الشيخ إحدى الجمل المنطقية جدا، رفعت يدي طالبا الإذن بالكلام، وسألت الشيخ عن سبب انتقاده لجملة منطقية، فأتى جوابه على الشكل التالي: "كارل ماركس كافر وكل ما يأتي به هو كفر". فما كان مني إلا أن انسحبت من الحلقة الدراسية، وعكفت على قراءة ما استطعت من كتابات ماركس أو ما كُتِب عنه وعن نظريته، إلى ان اقتنعت بها. ولكن لم يطل الوقت بي إلا أن تمردت وثرت عليها، خصوصاً بسبب الممارسات الخاطئة والتعاطي مع الفكر بجمود مشابه لجمود الفكر الديني على المستويات الفكرية والنظرية والسياسية.‬

‫تقاطعت دروب الحياة وتشابكت، فلم أستطع أن أفصل بين أي منها، وبما أن معظم الأشخاص ذوي الميول الفنية يعانون من حساسية مفرطة تجاه كل ما يجري من حولهم، سواء أكان يمسهم شخصيا أم لا، فإنهم يعانون بسبب فرط حساسيتهم ولأنهم لا يملكون سوى الإبداع صرخة في وجه الظروف.‬
‫من هنا بدأت رحلتي مع التمرد، أضف إليها وضعي الصحي- النفسي، وتجاربي في معارك الحياة على الصعيدين الشخصي والعام، وكذلك تطرفي في مواقفي الذي جعلني حارسا للاعتراض الأبدي، حيث أمضي أيامي في محاولة خلق صدمة للمجتمع لتحفيزه على التساؤل والتغيير.

وبسبب الكم الكبير من الخيبات التي عايشتها، لم أجد سوى المخدرات المميتة مهربا ألتجئ إليه، خصوصاً وأن كلماتي ورسوماتي لم يكونوا رصاصة تصيب قلب الظلم واللاعدالة كما أريد. وعلى الرغم من عاقبة ما أفعل، إلا أنني اقتنعت أنها كانت إحدى وسائل اعتراضي بغض النظر عن جدوى هذا الأسلوب أو عدمه.‬

‫إلا أن إقامتي في السجن لمدة طويلة، دفعتني إلى القراءة أكثر، قراءة ذاتي أولا، ومن ثم قراءة الأحداث المحيطة بي خصوصاً مع الحراك الممتد في أكثر من بلد عربي. وعلى الرغم من الغصة التي أشعر بها بسبب بعدي الجغرافي عن مكان الأحداث، إلا أن هذا البعد كان سيفا ذا حدين، حيث منحني الوقت والهدوء لقراءة الأحداث وتحليلها دون انفعال وفورة دم وبعيدا عن ردات الفعل، لأنه في زمن الثورات أية ردة فعل غير مدروسة، لاسيما من الناحية الفنية، قد ترتد عكسيا على الثورة وأهدافها. ‬

من هذا المنطلق، اعتبر أن مقولة الفن للفن ليست سوى بدعة لتفريغ الفن من محتواه وقيمته الإنسانية، إذ أن الرسومات الأولى التي وضعها الإنسان القديم على جدران الكهوف، لم ترسم إلا لتؤرشف تلك المرحلة. وإذا أردت ان أسمي الفنانيين والأعمال الفنية التي ساهمت بالثورات أو حرضت عليها فلن أستطيع ذلك لكثرتها.‬

‫إذا كانت الفنون أرقى وسائل التعبير الإنساني فإن الثورة هي الطريقة الأكثر مباشرة والأقوى، لأنها تأتي لكسر الظلم وتغيير واقع قاس. فالفنون إشعاع الثورة، والثورة مفجرتها.‬

--
‫أحمد السيد‬
‫سجن رومية المركزي‬