عن بقعة ضوء اسمها مسرح بيروت

نشر في‫:‬الأثنين, آب 19, 2013 - 23:30
مصلق تحرّك ردوا المسرح لبيروت | ٢٠١٢
الكاتب/ة: نضال أيوب.

مرّت أكثر من سنة ونصف ومسرح بيروت ما زال مقفلاً. المسرح الذي يشكّل جزءا من ذاكرة بيروت لأنه كان منبراً لإطلاق العديد من التجارب الهامة في تاريخ الحركة المسرحية في لبنان، كان شاهداً أيضاً على مواهب الكثير من الفنانين، خصوصاً وأنه يلخّص حقبة تاريخيّة وثقافية واجتماعيّة وسياسية، بالاضافة إلى المكانة التي يتمتع بها جرّاء احتوائه الذاكرة الفنية التي تظهر في الكم الهائل من التجارب والأفكار التي انطلقت من على خشبته.

وللمسرح، كما لغيره من ميادين التعبير، دور محوري في طرح قضايا الإنسان وهمومه. لهذا السبب، يتوجب على الدول أن تعي دوره الفعّال في نهضة الشعوب، وأن تساهم في دعمه. أما في لبنان، وككل شيء آخر، لم تفكّر الدولة يوماً بتأسيس مسرح وطني، عدا عن تقصيرها في دعم المسارح لضمان استمراريتها، ومحاربتها لكل المحاولات الفرديّة التي تحاول الإبقاء على المسارح الموجودة. هذا كله يبدو واضحاً عندما نلاحظ أن مسرح بيروت كان قد أقفل أبوابه لأكثر من مرة، بالإضافة إلى اغلاق مسرح البيكاديلي ومسرح مارون النقاش ومسرح المدينة (البناء القديم في شارع كليمنصو) لأبوابهم من قبله...

وهذا لا يدل إلا على خطّة ممنهجة لتدمير ذاكرة المجتمع اللبناني وللقضاء على الوجه الثقافي للبنان بعد إدراجه في خانة الأمور الثانوية، على عكس الدعم شبه التام لإنشاء أسواق تجارية تحل مكان الذاكرة الثقافيّة. وإذا ما اعتبرنا أن القضاء على ثقافة إحدى المدن وطمس هويتها يجري من خلال إقفال مسارحها، تصبح الأمور أكثر وضوحاً، حيث يتلخص الدافع من خلف إقصاء الحياة الثقافيّة هو محاولة الدفاع المستميت الذي تمارسه السلطة من اجل استبعاد كل ما يشكّل خطراً عليها، خصوصاً وأن المسرح يحمل في طيّاته رسالة حياتيّة نقديّة تلقي الضوء على كل مفاسد السلطة وآليات عملها القمعيّة، من خلال مشهد فني يقدّم للمشاهد صورة الإستبداد المتفشي وكيفية إعاقة السلطة لتطور المجتمع.

لهذا كله، يمكن التأكيد مع الفنانة "حنان الحاج علي" على أن مسرح بيروت لم يقفل عبثا، ذلك لأنه، بالإضافة إلى عدد غير يسير من الحقول الأخرى، أحد ضحايا المجموعة البرجوازية المتحكمة بلبنان، والتي تحاول وضع يدها على كل الموجودات وتحويلها لأشياء تدر عليها الربح. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر "الحاج علي" أن المصير الذي آل إليه المسرح اليوم هو نموذج مصغّر لمصير مدينة بيروت وللمواطنين الموجودين فيها، خصوصاً وأن المسرح هو كائن حي يُنخر دمّه تماما كالمواطنين، حيث تسعى السلطات إلى الحفاظ على صورته الظاهريّة بالتوازي مع المحاولات الحثيثة لتدميره من الداخل وتفريغه من المضمون، تماما كما يفرّغون عقول الناس. لهذا، يمكن القول بأن ما تتعرض إليه المسرح في لبنان عموماً، ومسرح بيروت خصوصاً، هو خطة ممنهجة لا يمكن حصر ابعادها، لأنها تضمر معركة من أجل بقاء المواطن بوجه جميع السلطات المرتهنة لبعضها البعض من ناحية، وللخارج من ناحية ثانية.

أما من الناحية القانونية، يمكن العودة إلى قانون الممتلكات الثقافية الصادر عام 2008 للتأكيد على أحقية الحفاظ على مسرح بيروت. فالمواد القانونية واضحة، لا سيما المادة 15 من القانون نفسه والتي تفيد بأنه يمكن وضع اليد على أي ممتلك ثقافي معرض للخطر، لقاء بدل عادل تدفعه للمالك، أي بدون أن تستملك، توضع اليد وتدفع البدل. ولكن بدل تطبيق القانون الذي يُعــــطيه كــــامل الصــــلاحية للتدخل وحــــماية الممتلكات الثقـــــافية، قرر وزير الثقافة المماطلة وكسب الوقت عبر اللجوء إلى «هيئة الاستشارات».

ومع صدور القرار، إنطلقت الحملات المناهضة لإقفال مسرح بيروت. ولم يتم الإكتفاء بالتظاهرات فحسب، بل جرى البحث في اجتهادات قانونية متعلقة بالقرارـ وفي مشروع لإدارة المسرح. هذا، ولا تزال التحركات مستمرة حتى اليوم، بالتزامن مع عدم قيام السلطات المعنية بتطبيق القوانين وحماية الإرث الثقافي.