إلى ما وراء القضبان

نشر في‫:‬الأثنين, آب 19, 2013 - 22:34
الحقيقة | منير الشعراني
الكاتب/ة: كميل داغر.

المرسل إليه: صديق لم يعد له وطن.
العنوان: سجون النظام العربي القديم- الجديد.

مر زمن وأنا أخطط لكتابة شيء إليك. تقريباً، مذ تأكدت أنك انتقلت من السجن العربي الكبير، الذي نشارك فيه جميعاً، إلى زنزانة أكثر خصوصية، بين مئات الزنازين، في هذا الوطن القابع بين الحلم والحلم. حدث ذلك بعد أيام على غفلة رأيتك خلالها عند حافة جبل عالٍ، تعطيني رقعة من الجلد عليها كتابات بلغة أجدادك- الذين لا يزالون يقاتلون على أرض وطنك المبضَّع والمقطَّع-، ثم تختفي في مغارة مظلمة كانت على مدخلها فتاة مهزولة مائلة إلى الجمال، وإن تكن غابت نضارتها، فبدت ثمراً يابساً.

يا صديقي
في الحلم، رحت أصرخ لك أن تخرج من المغارة، ولكن صوتي كان يائساً بحيث صحوت وهو لا يزال يُدَو..وي! يُدَوِّي؟ كلاّ إذ يخالطه الخوف والقلق، وشعورٌ عميق بالعجز والألم والحزن.

تُرى؟ هل سمعتَ الصوت؟ كان عاجزاً، عاجزاً ولكنه قويّ... فلقد كان يخاطب معك مئاتٍ بل آلافاً من الأصدقاء والرفاق، الذين سبقوك إلى تلك الفوهة المظلمة، على امتداد العشرين سنة الماضية، ولم يعودوا.
ماذا عساي أقول، يا صديقي، وأنا أعرف مدى عجزي، وعجزنا جميعاً، نحن الذين خارج الزنزانة، إذ لم نفعل ما يكفي لإنقاذكم، أو حتى لإعطاء أمل، ولو كاذب بإنقاذكم. بقينا نمارس حياتنا اليومية، بين حسراتها الكثيرة ومسراتها النادرة. وبعضُنا نسيَكُم، وإن كان بعضنا الآخر لا يزال يذكركم، ويحاول تذكير العالم بكم. ولكن يبدو أن هذا سيبقى شبيهاً بنقاط المطر على المعدن والصخر... إذ من يقاتل الوحش بعرائض حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى الوحش بالذات.

أقول لك بصراحة، إزاء كل هذا العجز الذي يتلازم مع بقائنا، من جهتنا، بمنأى إلى الآن عن المخالب، التي تُنشَب في قلوبكم وأرواحكم، أشعر كما لو كنا نتواطأ مع هذه المخالب بالذات... ننزل بثقلنا مع الوضع القائم، الذي يضطهدكم، لأننا إلى هذه اللحظة لم نفعل كل ما ينبغي فعله لوضع حدٍّ لآليَّة التخبيل والتوحيش والقمع التي تُبقي عليه، وتحمي قدرته على مواصلة حرمانكم من أشعة الشمس وموج البحر، ومن الزهرة والفراشة والعصفور، ومن معانقة الأرض الواسعة ومَنْ تحبون، ساعة تشاؤون، بعيداً عن صليل القيود، وشتائم حراس الأمر الواقع، ونظراتهم الحاقدة.

يا صديقي
أشعر بنفسي الآن، وأنا أتأمل، من حال الحرية النسبية التي أعيشها، ما تعانونه في حجراتكم المغلقة، حيث يَدفن الجلاد العربي خيرة المقاتلين من أجل الحرية وحياةٍ رائعة للجميع، أشعر بنفسي أشبه باللاعب في أدب نيتشه، يسأل بقلق وهو يرى زهر النرد يأتي لصالحه: "هل أنا غششت؟"

ولكنني لن أكرر هذا السؤال، وأهمُّ من ذلك أني لن أجيب عنه. بيد أني أراكم في هذه اللحظات الخاصة جداً من حياة العالم، الذي يواصل انهياره، وأنتم تتابعون هذا المشهد من وراء القضبان. وفي وسعي أن أقدِّر هذا الشعور، شعورَكم، وأيديكم وأرجلُكم مكبلة، أمام سفاحين وأنذال يغتصبون امرأة. وبالأخص حين تكون هذه المرأة هي الكوكب بأكمله، وكل المستضعفين الذين يتحركون فوقه.

يا صديقي
أضيع الآن في زحمة أسماء حميمة تجول في نفسي، ويتحرك اسمك بينها بحرية كاملة، فيما تتبادلون أسماءكم جميعاً، مثلما تتبادلون فنجان الشاي وكسرة الخبز وقطعة الصابون، والفسحة الصغيرة من الحياة التي يتركونها لكم، وحتى الذاكرة. آه، الذاكرة! إنها الشيء الوحيد الذي يبقى لكم، والذي لا شك في أنكم ستدافعون عنه إلى النهاية. فهو الذي يحافظ على الأمل بغد آخر، تنفتح فيه كل الأبواب على مصراعيها، وتسقط كل الحواجز، على الطريق إلى تلك الطوبى الرائعة المسماة مملكة الحرية.
(...)
يبقى أن أستكمل على مسمعك، أخيراً، وصلةً أخرى من الحلم الذي رأيتك فيه، بعد دخولك قواويش الملك سليمان:
"كانت هنالك فتحة ثانية في سفح ذلك الجبل، على يسار المغارة المظلمة التي ابتلعتك، فتحةٌ مضاءة يتدفق منها الماء، صافياً كعيني طفل... وأنا موقن أنك ستأتي منها في غد قريب، ومعك كل الرفاق والأصدقاء، الذين سينضَمُّون من جديد إلى مسيرة تغيير هذا العالم".

نشر هذا النص في جريدة السفير، 2 أيلول 1992، وأعيد نشره في كتاب كميل دغر: ينبغي أن نحلم، دار التنوير، بيروت، 2010