الاحتجاجات بمواجهة مخطط برافر: كيف تتوسع الحركة؟

نشر في‫:‬السبت, تموز 20, 2013 - 13:37
من فعاليات يوم ١٥ تموز ٢٠١٣ بمواجهة مخطط برافر | الصورة: activestills.org
الكاتب/ة: مجد كيّال.

من المبكر بعد أن نبني أي تقييم متكامل حول حركة الاحتجاج الفلسطينية ضد مخطط برافر الصهيوني التي انطلقت في ١٥ تموز ٢٠١٣. فالفعاليات الجماهيرية كانت محدودة العدد، لكن الجديد التي اتت به الحركة هو إعلان نيّة التصعيد والالتزام بها.

فُرض على الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ واقع استعماري نسميه "واقع المواطنة"، حياة تملأها التناقضات فمن جهة هناك الواقع الحياتي اليومي المرتبط كلياً بجهاز دولة الإحتلال، وبين الهوية العربية الفلسطينية من جهة أخرى. الإمتثال لقوانين الدولة الصهيونيّة، الخضوع لما تفرضه، ومن ثم محاولة العمل من خلال/وبمواجهة هذه الأجهزة، هي مراحل في عملية تاريخية طويلة لا مكان لتفصيلها في هذه السطور، لكنها قوّضت إمكانيّات الصدام المباشر مع الصهيونيّة بعكس وضع الفلسطينيين في الشتات أو الفلسطينيين في الضفة وغزة.

ليست هذه أوّل مرة يخرج فيها الفلسطينيون إلى الشوارع ويواجهون الأمن الإسرائيلي، لكن المختلف هذه المرة، هو أن هذا الخروج عادة (إلا في حالة يوم الأرض) يأتي بشكل عفوي على أثر أحداث دمويّة، وبينما اليوم يأتي التحرّك بقرار سياسي لا لبس فيه.

مخطط كارثي
لا يقبل العقل أن يحدث ما هو غير ذلك؛ مخطط برافر هو واحد من أكبر مخططات التهجير وسلب الأراضي الفلسطينيّة منذ النكبة. فهو يصادر ضعف مساحة الأرض التي صادرها جدار الفصل العنصري، ومساحة الأرض المصادرة والتي تبلغ ٨٠٠ ألف دونم، هي أكثر من مجموع كل الأراضي التي يملكها الفلسطينيون في الجليل والمثلث معًا! مخطط تُهدم بموجبه ٣٨ قرية بدويّة فلسطينية من قرى النقب، ويُهجر ما بين ٤٠ و ٥٠ ألف فلسطيني من قراهم ليتم نقلهم الى بلدات حكومية مخنوقة ومعدومة من حيث الخدمات والبنى التحتية. الفلسطينيون البدو الذين يشكلون ٣٠٪ من مجمل سكّان منطقة النقب، سيُحصرون في مساحة تشكّل ١٪ من أراضي هذه المنطقة! الأسوأ أن هذه البلدات الحكومية بعيدة كل البعد عن التركيب الاجتماعي للفلاحين الفلسطينيين البدو في النقب، بلدات يتناقض تخطيطها جذرياً مع طبيعة المجتمع وارثه الثقافي والتاريخي، وذلك يُنبئ بكارثة تحوّل المجتمع الفلسطيني في النقب إلى مسخ اجتماعي سرعان ما سينهش به الفقر والإجرام، وتدمّر بنيته الاجتماعية فتنهار توازنات السلم الأهلي التي يحميها حتى الآن نفوذ القبيلة. من الجدير بذكره، أن جزء كبير من الفلسطينيين الذين سيهجَّرون من النقب إلى بلدات التركيز، سيتم تركيزهم على أراضٍ لعائلات وقبائل بدويّة أخرى لا تعترف إسرائيل بملكيّتهم للأرض. أي أنها ستُصادر أراضٍ بدويّة، وتُجبر أهلها على أن يسكنوا على أراضٍ أخوتهم.

كيف يُقرأ الاحتجاج؟
لم تأت الدعوة للإضراب العام وللاحتجاجات الغاضبة من قبل المجموعات الشبابيّة والحركات الفاعلة في الداخل الفلسطيني، بل أتت بالحقيقة من القيادات الحزبية والقيادات السياسية التقليدية، لكن ترجمتها على الأرض، من حيث التنظيم والتنسيق والحشد والتعميم، كانت تحت قيادة الحركات الشبابيّة.

تركزت المظاهرات في الداخل في أربع مدن اساسية؛ بئر السبع في النقب، أم الفحم في المثلث وسخنين في الجليل والقدس، وقد أغلق المتظاهرون الشوارع المركزية في المناطق الثلاث الأولى، حتى بدأ هجوم الأمن الإسرائيلي وبدأت الصدامات؛ حدث ذلك في سخنين وفي بئر السبع، أما في أم الفحم فاستطاعت القيادات الحزبية والتقليدية أن تجبر الشباب على فتح الطريق قبل أن تشن الشرطة هجومها بدقائق قليلة؛ الإدعاء الأساسي بأنهم لا يريدون المواجهة لأنهم لا يريدون أن يرتدع الناس عن المشاركة، وأن الجماهير لا تشارك بكثرة لأنها خائفة، يريدون أن تنتهي الأمور بهدوء، لكنهم يتجاهلون أن هذا الهدوء هو ذاته الذي يشعر الجماهير بأن مشاركتها بالمظاهرات لا تقدم ولا تؤخر ويشركها بلا جدوى حضورها. أما في القدس، فالصدام مع الإسرائيليين لا يحتاج الى مقدِمات أو مبررات. هذه الاختلافات الاجتماعيّة والاختلافات في تجربة النضالية في ظلّ مجتمع مقطّع الأوصال، يجب أخذها بعين الاعتبار في اي قراءة لما يحدث.

من الطبيعي أن نجد من ينشغل بالتهليل للصدامات المحدودة التي خاضها الشباب، وجزء آخر يبالغ في خطورة ما حدث في دعوة واضحة للتراجع. أما التفكير الجدي فيما يحصل بأدوات مبدئيّة وميدانيّة فهو صعب لأننا في الأيام الأولى، ولا يمكن أن نتنبأ، فقد تفشل حركة الاحتجاج وقد تنجح، ولكن رغم صعوبة التحليل والتكهّن الآن، الالتزام بالتفكير والتحليل والقراءة العقلانيّة في وقت العمل هي الضمانة الوحيدة لنجاح الحركة الشعبية.

سأحاول التركيز على بعض النقاط التي تشغل بال البعض هنا، وهي جزء من مواقف وأسئلة ونقاشات كثيرة، وعن طريقها ربما نعرض بعض جوانب التحرك الذي لا يزال في طور الولادة.

توسيع دائرة النضال
واحد من مميزات تحرّك ١٥ تموز هو انتاج واقع جديد يُخرج قضية برافر من دائرة النقب ويوسعها لتصل الى الجليل والمثلث وبالتالي نقل الاحتجاج أيضًا إلى القدس والضفة الغربية وغزة. تنبع اهمية هذه الخطوة من التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني والتي هي عامل مفصلي في نضالنا، ولكن هذا مفهوم ضمنًا، من جهة أخرى هناك أسباب قلما نتطرق إليها: (١) التجمعات السكانية الفلسطينية في الجليل والمثلث أقرب إلى بعضها البعض، كثافة القرى والمدن في هذه المنطقة أعلى، وبالتالي إمكانيّة انتشار الاحتجاجات ووصول المتظاهرين من بلد إلى بلد واتساع الفئات المشاركة يصبح أسهل بكثير، وهذا يعطي الكثير من الدفع للحركة ككل. (٢) للأسف الشديد، الأطر السياسية بشكل عام أكثر تنظيماً وانتشاراً في مناطق الجليل والمثلث، وهذه مشكلة لطالما كُتب عنها في أدبيات الأحزاب ولطالما تحدث عنها النشطاء في منطقة النقب دون أن يلقوا إصغاء من قبل المراكز السياسية. (٣) المجتمع الصهيوني لا يعنيه ما يحدث في تلك المنطقة، المدن الإسرائيلية في الجنوب هي هوامش الهوامش في مجتمع الاستعمار هذا، يتركز فيها الفقراء الإسرائيليون والفئات المستضعفة في داخلهم، لذا فإن ممارسة الضغط على مراكز الثقل الإسرائيلية أسهل في المركز والشمال. (٤) هناك عامل آخر لا نتطرق إليه أبداً، وهو عامل مبدئي من الدرجة الأولى: يُمكن لحركة سياسية داخل المجتمع الصهيوني أن تنتقل لتقاتل في مكان آخر، يمكن للصهيوني أن يترك بيته في تل أبيب ويذهب ليستوطن في الخليل، لكن هذا ليس جزءاً من ثقافتنا النضالية ولا يمكن أن تكون، ويجب أن نحافظ على أن لا تكون. يستطيع المُستَعمِر أن يذهب إلى مكان آخر ليفرض واقعاً سياسياً فيه، هذا عمله، هذا هو الاستعمار، يأتون من بعيد ويفرضون واقع سياسي جديد الى الاماكن التي يستوطنون فيها، نحن الفلسطينيون لا يمكننا ذلك، نحن جزء من طبيعة هذا المكان لا يمكن أن نصطنع وجود سياسي وبالتالي لا يمكن أن تنتقل الجماهير للنضال في النقب ولا جدوى من أن تنتقل مجموعات جماهيرية إلى هناك، ابن النقب يناضل في النقب، وابن الجليل يناضل في الجليل وابن غزة يناضل في غزة؛ في جوهر النضال ضد الاستعمار تجد الارتباط العاطفي بالمكان أساسي ولا يمكن التنازل عنه، وعليه فالإمكانية الوحيدة هي نقل النضال إلى كل فلسطين، وليس نقل المناضلين إلى النقب.

تحولات السطح وتحولات العمق
مع انضمام الضفة وغزّة والقدس إلى حركة الاحتجاج (وننتظر المزيد) يصبح من السهل أن يرتفع سقف شعارات التحرك، نلمس في بعض الأحيان محاولة للقفز فوراً إلى قضايا أوسع من مناهضة برافر واحتواء كل الشأن الإستعماري. وعلينا جميعاً أن نتوخى الحذر ونحافظ على تركيز المعركة وشعاراتها وأهدافها لإسقاط مخطط برافر وإجبار الإسرائيليين على التراجع وعلى إلغائه تماما. أولاً وقبل كل شيء لأن الحركة الشعبية في مراحل تشكلها تحتاج أهدافا واضحة تناضل ضدها من أجل أن تتسع وتنضج، تحتاج نقطة تُركز فيها معركتها، تحتاج اسما وتحتاج رمزا تطلق قوتها بمواجهته حتى تسقطه، والأهم من ذلك أنها تحتاج أهدافا ومحطات يمكن عن طريقها أن تختبر تطورها وتحدد مسارها.

دفع النضال ضد مخطط برافر باتجاه النضال ضد الاستعمار الصهيوني لفلسطين لا يتم بالدفع نحو تغيير الشعارات المطروحة في النضال، هذا تحويل يبقى على السطح، الدفع الحقيقي يكون في نوعية الإستعداد الشعبي للنضال، وفي رفع السقف الشعبي لإمكانيات وأدوات النضال، في إرساء ثقافة جديدة ووعي مجتمعي جديد يعيد النظر بماهية التظاهر، وماهية العلاقة مع القانون الإسرائيلي المفروض علينا، وتعيد فهم معنى الإستعداد للنضال والإستعداد لتقديم الثمن. القوة ليست في الشعار الذي نرفعه، القوة في التشكيل الاجتماعي الذي يمكن أن تنتجه الحركة، إذا استطاعت أن تدفع بأوسع شريحة من المترددين للعمل النضالي وإذا استطاعت ان تقنع أوسع شريحة بأن الخروج عن المألوف هو الطريق الوحيد لنيل المطالب السياسية والاجتماعية، هذا يحتاج إلى نموذج، والنضال لإسقاط برافر يمكن ان يكون هذا النموذج، وتكرار هذه النماذج بأكثر من مكان وأكثر من حالة، تكثيفها في حال انتصارها هو الدفع الحقيقي باتجاه مواجهة الاستعمار بشكل جدي من الداخل.

"الشوارع مدارس والحصص إنتفاضة"
هناك أغنية من الانتفاضة الأول يقول أحد أبياتها "الشوارع مدارس والحصص إنتفاضة". نقطة مركزية أخرى يجب التشديد عليها هي عملية التعلّم النضالي. التحركات الشعبية التاريخية في الداخل الفلسطيني كانت دائماً عبارة عن هبّات شعبية، تخرج وتنتفض لبضعة أيام ثم تهدأ، لكن المؤشرات دائماً كانت تسبق الهبات.

على سبيل المثال في بداية الانتفاضة الثانية خرجت الناس في الداخل الفلسطيني في أكتوبر ٢٠٠٠ متلاحمةً مع الانتفاضة، لكن المؤشرات لهذا الانفجار كانت من قبل ذلك، كانت في العام ١٩٩٨ في معركة على مخطط لمصادرة الأراضي في منطقة المثلث (معركة الروحة)، وبعدها كان اشتباكات شديدة في بداية العام ٢٠٠٠ في يوم الأرض (استشهدت فيها سيّدة مُسنّة اسمها شيخة أبو صالح من جراء تنشّق الغاز) وكانت مواجهة أخرى في شفاعمرو في ذكرى النكبة من العام ذاته، ثم أتى أكتوبر ٢٠٠٠.

لم تُبن علاقة ما بين هذه الأحداث حينها، كانت أحداث يشعلها الحماس والاستعداد للمواجهة والتضحية، لكن المواجهة لم تتحول إلى تكتيك، ولم تنتج منها استراتيجية مواجهة واضحة، والأهم أنه لم يرافقها عملية تثقيف ميداني، لم يتحول هذا الشكل من التظاهر إلى معرفة وثقافة، ولذلك، إلى جانب أسباب موضوعية كثيرة، إنكسرت هذه الحالة في أكتوبر ٢٠٠٠ حين استشهد ١٣ شاباً.

نسخ التجارب لا يفيد، النضال الطويل يتعلم من ذاته ميدانياً وإعلامياً، ووسائل الإتصال المتوفرة الآن تعطي مساحة للكتابة ونقل المعلومات بشكل واسع، هذا يساعد الناس على أن تعرف موقعها في المظاهرات والمواجهات، يعلمها أن تحافظ على سلامتها ويساعد على تقليص المخاوف. جزء من هذا التعليم هو الحاجة للإمساك: بمحور حساس جداً فيه مساحات آمنة تسمح لأوسع فئة مجتمعية أن تخرج إلى الشارع، وكذلك وفي الوقت ذاته الامساك بمساحات صدامية تغذي الحالة النضالية وتراكم التجربة. وجزء من هذا التعليم هو اختيار الأسلوب والمواظبة عليه بإصرار وثبات بطيء، واختيار أساليب يمكن عن طريقه زجّ أوسع شريحة اجتماعية في النضال، لذلك فإن خيار قطع الطرقات بتواجد المتظاهرين وليس بأدوات أخرى، هو أساسي وهام من هذا الجانب.