قهوة أبو الياس

نشر في‫:‬الجمعة, ايار 10, 2013 - 17:37
"يا ليت لي قلبك لأموت حين أموت"|meetareej
الكاتب/ة: سونيلا م..

‫المقهى الذي أرتاده بشكل دائم هو ضرورة شخصية أحتاج إليها في كل مدينة أقيم فيها. أستخدم المقهى بهدف القراءة أو العمل على الكمبيوتر أو للقاء أصدقاء أو فقط للخروج من البيت لتغيير الجو، إذ إنني لا أطيق العيش في مكان ما من دون وجود مقهى يكون لي بمثابة "بيتا خارج البيت" ولا يبعد عن محل سكني أكثر من عشر دقائق أو ربع ساعة مشياً على الأقدام. لم ألق خلال إقامتي في بيروت مكاناً يلبي هذه الشروط بالرغم من أنني جربت أكثر من مقهى كاد يشكل لي هذا "البيت الثاني". ولكن هذه هي بيروت، ما أن تشعر بأنك ألفتها حتى تُشعرك بالاغتراب، فضلاً عن أنني حاولت سدى العثور على مقهى عربي يمكنني ارتياده في المدينة العربية التي آثرتها على جميع المدن العربية الأخرى التي أقمت فيها. ‬

‫إلى أن اكتشفت برفقة صديقة مقربة "قهوة أبو إلياس" الواقعة في الدورة قبيل رحيلي من بيروت وعودتي إلى نيويورك بأسبوعين أو ثلاثة. كنت قد زرت الدورة سابقاً للمشاركة في مظاهرات انطلقت من هناك واشتريت القهوة والمياه من أبي إلياس نفسه غير أنني لم أفكر يوماً بأنه سيرحب بي زبونة حتى اصطحبتني صديقتي إليه خلال إحدى "كزدوراتنا" من مار مخايل النهر إلى برج حمود وثم إلى الدورة. ‬

‫ما إن جلسنا في هذا المكان البسيط حتى تبددت كل مخاوفي من إمكانية عدم قبولي هناك بسبب شعري الطويل والأقراط التي ألبسها التي تضفي على منظري (في العقلية السائدة لدى الشارع) ملامح الـ"طانط" أو الـ"لوطي" ومفاهيم من هذا القبيل غالباً ما يتم التعامل معي بها أثناء تواجدي في الحيز العام. لكن عند أبي إلياس في الدورة، وهي منطقة شعبية يكثر فيها العمال الأجانب والمنتمين إلى الطبقات غير الميسورة، "ما كانت فارقة معه". يقع المقهى عند الطرف الجنوبي من مستديرة "الدورة" التي تشكل نقطة انطلاق لحافلات متجهة إلى جبل لبنان والساحل الشمالي عبر أوتوستراد الدورة/جل الديب. وفي الاتجاه المعاكس من المقهى يتفرع طريق برج حمود الرئيسي ويمكن الوصول إلى المقهى مشيا من ساحة البلدية في برج حمود على الخط الرئيسي في غضون عشر دقائق تقريباً. لا يحتل المقهى مساحة تزيد عن بضعة أمتار مربعة تتسع لأكثر من طاولتين تضم كلتاهما كرسيين، وفي مواجهتهما "مكبس" قهوة وبراد للمرطبات والمياة الباردة والبيرة وعلى الزاوية الأخرى رف للنراجيل ومنقل للفحم يوضع أحيانا على الرصيف أيضاً في أيام الحر الرطب الخانق. وفي أسفل هذه المساحة الضيقة هناك درج لولبي يؤدي إلى الطابق الثاني الذي هو عبارة عن مخزن للفحم والنراجيل وغيرها من "المونة" إضافة إلى سرير بسيط وحمام متسخ بعض الشيء غير أنه "بيمشي الحال" في أشد حالات "الانزراك". بالرغم من ضيق مساحته وبساطته، يوحي المقهى بأنه معروف لدى الجميع، ربما بسبب موقعه المركزي واللافتة القماشية المعلقة على واجهة المبنى حيث يوجد والتي خُطّ عليها بأحرف بيضاء على خلفية خضراء ”مقهى أبو إلياس“ بخط بسيط ورشيق. ‬

‫يقدم المقهى قهوة الاكسبرسو والشاي والنسكافية والزهورات والمشروبات الباردة بالإضافة إلى البيرة وعلب الدخان، أي الأشياء البسيطة المطلوبة لدى الإنسان الكادح بأسعار زهيدة تناسب الجميع. وفوق ذلك يمكن طلب النرجيلة بسعر مغرٍ مقداره خمسة آلاف ليرة. وقهوة أبو إلياس لذيذة الطعم رغم رخص سعرها ويبدو أنه قد درّب أجراءه جيداً على "تزبيط" النرجيلة فهي بدورها زكية الرائحة ونفسها يدوم طويلاً بدون أن يحترق التنباك كما أنها لا تسبب السعال المتلازم مع تدخين النرجيلة. وتظل مساحة المقهى والرصيف الملاصق لها نظيفة ومرتبة على بساطتها ومريحة للجلوس. ‬

‫يشرف أبو إلياس على إدارة المقهى بل يشارك في إعداد الطلبات بشكل شبه دائم، فلا يكاد يغيب عن التواجد فيه. يساعده ابنه (يبدو على الأقل أنه ابنه) في الأعمال بالإضافة إلى أجير مختصّ بإعداد النراجيل وتغيير "النارة" للزبائن المؤرجلين.‬

‫أبو إلياس رجل نحيل طويل القامة نسبياً وخمسيني العمر بشعر ناعم وقصير خالطه بعض الشيب وشارب قصير محلوق بأناقة. لا يكاد يبتسم غير أنه يتعامل مع كل من يقبل على محله بتهذيب وقلما يرفع صوته أو يصيح. يعمل ويدير مقهاه بهدوء وسكينة وسط ضجيج الدورة بناسها وزماميرها وزحمة سيرها. هذا الانطباع الأولي هو الذي دفعني إلى ارتياد المقهى، فهو فوق هذا الهدوء والتهذيب اللذين يتسم بهما يساوي في معاملته للزبائن فلا يفرق بين الأجبني واللبناني وبين الفقير والميسور أو بين الشاب والفتاة (على قلة الفتيات اللواتي رأيتهن يجلسن عنده). لم يشعرني للحظة أنه سيميزني عن بقية زبائنه في تعامله معي فسرعان ما ارتحت للجلوس عنده. فبسلوكه هذا يجبر أبو إلياس موظفيه وزبائنه على اتباع السلوك نفسه وعدم التسبب في المشاكل في محيطه على الأقل. وذلك ما جعلني أشعر بأني أخيراً- حتى ولو أوشكت على الرحيل- اكتشفت المقهى العربي الشعبي البسيط الذي يمكنني ارتياده من دون مضايقة أو ازعاج. إذ يشعر الزائر لبيروت أن المقهى البسيط الشعبي، الذي ليس على نسق الكافيه الأميركي الذي يفرض على زبائنه أسعاراً باهظة نسبياً لتوفير الراحة لهم، يوشك على الانقراض. لا أعتقد أن "الثورجيين على الموضة" الذين تعجّ بهم مطاعم ومقاهي الحمراء يعلمون بوجود مقهى أبو إلياس وإن كانوا يعلمون به فإنني متأكدة من أنني لو مررت به برفقتهم ودعوتهم إلى فنجان قهوة مع نفس أرجيلة لكانت ردة فعل معظمهم: "نيااااء، شو قرف!".‬

‫الجلوس إلى طاولة على الرصيف يؤمّن للمرء موقعاً استراتيجيا ممتازاً لمراقبة حركة البشر من مشاة وركاب حافلات وسيارات وهو يشرب قهوته ممسكاً بنبريش نرجيلته باليد الأخرى. شخصيا أفضل الجلوس على طاولات الرصيف كي أنعم بالهواء الطلق (حتى لو كان ملوثاً بالعوادم وأحيانا ببعض الروائح الكريهة) وأتمكن من إراحة رجلي وعدم الشعور بضيق النفس. ومقهى أبي الياس من بين جميع المقاهي الشعبية في الدورة يطمئنني بأنني أستطيع اللجوء إليه وقتما أشاء وأتفرج على الشارع البيروتي ببشاعته وعنفه الجميلين المغريين

إنه ضرب من الترفيه المجاني أن تشاهد أنماط الناس التي تحوم حول المقهى، شخصيات صنعها المجتمع اللبناني بفوضاه. إنهم جزء أساسي من مشهد المقهى ومحيطه المنطقة. منهم على سبيل المثال الشاب العشريني النحيل الذي "يتبهور" و "يفشخ" أمام الجالسين بطريقة مضحكة ومسلية ثم يهدأ فجأة إذا سمع أبو إلياس يأمره بأن "ينضبّ"، فينصاع له ويبدأ بملاطفة الزبائن أو يتصنع بأنه يعمل مع المعلم في المقهى. لا يمل المرء من مراقبته هو وغيره، مثل الفتاة العشرينية بشعر قصير أشعث بلبس الجينز والقميص الرجاليين التي تجلس دائماً إلى إحدى الطاولات الداخلية بصمت. لا تكاد تنبس بكلمة لأحد وهي تشرب قهوتها وتدخن سيگارة مارلبورو تلو الأخرى، مع أنه من الواضح أن الجميع يعرفها، لا أحد يلتفت إليها أو يحدق بها. يبدو من ملامح وجهها بتجاعيده المتقاطعة وأسنانها المعوجّة أنها عانت حياة قاسية ولكن لم تتملكني الجرأة في محادثتها ولا مرة قبل رحيلي كي أعرف حكايتها. قهوة أبو الياس يقصدها أيضا آخرون من زعران المنطقة وعمال أجانب وأطفال شحاذين وسائقو الحافلات والتكاسي وأناس ”عاديون“ يمرون إلى المقهى ويجلسون فيه كي يرتاحوا لهنيهة من مدينتهم التي لا ترحم.‬

‫لا حياة بالنسبة لي في أي مدينة بدون وجود مقاهٍ أرتادها كأبي إلياس. لقد أعطاني هذا المقهى بصيص أمل قبيل رحيلي بوجود مكان يتسع لي في بيروت، أكثر المدن العربية جمالاً في بشاعتها ومحبةً عندي حين أكرهها. ‬