الإنسان ليس جزيرة

نشر في‫:‬الخميس, ايار 2, 2013 - 16:47
بقدر الهموم تكون الهمم|تصميم منير الشعراني
الكاتب/ة: سونيلا م..

لا أنوي هنا كتابة بحث علمي عن الأواصر المقطوعة بين كل من الآداب العربية والهندية المتعددة والفارسية والتركية والكردية والعبرية، أو ما أحب أن أسميه اتحاد الثقافات السمراء، فهذا من خارج قدرتي ومعرفتي العلمية. كما إنني لا أرغب في مقاربة مثل هذا الموضوع بشكل أكاديمي قبل أن أروي كيف تطورت هذه الأواصر في تجربتي.

ولدت لأب هندي تنتمي عائلته إلى الطائفة الهندوسية و أمّ أميركية يهودية. إن عائلة والدي، رغم انتمائها الطائفي كانت مندمجة في ما أطلق عليه اسم "الثقافة الإسلامية الراقية للهند الشمالية"، فلم يكن أفرادها يتميزون عن جيرانهم المسلمين في اللغة أو في المظهر من حيث اللبس والتذوق الثقافي والفني أو في العادات والتقاليد سوى في العبادة، فقد كانوا متلاحمين في نسيج اجتماعي ثقافي واحد يُعتبر فيه مثقفاً من يتقن اللغة الأردو والفارسية (وبعدهما إما العربية أو السنسكريتية). حتى بعد استحكام سيطرة الاستعمار البريطاني، لم تكن الثقافة الأنكلو- سكسونية بوصلة التذوق الفني والأدبي. كان يتوقع من الإنسان المثقف أن يستمع إلى الموسيقى الهندية الكلاسيكية التي تتداخل جذورها مع الموسيقى الفارسية والتركية والعربية، وأن يحفظ ويلقي الأشعار في الأردو أو الفارسية، من يعرف شيئاً عن الشعر الأردو والفارسي يعرف حتماً أنهما يستمدان أساليبهما وأعرافهما من القصيدة العربية القديمة من حيث المفردات والموضوعات والتيمات، كما تعتمد بنية القصيدة فيهما على البحور والعروض الخليلية بشكل أساسي.

بالرغم من إنني أكره البكاء على أطلال ماضٍ لا ننفك نجمّل صورته من شدة بؤس واقعنا، فلا بدّ من الإشارة إلى أني لم أتلقّ شيئاً من هذه التربية خلال نشأتي في الهند. كان علي أن ألتحق بالجامعة في نيويورك لتتاح لي الفرصة لأتعلم اللغات (وبالتالي الثقافات) العربية والفارسية والعبرية. وما زلت إلى الآن، وخلال دراستي لهذه اللغات وآدابها، أتعجب من كوني أتعرف مراراً إلى مفردات عربية وفارسية وعبرية بسبب تواجدها في اللغة الهندية والأردو، "فتكاد اللغتان تكونان لغة واحدة في المحكي". كما أنه من المضحك المبكي أنني تمكنت من قراءة نص في الأردو، والتي يفترض أن تكون لغتي الأم إلى جانب الانكليزية، فقط بعد أن تعلمت قراءة العربية وذلك في جامعة أميركية!

ليس القصد هنا أن أندب وأنوح كيف دمر الاستعمار الأوروبي الروابط القديمة بين هذه اللغات والثقافات فهذه مسلمة حللها وأثبتها علماء كثيرون. ما أريد أن أبكيه هو الضآلة التي آل إليها التبادل الثقافي والمعرفي بين كل هذه الثقافات والتي أنتسب إليها بنسب متفاوتة. لن أتطرق إلى التباعد المحزن الذي حصل بين العربية والعبرية فتلك مسألة أكثر تعقيداً بسبب استعمارين متتاليين - أوروبي وإسرائيلي - جعلا من العبرية لغة شبه أوروبية الهوى والانتماء و "عدوة" للغة العربية.

إنما أفضّل هنا أن أتحدث عن واقعة مؤسفة وقعت لي منذ بضعة أيام، عندما ذهبت إلى عرض فيلم "الفهد" الرائع للمخرج السوري نبيل المالح الذي نظمته جمعية ألوان للفنون. كان القائم بتنظيم العرض زميلاً إيرانياً، فحييته بالفارسية عند وصولي إلى قاعة العرض وأخذنا ندردش بالفارسية. عندئذ قاطعنا أحد أعضاء الجمعية الذي كان جالساً قربنا سائلاً بكل جدية وحسن نية بأية لغة نتحدث، وكأننا كنا نتحدث بالفنلندية أو الايسلندية وليس بلغة لها روابط بالعربية تمتدّ إلى أكثر من ألف ومئتي سنة على المستوى الثقافي والأدبي والسياسي. أحزنني سؤاله أكثر مما أزعجني فإذ بي أتساءل هل كان لهذا السؤال أن يخطر في بال مثقف ينتمي إلى إحدى هذه الثقافات المذكورة أعلاه قبل مئة وخمسين عاماً؟ قد يصح قول الشاعر الإنكليزي جون دَن "إنّ الإنسان ليس جزيرة"، غير أنه يبدو أن أممنا تشتتت عن بعضها لتصير جزراً. وإلا فكيف آلت الأمور إلى هذه الحالة التي يعيش فيها كل من المثقف العربي والإيراني والهندي والتركي معزولاً عن ثقافة جاره وكأنهم جميعاً جزرا معزولة عن بعضها البعض تتطلع كل منها إلى بر اللغات والآداب الغربية لاستمداد قوتها الفكرية والثقافية؟ كيف استطاع الاستعمار الأوروبي الثقافي أن يفكك قارة تمتدّ من أقصى غرب المغرب إلى أقصى شرق الهند؟ ولماذا تكاد تنعدم الترجمات الأدبية بين اللغات العربية والهندية والفارسية والتركية والكردية (وغيرها) إلا استثناءات لا يتجاوز عددها أصابع اليدين؟

فعلى سبيل المثال، كان على شاعر من طراز بدر شاكر السياب أن يقرأ أشعار عمر الخيام وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي بالإنكليزية كي يتعرف عليها أو - الأنكى من ذلك - يقرأ ترجماتها العربية عن الإنكليزية، رغم أن موطن هؤلاء يجاور موطنه العراق بينما تفصله عن بريطانيا آلاف الأميال! نعرف أن استبدال الحكم العثماني بالاستعمار البريطاني قضى على تعليم الفارسية والتركية واستبدله بتعليم الانكليزية ولكننا نتساءل لماذا اختار النهضويون قطع الأوصال بهاتين اللغتين كي يناصروا قوميتهم العربية؟ صحيح أنهم قد كانوا مرغمين على تلقي الثقافات الاوروبية كأساس جديد لمعرفتهم ولكن كان بإمكانهم الحفاظ على هذه الروابط كي لا يصبح الغرب الأساس والمعيار لكل معرفتهم كما أصبح بالفعل. فكم من مثقف عربي اليوم يتذوق بجدية وعمق الأدب الفارسي؟ أو كم من مثقف تركي يتذوق الأدب العربي؟ كل واحد منهم يتقن الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية لكننا لن نعثر، إلا فيما ندر، على من يتقن لغة إحدى الآداب التي لديها قواسم مشتركة بأدبه.

لقد تسنت لي الفرصة بحكم ظروف حياتي وأصولي المختلطة وفضولي للغات والآداب أن أطلع على أكثر من أدب واحد من بين آداب هذه الأمم المتصلة ببعضها البعض والتي أشعر بأنني أنتسب بدرجات متفاوتة إليها جميعاً. وكلما تنقلت بينها كلما ألحّ علي الشعور أكثر فأكثر بأنه يتوجب علينا أن نحاول إعادة هذه الصلات وعلى الأقل أن نتعرف على بعضنا البعض ثقافياً ولغوياً وأدبياً من جديد. فمن المحزن، بل من المعيب أن يضطر الهندي إلى اللجوء إلى استخدام الانكليزية ليحاور زميله الإيراني، أو يلجأ إليها السوري مع صديقه التركي.

لن أنكر أن هناك الكثير في الثقافة الغربية الذي أعتبره جميلاً ومثرياً أسهم في تكويني وتجاربي، غير أنه لا يجب أن يكون المركز والمحور الأساسي أو المعيار لتذوقنا، نحن اتحاد الشعوب السمراء، نكاد لا نعرف شيئاً عن بعضنا البعض، بل أحياناً نمقت بعضنا أكثر مما نمقت مستعمرنا! لقد آن الآوان فلتلتحم جزرنا ولتتحد قارتنا من جديد.