"إذا كنَّا نرتدي النار، كيف نستطيع أن نخلعها؟"

نشر في‫:‬الخميس, اذار 28, 2013 - 21:22
أحمد، بريشته
الكاتب/ة: سونيلا م..

أحمد، أنت كلماتي

إنه الليل. وما أكتبه الآن ليس صحيحاً أو دقيقاً ولكنّه بالتأكيد ليس مجرّد خيال. أحتاج إلى الليل لأكتب عن صديقي أحمد القابع في سجن رومية لأن علاقتي به حميمة كدفء اللحاف في ليل بارد لكنها أيضا غامضة وملتبسة كالليل.

نعم، لدي صديق يدعى أحمد وهو سجين يقضي محكوميته التي تبلغ خمس سنوات سجنية بتهمة تجارة المخدرات وتعاطيها في مركز إعادة التأهيل في إحدى مباني سجن رومية المعروف كأسوأ سجن في جمهورية الحمّص بسبب وحشية أوضاعه (وربما أيضاً بسبب سوء حمّصه). لا أعرف الكثير عن ملابسات قضيته ولماذا تورّط فيها وكيف قُبِضَ عليه وعلى أي أساس حوكم وأدين. تعرفت إليه منذ حوالي ثلاث سنوات قبل إلقاء القبض عليه بقليل في زيارة خاطفة لبيروت من خلال أجواء الأصدقاء اليساريين والمثليين في الحمرا. لم أعلم أنه يتعاطى الهيرويين وأنه "خريج حبوس" بسبب تعاطيه ومتاجرته بهذا السمّ تارة لإشباع إدمانه وتارة أخرى لتحصيل رزق بسيط.

أحمد شاب متوسط القامة، نحيل جدا لدرجة الضمور، ذو عينين واسعتين ولحية خفيفة طالت خلال إقامته في السجن. كان يكحّل عينيه ويرتدي قمبازاً، كأنه لبس عادي، وهو يصول ويجول في الشوارع. لا أعلم شيئاً عن خلفيته أو عائلته أو حتى كم يبلغ من العمر سوى أنه يتحدّر من صيدا. تعرّفْتُ إليه عندما كان شريك منزل لصديقتي هند في شقة صغيرة مهترئة في منطقة الأشرفية تعطلت كلّ منافعها، فاضطررنا أكثر من مرة إلى قضاء حاجتنا في الحاكورة الملاصقة. لم يكن كثير الكلام كباقي أفراد "القرطة" لكنّي أتذكر جيداً سخريته اللاذعة من كل شيء. أتذكّر أيضاً كيف أنقذني مرة عندما تعرّض لي بعض الزعران في الحمرا وشرِعوا في تهديدي حين كان يمرّ بالصدفة. لم تتسنَ لي الفرصة أن أتقرب منه أكثر لأنني كنت أجتمع به دائماً ضمن "قرطة" الأصدقاء. ثم بعد بضعة أيام سافرْتُ وعندما عدْتُ إلى بيروت، سألْتُ هند عنه مرةً، فأجابتني باقتضاب أنه محبوس، موحيةً لي أنها لا تريد الدخول في تفاصيل الموضوع، فامتنعْتُ عن المزيد من الاستفسار فقررْتُ أن أنساه، غير أنّ هنداً كانت تخبرنا بين الفينة والأخرى أنه يتواصل مع الناس في الخارج على الفايسبوك، فاستغربْتُ الأمر كما استغربْتُ شخصيته وسلوكه من الأساس.

مرَّتْ الأيام وتوالت زياراتي لبيروت وكدْتُ أنساه فعلاً، خاصة وأنني لم أسمعْ عنه خبراً خلال الأشهر السبعة التي قضيتها هناك العام الماضي. ثم بعد عودتي إلى نيويورك يائسةً بائسةً من الخيبة الشخصية الكبرى التي كنْتُ قد ذقْتُها في تجربتي البيروتية، فإذ بي أفاجأ بطلب صداقة منه على الفايسبوك. استفسرْتُه عمّن يكون، لأنني أوشكْتُ على نسيانه اسماً وشكلاً. لكن، سرعان ما تذكرْتُه وبدأت أتواصل معه بشيء من التردد البرجوازي تجاه الاتصال بسجين يراسلني عبر موبايل لا شكّ أنه هُرِّبَ إليه. في الحقيقة، لا أعلم كيف تمكّن من الحصول على هاتف ذكي داخل السجن، أو حتى كيف استطاع أن يُفرَز إلى مركز إعادة التأهيل حيث يبدو أن معاملة السجناء أكثر لطفاً مما هي عليه في المباني العامة الأخرى. لن أقدم أي تحليلات متذاكية، أنا التي لم تطأ قدماها سجناً. قال لي إن كل الضباط والسجّانين يعرفون أن هناك هواتف بحوزة بعض السجناء وإنهم يُوصونهم بإخفائها فقط وقت التفتيش العام! كما أخبرني أن "إمارة فتح الإسلام" التي أُقيمَت بتواطؤ مع مدير السجن في مبنى آخر والتي شنقت صديقاً سجيناً له، بعد أن أصدرت فتوى بهدر دمه، تملك حواسيب وأجهزة إرسال لاسلكية للإنترنت وحتى هاتف ساتلايت!

هكذا هو كوكب رومية كما سمّاه لي. لم يخبرني الكثير عن سبب إلقاء القبض عليه، سوى حاجته إلى النقود وعدم توفر فرص عمل له. ثم أضاف في رسالة لاحقة أنه يرغب في الانتحار غير أنه أجبن من أن يتخذ أي خطوة لينهي حياته بيديه. صدمتني صراحته لكنها أيضا ساهمت في تبخير ترددي في التواصل معه. ما لبثنا كثيراً حتى تبادلنا أرقام التليفون فبتنا نتواصل عبر تطبيق ال"واتساب" وهو برنامج دردشة للهواتف الذكية اختُرع خصيصاً لتفادي أسعار المكالمات والرسائل الدولية الغالية الثمن.

عند بداية تواصلنا، سألته إذا كان يستغرب من مراسلته لي من مهجعه في رومية، بينما أتجول أنا في شوارع نيويورك أعيش حياتي الطلابية، فأجابني أن هذا دليل على سخرية هذه الحياة وعبثها. وتفتّح له قلبي أكثر عندما بدأ يرسل لي أشعاراً يكتبها وصوراً للوحات يرسمها. فوجئت بجودة كتابته ورسمه، خاصة أشعاره المنثورة التي وجدتها، على فجاجتها، طازجة تنضح بالنضارة والعفوية وتعجّ بحس لاذع متحرق تجاه عبث الحياة وجورها. حسٌّ لا يمكن أن ينبع إلا من مكان صادق جداً في صميم الفؤاد.

وسرعان ما ارتحت للتواصل معه إذ نشأ بيننا إحساس بالحميمية. على أنني لا أنفكّ أُذهل كلما فكرت في الأمر. ربما السبب وراء هذه الراحة، كما يقول، هو أنّ مضمون حديثنا أقل أهمية من المشاعر والأحاسيس المتعلقة بالعلاقة الإنسانية التي تربطنا. كما أنّ ليس هناك هدف أو مصلحة لتواصلنا سوى الحفاظ على صداقة كادت تضيع بسبب ظروف حياته وبعدنا عن بعضنا البعض. وأشعر بأنّ هذا شيء نحن متفقان عليه ويوفر لتواصلنا أساساً متيناً يحميه من هشاشة الوضع الذي يتم فيه. ويظل يسأل عني كلما صمتّ أكثر من يوم أو يومين برسالة على غرار "كيفك ابن عمي؟" مداعبني لتأثر لغتي العربية باللهجة الشامية. يتحدث كأنه هو الطليق وأنا السجين في حبس همومي اليومية والأكاديمية التافهة مما يشعرني أنه بمثابة ملاك يحرسني ويرافقني أينما ذهبت وحللت. يواسيني على الإحباطات التي أواجهها في الجامعة وفي الحياة ويرسل لي صوراً له وللوحاته كي "يسعدني" قليلاً. ينتابني حينذاك شعور بالذنب البرجوازي من تواصلي معه وكأنني أبو فراس الحمداني الذي يتساءل لماذا يضحك مأسور وتبكي طليقة، مع أنني أعرف أنه أيضاً يعاني مثلي من الاكتئاب واليأس من الحياة ومن مجتمع(ات) ترفض تقبّل المغاير والمختلف عن الأنماط المعتادة من البشر. لكن هذا الخجل السخيف لا يطول فحقيقة صداقتنا وصدقها تتخطى هذه الفوارق. ثم أعتقد في بعض الأحيان أنّ الحبس مكّن أحمد من تفجير إبداعه كتابة ورسماً إذ وفّر له مكاناً، حتى ولو كان بائساً وتعيساً، عزله عن نفاق المجتمع وهموم الحياة اليومية فأعطاه فرصة لإنعاش ذهنه وقدراته الخلاقة العجيبة.

عندما استفسرْتُ منه مؤخّراً عن بتفاصيل إضافية عن حياته على "كوكب رومية" بهدف كتابة هذا النص وعن وجهة نظره في تواصلنا، قال لي إنه مثلي لم يكن يخطط لتواصلنا وقلّة هم الذين يتواصل معهم بهذه الطريقة، وإنه يرتاح لهذا التواصل العفوي والخالي من الأقنعة. لم تكن السخرية مهنته الخاصة، فلطالما كان يفاجئك بلمحات فكرية جادة،‬ خاصة أنه أشبه بشخصية من شخصيات أفلام دايفيد لينش العبثية. وعندما ألححْتُ عليه ليخبرني أكثر عن تجربته كسجين قال كلاماً أثر فيّ بشكل عميق: "السجن هو ثقب أسود ذو خاصية فريدة على مختلف الأصعدة وتواصلي معك بمثابة فتحة من فتحات لثقب هذا الثقب". ذلك أنّ السجين يعيش داخل السجن في زمن غير الزمن الذي نعيش فيه نحن وكأنه يسبح داخل إحدى الثقوب السوداء في الفضاء السحيق التي نقرأ عنها في أدب الخيال العلمي والتي يقال أنها لا تخضع لقوانين الفيزياء العادية.

توثّقت علاقتي بأحمد. ربما بسبب وضعي النفسي المضطرب (أو لنقل الفريد من نوعه) أيضاً، إذ أشعر في الكثير من الأحيان أنني أعيش في زمن غير الزمن الذي يعيش فيه سائر البشر من حولي. ففي بعض الأحيان ينتابني الإحساس أنني مخلوقة من مخلوقات الفضاء قدمت إلى الكرة الأرضية من مجرة بعيدة لتندس بين البشر في صورة إنسان. وأحمد بدوره لا يخضع ولم ولن يخضع لقوانين هذا الكون التي لا تنصفه ولا تتقبله.

فلتبحر يا صديقي الغريب العجيب في الفضاء السحيق الذي تحجبنا حياتنا اليومية التافهة عن إبصاره. أتمنى أن تصطحبني معك في سفينة خيالك الخارقة للطبيعة قبل أن تقلع. أرجو فقط ألا تتركني أنسى الزجاجة البلاستيكية التي وجدتها مرمية على شاطئ البترون قرب السور الروماني المتآكل، فملأتها بملح البحر الصافي المشوب بالرمل والتراب المتسخ. فقد يكون هذا الملح زادنا الوحيد في رحلتنا عبر زمن لا يخضع لمقاييس الزمن.

"إذا كنَّا نرتدي النار، كيف نستطيع أن نخلعها؟"- من قصيدة "من؟" للشاعر رياض الصالح الحسين