أغيثوا إنسانيتكم

نشر في‫:‬السبت, تموز 28, 2012 - 08:34
حمص القديمة|بعدسة شاب حمصي
الكاتب/ة: روجيه عوطة.

أغاث السوريون اللبنانيين مرّتين في السنوات الأخيرة. الأولى، في حرب تموز 2006، يوم نزح الألوف من لبنان إلى سوريا، للإحتماء في بيوتها من الموت. الثانية، في الثورة السورية 2011، عندما وضع السوريون حريتهم كمرآة أمام اللبنانيين، كما أمام الشعوب كلّها، ليحدّقوا فيها ويكتشفوا مدى عجزهم وسوء ذاكرتهم التي أبقوها كسبيل اجتماعي لوعيهم النفعي. ساعدت الإغاثة الثانية اللبنانين على التعري من عنجهيّتهم. في التخلص من التعظم، ممارسةٌ تماثله. من المؤسف القول إن بعض اللبنانيين كان عليه أن ينتظر إراقة دماء السوريين كي يدرك أن جيرانه يشبهونه، وقد يتفوّقون عليه بحريّتهم وجرأتهم، فيأخذهم مثالاً في أساطير الصمود والحرية في وجه الطغاة والصمت الدولي. لكن هذه الإغاثة لم تثمر كثيراً. فالموقف الحكومي يساوي في رمزيّته جرائم البعث، والعنصرية اللبنانية تتغلب أحياناً على العلاقة الشعبية الجديدة التي بدأت تتشكل بين الجيران.

وصف وزير السياحة الإخوة والأصدقاء السوريين الآتين إلى لبنان، هرباً من بطش نظام البعث وظلمه، بـ"السيّاح"، معلناً أنه مطمئن إلى الإشغال الفندقي. جاء كلام الوزير بعدما أصدرت حكومته قراراً يمنع الإغاثة، فالسوريون إما أن يكونوا سياحاً، تستفيد منهم المؤسسات الخاصة والعامة، وإما غير مرحَّب بهم، خصوصاً إذا كانوا غير قادرين على تأمين سبل العيش على حسابهم الشخصي. تناقضٌ فظيع بين قرار رسمي، لم يكن متوّقعاً سواه من حكومة النأي عن مأساتنا، وتصريح لوزير في السلطة التنفيدية، وجد أن السوريين يأتون إلى لبنان بصفتهم السياحية، يهربون إلى لبنان كسيّاح، وإذا تمت مساعدتهم فعلى هذا الأساس التجاري. فقد تُخفِض الفنادق تعرفة النزول فيها، وهذا ما اقترحه الوزير، إلا أنها تبقى فنادق، لا بيوتاً تفتح أبوابها للسوريين مثلما فعلت البيوت السورية في حرب تموز.

من ناحية أخرى، لا يتوانى الكثير من المسؤولين السياسيين عن الربط بين التحذير الدولي من تمدد النيران السورية إلى لبنان، وموجة نزوج الإخوة السوريين إلى لبنان. كأن "التمدد" الذي تتحدث عنه بعض العواصم العالمية يتمثل في النزوح السوري إلى "بلد السائحين". أراد المسؤولون عن هذا البلد أن تُستقبَل العائلات والأفراد المهجرون من مناطقهم كـ"سيّاح" منكوبين، يُفتح لهم الباب الفندقي، بتكلفة أقل من المعتاد، ليغلق باب الذاكرة القصيرة، بثمن سيكلّف اللبنانيين الكثير، لأنهم خذلوا جيرانهم السوريين، وأثبتوا أن إنسانيّتهم لا أثر لها في زمن المحن والمصائب. فهم كانوا يلقّنون الآخرين دروساً في التحرر والإنفتاح على الآخرين في أيام السلم، إلا أن الثورة السورية أكدت أن بلدهم لا يعاني من فاجعة سياسية ومعيشية، بل تصيبه كارثة أخلاقية، وتمنعه من استقبال السوريين كضيوف يطلبون المساعدة منه، ويجب على اللبنانيين حشد قدراتهم لإنجاز مهمة الإغاثة على أكمل وجه.

تنتظر الحرية السورية أن يغيث اللبنانيون أنفسهم، وأن ينقذوا إنسانيتهم التي غابت بفعل التصنيف الطائفي والتقسيم الحزبي، فضلاً عن العنصرية والتعظم المجتمعي، وهما دلالتان قاطعتان على العجز وبدء الإنسحاب من التاريخ. فالغالبية الساحقة من اللبنانيين غير معنية بالنازحين، إما لأسباب سياسية، تنطلق من دعاية النظام البعثي بأنه متمكن من السيطرة على الوضع و"سحق المجموعات الإرهابية المسلحة"، على رغم استمرار المقاومة الشعبية المسلحة ضد قوات النظام العسكرية وشبّيحته. وقد تكون الأسباب طائفية، أو بسيكو- سياسية، متعلقة بـ"إحباط" أقلّوي، أو ذعر من المجهول. وسرعان ما تترك هذه التوّهمات آثاراً واضحة على الخطابين الرسمي والشعبي، فنسمع أحد المسؤولين المسيحيين يحذر من النزوح السوري خوفاً على وجوده! في كل الأحوال، يظن أصحاب الوعي الأقلّوي أنهم مهددون على الدوام، وكل حادثة هي موجّهة ضدهم، لا سيما إذا كان الآخر في الحادثة غير مرغوب فيه تاريخياً في لبنان، فيُنظر إليه على أساس أنه وحش سيقضي على مجموعة حزبية وشعبية، يبدو أنها تخترع أعداءً لها كي تبقى على قيد الحضور سياسياً واجتماعياً.

يخذل اللبنانيون الإخوة والأصدقاء السوريين. لم يعد مطلوباً من الساكنين في لبنان إغاثة السوريين فقط، عليهم أولاً أن يغيثوا أنفسهم، كي يثبوا أنهم حقاً يجاورون البلاد السورية جغرافياً وشعبياً. السوريون ليسوا سياحاً في لبنان، والأبواب التي يجب أن تُفتح أمامهم ليست أبواب الفنادق وبعض المدارس. لم يعد مقبولاً في هذا المجال الإعتماد على بعض القرى الحدودية والبقاعية التي فتحت بيوتها للكثير من العائلات المهجرة. الحكومة مستمرة في النأي بنفسها عن المعاناة، أي أنها تواصل وقوفها إلى جانب الديكتاتور الدموي ضد شعبه. وإذا قررت إغاثة السوريين فمن باب المحافظة على صورتها دولياً. أما الناس، فأمام تحركهم الإغاثي حواجز كثيرة، عليهم أن يقطعوها ليتمكنوا من إغاثة نفوسهم بالوقوف إلى جانب السوريين في محنهم، واحتضانهم في بلدهم لبنان، مثلما هم احتضنوا اللبنانيين في المدن والمناطق السورية.