الاتحاد العمالي «للسياحة»

نشر في‫:‬الاربعاء, ايار 2, 2012 - 15:02
الكاتب/ة: محمد وهبة.

في 15 آذار 2001 انتُخبت القيادة الحالية للاتحاد العمالي العام. أمضت نحو 11 سنة لتؤكد يومياً أنها ضدّ مصالح العمال. يستدل على ذلك من خلال ما فعلته بالمؤسسة الوحيدة المعنية بهم، أي الاتحاد نفسه. فخلال كل هذه المدّة أنفقت هذه القيادة 5.5 مليارات ليرة. غالبيتها يذهب إلى رحلات «سياحية» ضمن محاصصات ضيقة.

في عيد العمال، يسأل عمال لبنان عن القوّة التي تمثّل مصالحهم. يفترضون أن الاتحاد العمالي العام هو الذي يمثّلهم، لمجرّد ان السلطة أعطته صفة «الأكثر تمثيلاً». هل هذه الصفة تنطبق عليه؟ ام انه يجسّد مؤسسة فاسدة كغيرها من المؤسسات؟ من يهيمن على الاتحاد ويقبض على مصالح العمال؟ وحدها آليات تمويل الاتحاد العمالي وإنفاقه، تكشف مدى هيمنة السلطة السياسية عليه، وتكشف أيضاً سوء إدارته وتحويله إلى مجموعة «تنفيعات» ضمن مصالح ضيّقة تقاس بعدد الرحلات على الطائرة، والبدلات المالية لها.

منذ أكثر من 20 سنة يحصل الاتحاد على 500 مليون ليرة سنوياً من موازنة وزارة العمل. هذا المبلغ لم يكن مخصّصاً للاتحاد، وفق ما يروي الأمين العام لجبهة التحرّر العمالي عصمت عبد الصمد، إلا بعدما قرّرت الدولة جمع كل المساعدات التي كانت تمنحها لكل الاتحادات النقابية، في مساهمة واحدة خصّصتها للاتحاد العمالي العام «لكونه كان تُطلق عليه صفة الأكثر تمثيلاً». ويشير عبد الصمد إلى أن إنفاق هذه المبالغ يذهب في قسم منه على مهمات الاتحاد ومشاركته في المؤتمرات، إلا أنه لا يعتقد «أن هذه الحسابات وقطع الحسابات في الاتحاد ينالان براءة ذمة من الهيئة العامة للاتحاد العمالي المتمثّلة في هيئة المندوبين».

في الواقع، يؤكد نقابيون مطلعون، أن قيادة الاتحاد الحالية أنفقت طيلة مدّة ولاياتها على مدى 12 سنة، نحو 5.5 مليارات ليرة من دون أي هدف واضح، فلم يشعر عمّال لبنان بأن لديهم من يمثّل مصالحهم. فمن المعروف لدى عدد من النقابيين السابقين والحاليين، أن الجزء الأكبر من هذه النفقات ذهب على رحلات «سياحية» يقوم بها أعضاء قيادة الاتحاد وبعض المحظيين بعنوان مشاركتهم في مؤتمرات عربية ودولية، فيما كانت مصالح العمال في لبنان تهدر بأبشع الصور، التي تجلّت أخيراً في ما بات يعرف بـ«الاتفاق الرضائي»، الذي عُقد بين هذه القيادة وأصحاب العمل، والذي انطوى على تواطؤ لقضم جزء مهم من أجور العمال يسمّى بدل النقل.

يتوزّع الإنفاق السنوي للاتحاد في اتجاهين: المصاريف الثابتة، والمصاريف المتحرّكة. تتألف النفقات الثابتة من مصاريف المازوت لمولّد الكهرباء (يدور فترة طويلة لأن ساعة الكهرباء في الاتحاد لا تكفي لتشغيل المكيّف) وفواتير المياه والهاتف والرواتب والأجور للعاملين في الاتحاد، إضافةً إلى مصاريف الصيانة والتدقيق المحاسبي الخارجي... أما المصاريف المتحرّكة، فهي تتألف من نفقات المشاركة في المؤتمرات وأنشطة الاتحاد، سواء في الخارج أو في لبنان.

في السابق، كانت نسبة المصاريف الثابتة أقل من المتحرّكة، لكن عوامل تضخم الأسعار (سعر المازوت وزيادتا الأجور الأخيرتان) رفعت الجزء الثابت من المصاريف، أخيراً، إلى 70% من أصل 500 مليون ليرة، وباتت المصاريف المتحرّكة تستحوذ على النسبة الباقية، أي الـ30%، وهذا من دون احتساب التحويلات والتبرّعات ومبالغ الدعم التي يحظى بها الاتحاد العمّالي من جهات محلية ومنظمات دولية، وهذه لا تتمتّع بأي نوع من «الشفافية».

رغم ذلك، قد يبدو لوهلة أن المصاريف المتحرّكة واضحة ومحسومة وغير ملتبسة، إلا أن ما يرويه النقابيون يظهر القصة بوضوح؛ «النشاطات معروفة وليس لها أيّ فائدة عمّالية، وغالبيتها عبارة عن عمليات «تمثيلية» للاتحاد في الخارج، غالباً ما تنتهي على شكل رحلات سياحية وتنفيعات ضيّقة يموّلها الاتحاد بتذاكر السفر ومصروف جيب وكلفة الإقامة». لذلك، كان يجب أن تطاول هذه التنفيعات جميع المحظيين، وأن يُقونَنْ هذا الأمر بتقسيمها على جميع أعضاء هيئة مكتب الاتحاد، وعلى بعض أعضاء المجلس التنفيذي أو من يمثّلهم، أي لكل زاروب حصّته المتفق عليها بناءً على القاعدة الآتية: يدفع الاتحاد كلفة تذاكر الطائرة، أو يدفع كلفة تذاكر الطائرة، إضافةً إلى كلفة الإقامة ومصروف جيب يراوح بين 50 دولاراً و150 دولاراً عن كل يوم، علماً بأن هذا البدل رُفع خلال مشاركة أعضاء قيادة الاتحاد في مؤتمر منظمة العمل الدولية في جنيف إلى 250 دولاراً.
وتضاف إلى هذا الأمر نفقات الضيافة، فمن المتعارف عليه في الاتحاد العمالي أن قادة الاتحاد عكفوا خلال السنوات الماضية على استقدام وفود من الخارج، يقيم لأفرادها ولائم غداء وعشاء وسهرات، فيجري تمويل هذا الإنفاق من موازنة الاتحاد تحت عنوان الاستضافة.

لا تقتصر مصادر دخل الاتحاد العمالي العام على مساهمة الدولة فقط، فهناك مصادر أخرى، تتمثّل في الهبات التي يحصل عليها الاتحاد من خلال مشاركته في برامج تموّلها منظمات عربية وعالمية. فعلى سبيل المثال كان الاتحاد مشاركاً في برامج عمل الأطفال التي تقوم بها منظمة العمل العربية لأكثر من 5 سنوات، وكانت لديه هبات أخرى عبر الاتحاد النروجي... لكن كل الهبات تصرف على افتتاح ورش عمل ومحاضرات ومدربين وبدلات نقل للذين ينتدبون فيها، ولذلك هي تعدّ إحدى التنفيعات الصغيرة.

يأتي كل هذا الإنفاق من دون أيّ اعتبار لمصالح العمال، كما تتفرّع منه إشكاليتان أساسيتان:
ــ لأن تمويل الاتحاد من وزارة العمل، فهو يخضع لمزاجية الوزير، وتصبح تحرّكاته مقيّدة بهذا الأمر، ولا سيما أنه لا يفرض أي اشتراكات على الأعضاء. وقد اعتاد الاتحاد أن تكون السلطتان التشريعية والتنفيذية هما مصدر الإقرار بالصرف، ما أخضع كل سياساته لرئيسي هاتين السلطتين بصورة كليّة.

ــ إن آليات المحاسبة في الاتحاد العمالي العام تكاد تكون معدومة، بسبب مصدر التمويل النابع من السلطة السياسية نفسها، ففيما تغيب المحاسبة الداخلية في الاتحاد بسبب تعطيل هيئته العامة، أي هيئة المندوبين، منذ سنوات، تصبح الرقابة المؤخّرة على إنفاقه، عبارة عن رقابة شكلية. فبحسب وزير العمل السابق شربل نحاس، لم يحصل الاتحاد العمالي على براءة ذمة ماليّة من ديوان المحاسبة لأكثر من سبع سنوات، بل كانوا يأتون بورقة لا قيمة لها من ديوان المحاسبة للمطالبة بمبالغ مالية مستحقّة لهم.

إذاً، الكل راضٍ برحلات الاستجمام العمالية المموّلة من الخزينة العامة، فيما الرقابة الداخلية معطّلة والرقابة الرسمية غائبة. أما الاتحاد فلم يرقَ بعد الى مستوى مؤسسة، إذ ليس لديه مكتب دراسات ولا مراكز تدريب، وليس لديه خط ساخن لمعالجة القضايا مع أصحاب العمل... فلماذا الاتحاد موجود إذاً؟


50 اتحاداً

عدد الاتحادات النقابية المنضوية في الاتحاد العمالي العام. وهي التي يفترض أن تدير شؤون هذا الاتحاد، وأن تنتخب قيادته وتقرّر سياساته وتحاسب قيادته... إلا أن الهيمنة السياسية على هذه الاتحادات المتداخلة الأعضاء، وضعف قدرتها التمثيلية، يعوقان هذا الدور

مؤسسة كونفدرالية
يروي نقابيون مطلعون، أن رئيس الاتحاد العمالي العام غسان غصن (الصورة) لم يتحرّك في أي اتجاه لتقوية مصادر دخل الاتحاد، وتمكينه من الاعتماد على نفسه طيلة 3 دورات قضاها هناك، تاركاً الاتحاد غير معفى من المياه والكهرباء، ولا من استرداد ضريبة القيمة المضافة. ولا يركّز الا على مصاريف السفر والرحلات «لا أحد يناقش في المجلس التنفيذي». ويعتقد عصمت عبد الصمد أن هذه الإشكاليات تفتح الباب واسعاً أمام ضرورة إقرار هيكلية نقابية جديدة يكون التمثيل فيها قطاعياً لا كونفدرالياً كما هو الآن.