خصخصة المرافق العامة: بأي حق؟

نشر في‫:‬السبت, اذار 21, 2009 - 22:31
الكاتب/ة: مريم غريب.

المواطنون اللبنانيون هم من يملك المرافق العامة، لقد دفعوا ثمن أصولها ومقدراتها عن طريق دفعهم الضرائب والفواتير. فبأي حق، وباسم من، ولفائدة من، سيُجرى اغتصاب هذه الحقوق وبيعها للذي سيدفع أكثر؟

بالتعاون مع أتاك-لبنان

المنشور - العدد 15 - شتاء 2009

خصخصة مرفق عام؟

تشكّل خصخصة الموارد الطبيعية والمرافق العامة رافعة السياسات النيوليبرالية. فهي تصرّ على النقل - السهل والنقي - لمراقبة وإدارة المرافق العامة من يد الدولة إلى فائدة المؤسسات الخاصة. فالمرفق العام يسعى بشكل أساسي إلى الصالح العام. أما "المزارع" الخاصة لا تسعى إلا إلى تحقيق أرباحها وزيادة مردوديتها بغض النظر عن حقوق الإنسان ونوعية الحياة المطلوبة.

الخصخصة، تعني تنازل الدولة عن واجباتها ومسؤولياتها، بداية عبر تخفيض مساعداتها لهذ المرفق، ولاحقا عبر تخفيض مستوى المراقبة. فمن الواضح: "أن تصبح عندها المؤسسات غير مجدية ومدانة بسبب إدارتها السيئة.... في ظل هذه الظروف يصبح مبررا تغيير نظام الملكية إلى مسار أفضل".(1)

العولمة، المؤسسات المالية والخصخصة المفروضة

صندوق النقد الدولي - الذي وصفه جوزف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل للإقتصاد ونائب مدير سابق للبنك الدولي "بالبطل المهووس بسيطرة الأسواق"(2) - يزيد والبنك الدولي الضغوطات من خصخصة المرافق العامة اللبنانية. هذه الضغوطات تأتي تحت عنوان "تقويم" و"توصيات" في مجالي السياسة العامة والسياسة الإقتصادية، لكنها في الواقع تصر إلى دفع لبنان لوضع خطط وبرامج الخصخصة في موضع التنفيذ، "وزيادة الجهود من أجل توسيع نظامه الضرائبي"(3) من أجل تخفيض الدين. هذا الأخير، يشكل عقبة أمام النمو. ويمكن التذكير، في هذا المجال، أن خدمة الدين وأجور الموظفين يشكلان 85% من النفقات العامة.

ماذا يقول القانون؟

يسمح القانون، الصادر في تموز 2000، للحكومة بتحويل المؤسسات العامة إلى مؤسسات تجارية. كما إن إنشاء المجلس الأعلى للخصخصة عام 2001 وإنعقاده في مقر الرئاسة الثالثة، بالإضافة إلى ضمّه لأربعة وزراء والوزير المعني بالقطاع، فتحدد المؤسسات المنوي بيعها، والوقت الذي تتطلبه لإعادة هيكلتها والقيمة المادية لها...

بالإضافة إلى الخوف من وقوع البلد في يد مستثمرين أجانب (هذه المخاوف تظهر في ظل انعدام وجود مستثمرين محليين يتمتعون بخبرات ورساميل كبيرة لإدارة المؤسسات المنوي خصخصتها) من المرجح أنهم لن يضمنوا بسهولة عملية فرض حصة أفضلية للبنانيين، وذلك عند بيع الأسهم، وبالتالي إجبارهم على احترام ذلك. في الواقع، لا يتوافر، في هذا المجال نظام للإستثمار من أجل المستثمرين الأجانب، فالقانون العام المحلي يعتبر "منفتحاً جداً" حيث عملية نقل الرساميل تجرى بشكل سهل.

لماذا لا تحارب الدولة الهدر والفساد؟

يقول من هم إلى جانب الخصخصة، أن التجربة العالمية أثبتت أكثر من مرة أن القطاع العام لم يستطع أن يتماشى مع التقدم التكنولوجي والحاجات الجديدة للمستهلكين. ففقدانه للمرونة يمنعه من الإنخراط في هذا المجال التنافسي. بالعكس، الدولة المدارة من قبل بعض المصالح السياسية، تحمي نفسها من خلال احتكار هذه المرافق. وحدها الخصخصة تطلق عملية لبرلة الأسواق، عبر فتحها أمام التنافس وعبر تطوير الإقتصاد الوطني.

لكن المخاطر ليست قليلة. الخطر الأول يكمن في زيادة إحتكارات القطاع الخاص وزيادة أسعار الخدمات المقدمة للمستهلكين (خير دليل على ذلك، التجربة المرة لقطاع الإتصالات). فالمستفيدون من الخصخصة سيصبحون أصحاب الأسهم وليس المستهلكون. وبالتالي لن يكون استبدال الإحتكار العام وتجييره للقطاع الخاص سوى غلطة كبيرة.

أكثر من ذلك، يتقاطع، في لبنان، قطاع الأعمال مع الوسط السياسي (لعدم القول أنهما واحد)، فهناك مخاطر جدية لرؤية رجال السياسة يديرون القطاعات المخصخصة. الأسطورة التي تتحدث عن صوابية خيار القطاع الخاص لا يمكنها أن تقاوم أنها نتيجة فعل ممارس من قبل ذات الأشخاص، بنفس الطريقة، سواء في العام أو الخاص.

الخطر الثاني، يتجلى من خلال زيادة البطالة الناجم عن تسريح العمال المعتبرين "غير ضروريين" من أجل تأمين مردودية للمؤسسات المخصخصة. كذلك، ولعدم مدح الحاجة الإجتماعية (البديهية) للخدمات العامة، ومن الضروري أن يصل الجميع إلى هذه الخدمات بشكل عادل. فنحن مواطنون ولسنا مستهلكون. ومن الضروري كذلك تسجيل أن الخصخصة تعرف حدوداً خاصة بالنسبة إلى دول الجنوب، فهي تسبب ازدياد الأسعار، وبالتالي عدم قدرة الشعوب على تسديد الفواتير.

ال BOT ليس حلا

ينتشر الBOT (build operate transfer – بناء تشغيل تسليم) والBOTT (build operate train transfer – بناء تشغيل تدريب تسليم)(4) أكثر فأكثر. وهما بشكل مبدأي النموذجان المعتمدان حيث الطبقة الحاكمة الحالية تريد بيع مؤسسة أو مجموعة مؤسسات أو تنفذ مشروع ضمن مدة ضرورية لاسترجاع القيمة المستثمرة. أما في BOTT، فعلى العكس، القطاعات العامة تلتزم تجاه المشغل الخاص بضمان استثماره، ويعتمد هذا الحل في الدول ذات الخزينة الضعيفة.

كما يتفق المختصون على اعتبار الBOT عملية خصخصة. حيث تقوم مجموعة خاصة باستثمار في القطاع العام، فتبني شبكات وتديرها خلال 10- 15- 20 سنة. عند انقضاء هذه المهلة تعيد المجموعة هذا القطاع إلى الدولة حيث تكون الآليات والتكنولوجيات قد أضحت قديمة، نتيجة وجود آليات حديثة. يمكن أن يؤدي عقد الBOT إلى نقل احتكار الدولة إلى احتكار خاص (هذه الحالة تحققت مع ليبان سيل وسيليس، حيث شكّلتا نوعاً من القطبية، ومع تحديد الأسعار، توقفت المنافسة بينهما).

بالنسبة إلى شركة كهرباء لبنان، فإنّ عمليات الإنتاج والتوزيع سيجرى خصخصتهما من خلال عرض أسعار. أما النقل، فسيبقى من حصة الدولة، ووقع الاختيار على BNP PariBas للتحضير لهذه العملية.

في هذه الصورة، الخدمات العامة هي مواد استهلاكية، وبالتالي ينبغي أن تكون خاضعة لقانون العرض والطلب، حيث الذي يدفع أكثر "يحق" له أكثر. هذه المحاججات تقود الدولة إلى زيادة الهدر وتزيد الفروقات الطبقية. فحقوق المواطنين للتصرف بالخدمات العامة تصبح ضيقة. ويتحوّل المواطنون إلى زبائن. وإذا كانت القدرة الشرائيّة ضعيفة، فالعلاج يكون في زيادة الصدقات.

كذلك، في لبنان حيث الزبائنيّة والواسطة تسيطران، ونفس الأشخاص يحتكرون الرساميل السياسيّة والإقتصاديّة، من الطبيعيّ رؤية وزير يحمل حقيبة معينة ويتمتّع هو نفسه بإدارة الشركة الّتي تدير القطاع الذي "يحكمه" - القطاع الذي يملكه المواطنون اللبنانيون. لكن عن أيّة خصخصة يتكلّمون؟ عن خصخصةٍ تنقل الملكية من العام إلى الخاص، حيث تكون عملية النقل، عملية تحويل تستفيد منها الطبقة الحاكمة التي تغتصب الشعب منذ سنوات!!

خلاصات ومطالبات

في البداية، ولتطبيق الشفافية تجاه المواطنين، على الوزارات والمجلس الأعلى للخصخصة، أن ينشروا أرقام وتفاصيل العمليات الجارية أو في طور التحضير لخصخصة شركة كهرباء لبنان.

كما على كل القوى أن تجتمع حول برنامج مطلبي يرفض أيّة عملية إغتصاب لحقوق المواطنين.

كما يجب تسجيل أهمية خلق نقاش مواطني، عام وشفاف، مع المعلومات الضرورية، لمعرفة صوابيّة أو عدم صوابيّة ولأيّة أهداف تُجرى خصخصة المؤسسة العامة لشركة كهرباء لبنان، وتحويلها إلى أسهمٍ في البورصة. حيث يُفترض بأنها تهدف (المؤسسة) إلى ضمان استمراريتها بأسعارٍ معقولة باعتبارها خدمة أساسية للحياة الاجتماعية والإقتصادية لهذا البلد.

ختاما، كفى!
كفى لآكلة اللحوم البشرية النيوليبرالية!
كفى للأمبريالية المتعالية!
كفى للمضاربة!
كفى أزمات!