الاقتصاد... في موجز

نشر في‫:‬الاربعاء, ايار 13, 2009 - 22:27
مزارع وحشيشة في البقاع
الكاتب/ة: رشاد شمعون.

خبر رقم 1: مداهمات واعتقالات وإطلاق نار مباشر على كل من لا يمتثل لأمر "توقّف حاجز"... هذا ما شهدته مدينة بعلبك والقرى المحيطة بها في الأسابيع الماضية، بعد أن قام مجهولين بنصب كمين للجيش اللبناني وقتل عدد من الجنود.

خبر رقم 2: طار نصاب جلسة مجلس النواب حيث كان من المقرر أن تبحث في رفع الرسوم والضرائب عن صفيحة البنزين للمرة الخامسة على التوالي.

للوهلة الأولى، قد يخال لك أنّ الخبرين منفصلان تماماً وأن إيجاد رابط ما بينهما مهمّة شبه مستحيلة، لا بل عبثية بالأساس. إلا أنّ دقيقة واحدة من التفكير كافية لحلّ اللغز.

الحلّ: متطلبات بناء الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها.

من أولى شروط عملية بناء الدولة أن يكون هذا الجهاز قادراً على فرض الضرائب وتحصيلها من جيوب الطبقات الكادحة لتمويل عملية البطش الأمني وقمع كل شكل من أشكال الامتعاض والاعتراض على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتهجها الطبقة البرجوازية الحاكمة.

بعيداً عن الخبر العاجل

هذا في العام، أما في لبنان فنجد لعمليات البطش الأمني القمعي الكثير من الأمثلة على امتداد تاريخ الحكم البرجوازي للبلد. وآخر فصول هذه العملية القمعية الهمجية يحدث الآن في البقاع. تذكّرت الدولة مؤخّراً أنّ البقاع جزء لا يتجزّأ من الوطن وقررت مكافحة "الجريمة" بكافّة أشكالها، متغاضيةً عن جرائمها المتكررة بحقّ هذه المنطقة.

منذ تأسيس الدولة اللبنانية كان البقاع، كما كلّ المناطق الواقعة خارج نطاق "سويسرا الشرق" والتي تضمّ بيروت وجبل لبنان، مهمشاً إنمائياً. بالإضافة إلى هذا التهميش الإنمائي، عانى البقاع بشكلٍ رئيسي من السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة على لبنان، لا بل من الفلسفة الاقتصادية التي بُني على أساسها الاقتصاد اللبناني، والتي تتلخّص بالقضاء على قطاعي الزراعة والصناعة وتركيز كلّ موارد الدولة لدعم قطاع الخدمات والقطاع المالي.

وبسبب طبيعة البقاع كمنطقة زراعية بامتياز، كان لهذه السياسات الأثر الأعمق في إفقار المنطقة ودفع سكّانها إمّا إلى النزوح إلى المدن، أو إلى العيش تحت نير التخلّف الاقتصادي الاجتماعي الناتج عن هذه السياسات. وما عمليات السرقة وتهريب المخدرات والسلاح إلاّ تعبيراً عن رفض هذا الحرمان وإعلاناً من "بعض" سكّان المنطقة عن حقّهم بحياة كريمة واستعدادهم لإجراء كلّ ما هو متاح للوصول إلى هذا الحقّ.

أمّا الدولة فقررت – كعادتها - التغاضي عن كلّ أسباب التدهور وذهبت بعيداً في عملية عقاب جماعي لن تنتج سوى المزيد من المآسي في منطقة تعبت من عقود طويلة من الحروب العشائرية التي يزيد من حدّتها الفقر المُدقِع وغياب أيّ أفق لحلّ مشاكلها الاقتصادية- الاجتماعية من خلال "سيادة الدولة والقانون". ونهر البارد لا يزال يلوح في الأفق، لمن يريد إثباتاً على توقّع فشل هذه السياسة البوليسية في توفير الأمن للمناطق المستهدفة، والذي يجب أن يكون على رأس سلم أولويات أيّ تحرك أمني.

تمويل العمليات الطنانة

أمّا عن كيفية تمويل هذه العمليات الأمنيّة، فقد ورد في تقرير "البيانات المالية المفصلة للفترة الممتدة بين العامين 1993 و2006" والصادر عن وزارة المالية اللبنانية أنّه، وحتّى العام 2006، شكّلت الضريبة على القيمة المضافة 22،7% من إيرادات الدولة وتشكّل المورد الأهمّ لخزينة الدولة. يليها مباشرة أرباح الدولة من قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية (الأعلى تكلفة في المنطقة وأغلب العالم حتّى بعد إصلاحات جبران باسيل).

أي، وباختصار، تأتي النسبة الأكبر من واردات الخزينة من الضرائب والرسوم غير المباشرة. هذا قبل زيادة 700 مليون دولار من عائدات الضرائب والرسوم المفروضة على سعر صفيحة البنزين المتوقّعة لعام 2009.

يضاف إلى كلّ هذا، الضرائب المباشرة على دخل الأجراء ورسوم المياه والميكانيك والرسوم البلدية... ومن هنا يرفض السنيورة وشركاؤه إلغاء، أو حتّى خفض الرسوم على صفيحة البنزين والتي باتت تتخطّى الـ11000 ليرة لبنانية عن كل صفيحة أيّ ما يوازي 100% من سعرها قبل زيادة الضرائب والرسوم. فالسنيورة خائف على إيرادات الخزينة العامة، ويقلقه عدم تمكّن الدولة من خدمة الدين العام.

وبالفعل، فإن خسارة 700 مليون دولار سنوياً تشكّل عائقاً كبيراً أمام تمكّن الدولة من خدمة هذا الدين. ولكن من قال أنّ عدم سداد الدولة لكلفة الدين أمر سيء؟ هذه بضعة أرقام والوقائع التي يمكن أن تساعدنا في الإجابة عن هذا السؤال:
ورد في "دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي– الفقر والنمو وتوزع الدخل في لبنان" الصادرة عام 2009 أن 28% من اللبنانيين فقراء و8% منهم يقبعون تحت خطّ الفقر المُدقِع. كما ورد في الدراسة أن كلفة القضاء على الفقر المُدقِع في لبنان سنوياً تبلغ 48 مليون دولار أميركي أي ما يوازي 1,17 % من خدمة الدين العام لعام 2009، وأنّ 464 مليون دولار سنوياً (أي 11,31% من خدمة الدين) كافية للقضاء على الفقر.

نصدق أو لا نصدق، نرى نتيجة واحدة

إذا قررنا تصديق أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية هي مرجعية اقتصادية كاملة الصدقيّة، فلماذا لم يكتفِ السنيورة بما يفوق الـ45 ملياراً من الدولارات لكي يحوّل لبنان إلى جنة العيش الكريم لكلّ المواطنين؟ لماذا لا يزال أكثر من نصف اللبنانيين لا يستفيدون من أي تغطية صحية؟ لماذا لا يزال توفر التيار الكهربائي بشكل دائم حلم بعيد المنال بالنسبة للكثير من سكان لبنان؟

لأنّ برامج الدولة الإنمائية قائمة على إفقار الفقراء وتمكين المصارف والشركات التجارية الكبرى من تحقيق أعلى هوامش ربح ممكنة، من خلال إنشاء الإدارات العامة وتعزيز جهوزية الأجهزة الأمنية للدفاع عن الاحتكارات والفاسدين وتأمين الحماية الأمنية لأمراء الحرب حين يقررون الاقتتال للحصول على وزير أو وزيرين إضافيين في وزارات النهب المنظّم والمحاصصات الطائفية.

أمّا الفقر فهو الخزّان الذي لا ينضب، والذي يمدّ الطبقة الحاكمة بوقود سلطتها المطلقة من خلال العلاقات الزبائنية التي يخلقها الحرمان وهضم حقوقنا بمنعنا من التقديمات الاجتماعية الرسمية... أي، وباختصار، تموّل الدولة كلّ أنشطة بسط سلطتها علينا من جيوبنا نحن، بينما يصدر كل سنة المئات من مراسيم التخفيضات والإعفاءات الضريبية للشركات وأصحاب رؤوس الأموال على شاكلة المرسوم الخاص الذي أُصدِر لإعفاء آل الحريري من دفع الضريبة على الثروة التي ورثوها من أبيهم الذي كان اسمه رفيق قبل أن يصبح الشهيد رفيق بعد اغتياله (هل يحق للدولة تغيير اسم المتوفي؟!).

***

انتهت فقرة "الاقتصاد...في موجز"، وننتقل إلى فقرة "الحصاد الانتخابي".

خبر أول وأخير: السنيورة مرشح عن المقعد السني في قضاء صيدا. شركاء السنيورة وأعداؤه المعترف بهم في نادي الحكم البرجوازي (الذين ليسوا أفضل بكثير في رؤيتهم الاقتصادية) مرشحين عن باقي المقاعد في باقي الأقضية والكلّ يريد بناء الدولة!
الرابط بين الخبرين الواردين في بداية النشرة والخبر الوارد أعلاه واضح ومكتوب بأحرف نافرة.