الجدار رهينة السلطة والقانون مخلّ بالفن

نشر في‫:‬الجمعة, نيسان 6, 2012 - 22:17
الكاتب/ة: روجيه عوطة.

في منطقة الكرنتينا، وبينما كان الفنان التشكيلي سمعان خوام يرسم على الجدار (غرافيتي) شخصاً عسكرياً تحيطه تواريخ الحروب اللبنانية، أوقفته عناصر أمنية، واقتيد إلى مخفر الجميزة حيث تعهّد عدم استكمال رسمه الجداري.

بعد فترة، طُلب منه الحضور إلى محكمة بيروت، في الرابع من نيسان 2012، بسبب دعوى قضائية ضده، رُفعت بإسم "الشعب اللبناني"، بهدف استرداد "الحق العام". سيُسجن خوام، أو سيدفع كفالة مالية.

من الآن وصاعداً، سيُعاقَب كل فنان إذا لم يستأذن الدولة قبل الشروع في عمله، ولم يعلمها بمشاريعه التشكيلية المقبلة. قضية سمعان خوام تثبت أن الأخطار تحدق بالمدينة وجدرانها، بالفن والفنانين، بالحرية والمدافعين عنها.

بالنسبة الى السلطة القضائية، انتهك خوام النظام، وتعدّى على الملكيات العامة، مشوّهاً إستيطيقا المدينة، ومنتزعاً حق "الشعب" في التمتع بجمال المنظر. لا نستغرب تضخيم الدولة لهذه الحادثة. فمؤسساتها تعاني من عقدة التهاويل، لستر فشلها وتقاعسها عن مسؤولية التعامل مع القضايا التي تمس حقوق الناس الحقيقية وليس المفترضة. وجدت السلطة أن رسم الغرافيتي، سيعيد أهل المدينة إلى جدرانهم، يتأملون بها، ويحدقون في أحوالهم، ثم يمعنون في تدبر الحلول لمصائبهم، التي لا تُزاوَل بمعزل عن قانون الهشاشة الإجتماعية الذي أرسته السلطة المتأهبة للقضاء على متجاوزه، والمرتاب من آثاره ومفاعيله على المجتمع الذي ينهي حرباً كي يتجهز لخوض غيرها. ثم يقال إن هذه الحروب عارض تاريخي، لم تنشأ من "الروح اللبنانية"، ولا من "وحدة الشعب" على خطوط التماس كما فوق الجسور، التي تقطّع أواصر المدينة، وفي الفساد كما في عهود مكافحته، التي يجنيها المجتمع أضراراً وأعطاباً كثيرة.

نكأ سمعان خوام ذاكرة الشارع، مستفزاً جرحه الذي تتبرأ المدينة منه في سباقها مع نفسها. فن الغرافيتي يبطئ حياة المدينة السريعة، لينصرف أهلها إلى التذكر الدقيق، فالسرعة للنسيان، والبطء للذاكرة بحسب كونديرا. اختار خوام ذاكرة القتل بنسختها اللبنانية، المجسمة في رسم خوذة مفصولة عن جزمة عسكرية بالسلاح. يتكوّن الجسد العسكري من رأس حربي وساق جاهزة لدعس الرقاب، والمساحة بين الإثنين، يحتلها سلاح الإعتقال والإستبداد. أما أهل المدينة فيسكنون هذا الجسم، ويحتمون بأجسامهم التي تتعسكر وتتاذبح، خدمةً لظل طغاتها الميليشيويين في مؤسساتهم والمتمأسسين في ميليشياتهم. في رسمه الجداري الثاني بعد توقيفه في الكرنتينا، محا الفنان التواريخ العنفية، وأبّد حضور الجسم في كل بقعة بيروتية، يُقمع المرء ويُهان داخلها، ويُطرد منها من دون تخلية سبيل جروحه. بلغت السلطة غايتها في إبقاء بيروت بلا ذاكرة، ونجح أهلها في ارتداء أجسام طغاتهم، تحت قوانين تخلّ بالفن، وتُهِّبط كل جدار في المدينة.
***

بيروت تخفي جدرانها. لا المشاة قادرون على رؤيتها، ولا العابرون في سياراتهم يلمحونها من نوافذهم. الأرصفة التهمها الإسفلت، وطغت ضخامة الطرق والأوتوسترادات على الجدران المنسية في بطن المدينة. أغلب الجدران البيروتية تحيا لاجاذبيّتها، فلا وزن لها ولا ثقل يشدّها إلى هندسة المدينة الإسمنتية والرمزية. موقعها الطرفي ليس دعامة مدنية، ومشهدها الطولي والعرضي غير آذِن بالإلتفات نحوها. لذا يقتفي فن الغرافيتي أثرها ويحث أهل المدينة على إبصارها، بصفتهم المسؤولين عن محاجر عيونهم، التي تقوّسها الرقابة وتجتثّها السلطة. فهي تكمّ الفم، وتغمض الجفون، لتطبق العين من أعلاها وأسفلها، فالجهاز الرقابي ينقض على مَن ينظر ويرى حوله، وعلى من يحذر من مغبة إغماض العيون طوال الوقت الكارثي في لبنان.