“من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل”

نشر في‫:‬الاربعاء, نيسان 11, 2007 - 17:06
الكاتب/ة: باسم شيت.

إن الصراع حول التحكم في الذاكرة الوطنية أو "الجماعية" يقع في صميم سياسات المحاسبة التي تعقب حالات ما بعد انتهاء النزاعات أو سقوط السلطة. وكثيرا ما يشعر الضحايا ونشطاء حقوق الإنسان بغبن عميق من جراء جهود الحكومة الجديدة أو القديمة، حتى لو كانت حكومة ديمقراطية، قصد خلق "رواية رسمية"، أي رواية تؤلفها الدولة حول الماضي. وأحيانا ما ينظر إلى استراتيجيات العدالة الانتقالية - مثل إنشاء لجنة للحقيقة – كخطوة ضرورية في اتجاه التذكر، لكن أيضا كخطوة غير كافية في الوقت نفسه. وسبب ذلك أن الحفاظ على الذاكرة حية هو أمر في غاية الصعوبة، بل إن لجان الحقيقة الرسمية تصبح جزءا من رواية رسمية جامدة عن الماضي، ومن ثم فإن التحدي الذي يفرض نفسه من هذا المنظور هو "أن لا ننسى أبدا". -
المركز الدولي للعدالة الانتقالية

الذاكرة المجتمعية، نسيج من الأحداث والتواريخ والتغيرات، نسيج من الأفكار والكلمات واللغات والتقاليد، تصور حي للتاريخ والماضي. فوعينا، وبيئتنا وأفكارنا وأساليب حياتنا، استقرارنا وقلقنا هو امتداد وتراكم حيوي وتطور طبيعي لوجودنا وماضينا، فالحاضر ليس نتاج الحاضر نفسه بل هو بشكل مباشر برهان على وعينا للماضي.

الذاكرة المجتمعية هي هويتنا الحية، هي من يعرّف عنا، هي من نحدد بها وجودنا وحياتنا وكياننا. إن الذاكرة المنتقصة أو المغيبة، تنتج بحد ذاتها مساراً للتذكر، فالذاكرة سيف ذو حدين، ومن يريد تدميرها عليه أن ينتبه على عنقه.

تدمير الذاكرة كانت ولم تزل أداة وسلاح دموي تستعمله السلطة للسيطرة، تستعمله لتقطع مع الماضي، فيصبح حكمها واقعاً مفروضاً. من المبهر عدد الأمثلة التي نستطيع أن نجدها في التاريخ عن قيام السلطة الحاكمة من منع الناس فهم ماضيهم. احدى هذه الأمثلة هي عند نشوء الإمبراطورية الصينية في 221 ق.م. حيث قرر الإمبراطور حينها أن كل الكتب التي تتكلم عن الفترة السابقة وعن العادات والتقاليد القديمة يجب أن تحرق: "هناك بعض أصحاب الكلمة لا يضعون أنفسهم في قالب الحاضر، بل يدرسون الماضي من اجل انتقاد الحاضر، يشوشون ويهيجون الناس، علينا أن نمنعهم حالاً... الأشخاص الذين يناقشون الكتب الممنوعة يجب إعدامهم وعرض جثثهم أمام الملء؛ الذين يستخدمون الماضي لانتقاد الحاضر يجب أن يقتلوا وأقاربهم."

هذا المثل لا يبتعد كثيراً عن ما يحصل اليوم من تدمير منظم، وان كان بشكل غير مباشر، لذاكرتنا الجماعية. ففي كل مرة تقوم السلطة الحاكمة بجرم أو بإرهاب ما، تصدر قراراً يعفيها من الماضي ويعمل ليلغي ذاكرة الماضي ويشوهها. بعد الحرب الأهلية جاء الطائف ليعفو عن الماضي، فيعتبره عبثية تاريخية، يختزل 15 عاماً بميثاق كتبه أسياد الحرب أنفسهم.

بعد الطائف جاء مقتل الحريري وخروج الجيش السوري، جاءا ليلغيا 15 عاماً آخرين من تاريخنا وماضينا. ولكي يبرّئ أطراف الطبقة الحاكمة أنفسهم من الفترة الماضية، تبرّأوا من التواطؤ والنهب والسرقات والتجويع، عفوا عن أنفسهم وقرروا أن يبنوا دولة الحاضر، مقتطعة من التاريخ، وُجدت اليوم بقدرة إلهية أو إرادة الصدفة. يفرضون واقعاً هو واقعهم، حقيقة هي حقيقتهم، إنصاف هو على حساب إنصاف الناس. هم يحددون التهمة ليلغوها ويستبدلونها بعيد وذكرى وطنية لا يوجد قبلها شيء. فنعود إلى نقطة الصفر، ما قبلها هو غير موجود لأنه لم يحصل، ويبدأ الوعي من الآن وهنا.

في كل مرة تحاول الطبقة الحاكمة اللبنانية أن تعفي نفسها من آثام وأثقال الماضي والتاريخ، تأتي لتقول التاريخ يبدأ هنا وما قبله لم يقع ولم يكن. في كل مرة، يأتي الحاكم ليقول أن الاستقلال بدأ من اليوم.

الذاكرة بوجودها الواعي والكامل هي بحد ذاتها محاسبة للماضي، هي بذاتها معيار لبناء الحاضر وليس هناك إمكانية للإنصاف من دون محاسبة الماضي. من هنا نرى أن لا مجال للسير قدماً إلا بعد المحاسبة على أخطاء وجرائم الماضي. فمن قتل شعبه في زمن الحرب لا يؤتمن على بناء السلم، من خطف وعذب بناء على التفرقة الطائفية والعنصرية لا يمكن ومرفوض أن يكون هو من يؤتمن على بناء السلم الأهلي.
إن عملية تدمير الذاكرة المجتمعية للشعب هي قمع واضح، هي الخطوة الأولى لبناء نظام توتاليتاري، وكما يقول جورج اورويل في كتابه "1984"، وفيه يصف السلطة التوتاليتارية، "من يسيطر على الحاضر، يسيطر على الماضي، ومن يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل". إن صراعنا من اجل الذاكرة، ليس صراعاً فئوياً أو اتهامياً. هو انتصار الحياة على ثقافة الخوف والدمار، فلا مكان للحرية من دون الحق بالذاكرة.

الحرب الأهلية الأخيرة، وان رأى الكثيرون من أعلام السياسة إنها من الزمان الغابر، هي واقع مستمر بأشكال مختلفة؛ من استمرار التكتم عن المخطوفين والمفقودين، واستمرار آلام الضحايا المستمرين للحرب، من مهجرين ومَنْ فقد أهله وأقربائه، واستمرار اكتشاف المقابر الجماعية والتكتم عنها. الحرب لن تنتهي سوى بمعرفة كل الحقائق والوقائع التي تخيط حاضرنا.