تتقدم هانوي باعتبارها مدينة “شيوعية” طرحت الاحتلال الأميركي أرضا، ووقع في تلك المعارك آلاف القتلى من الفيتناميين في مواجهة الإمبريالية بوجهها العسكري وفي مواجهة عملاء لحقوا بأسيادهم المطرودين. وكانت تلك المدينة محجّة “الثوار” من الدول العربية، فتلقوا تدريبا عسكريا، وغنّوها، المدينة، نجمة في أغان ثورية. بقيت الأغاني، وتخلى الكثير من هؤلاء الثوار عن تلك الموضة “المزعجة”. حان وقت نقل البندقية، حان وقت العودة إلى الطائفة. العودة إلى الحضن الدافئ للغريزة المهتاجة.

تتقدم هانوي باعتبارها مدينة “شيوعية” طرحت الاحتلال الأميركي أرضا، ووقع في تلك المعارك آلاف القتلى من الفيتناميين في مواجهة الإمبريالية بوجهها العسكري وفي مواجهة عملاء لحقوا بأسيادهم المطرودين. وكانت تلك المدينة محجّة “الثوار” من الدول العربية، فتلقوا تدريبا عسكريا، وغنّوها، المدينة، نجمة في أغان ثورية. بقيت الأغاني، وتخلى الكثير من هؤلاء الثوار عن تلك الموضة “المزعجة”. حان وقت نقل البندقية، حان وقت العودة إلى الطائفة. العودة إلى الحضن الدافئ للغريزة المهتاجة. حان وقت جني المال (سرقته)، أصبح من اللائق مرافقة هذا الزعيم كمستشار في شؤون الدين، أو التنظير في مفهوم السوق والطرق الأقصر لربط المال من جيوب إلى أخرى. معروفة تلك الأخرى.

المدينة، الوسط المبتور

عفواً، في هذه الفسحة المقتطعة، تقاوم بيروت. يا لصداع الرأس عند بعض الهانويين التائبين، تقاوم في فسحة مقتطعة، بين انهيار الثورات في العالم، وهروب منظمة التحرير من لبنان. تشاء جماعات من الناس طريق المقاومة، وترافق كل ذلك مع عبث طائفي، وتكالب على حصص طائفية تؤكل من المارونية السياسية فتتناهشها أنياب الطبقة البرجوازية على ألوانها المارونية (ما بقي منها) والسنية والشيعية. أنتج هذا التناتش طائفاً وبقي التحضير لإعادة الإعمار. إعادة إعمار وسط بيروت احتلت الأولوية. فاحتلت شركة حريرية الأولوية، التي كانت عند حسن الظن، أي مصادرة مساحات واسعة، تأميم لصالح شركة خاصة، لا العكس. ردم البحر بالركام والآثار واستملاكه. توسعت الطرق، وزُنّر الوسط بكمية هائلة من الأنفاق، ففُصلت المدينة عن محيطها الطبيعي. فُصلت عن الأحياء الفقيرة، فلتمت بغيظها! ولعل التشكيل العمراني لهذا الوسط تعمّد الفصل لتحقيق هدفين، الأول، تأمين راحة قاطنيه، أما الثاني، إبعاد غير المرغوب بهم. إذاً، أخرج الحيز العام من المساحة المشتركة بين الناس1. احتل المشهد الفارغ كل ذلك. في هذه السنوات، احتلت الرافعات العملاقة الفضاء، كما تسامت على صدور- دون حمّالات- الصفحات الأولى من الصحف اليومية، كدليل على “نشاط وعافية” لمجتمع ما بعد الحرب.

القبعات المقطوعة

فجأة، تخرج من تحت تلك الرافعات المئات من القبعات الصفراء، فيقترب المشهد إلى الوصف المأزوم بين جهة سياسية أو عامل في ورشة. لا أزمة. حسناً، يخرج آلاف العمال من باطن الوسط إلى ضواحيه، إلى غرف التراكم الأولي (البشري). تشكُّل الاستمناء الهندسي، بحثاً عن ضرورة هندسية معولمة، بحثاً عن ناطحات، عن زجاج، عن فواصل من الألمنيوم، عن الشفافية، عن شركات الأمن الخاصة والعامة المخصخصة، عن كاميرات أمنية عن نظام أمني-اقتصادي مقيت. تلك القبعات تبني “الوسط”، وهي تلقّت الصفعات ما بنت من حجارة، صفعات مدينة لفظت أبناءها، واستقبلت من يقدر على رؤية الزجاج الشفاف وما يقع خارج الشفافية المرئية. هل من مجال للتشبه واللحاق بركب مدن أخرى، يبدو أن النموذج الموعود لم يكن وفياً ما فيه الكفاية، تراكمت الديون، من سرقاتٍ ورشىً وديون لسدّ الديون والرشى، أضف إلى فوائد موصوفة، تخبر عن قدرة فائقة لسرقة مكشوفة و”قانونية”- تحل بشطب الديون، بحركة بسيطة من قلم نيابي- وزاري. إنها المدن الأخرى، أو إنها الواحة التي لا تنضب، إنها دبي.

مدينة جليد داخل الصحراء

يقول مصرفي كويتي: “كل الخليج ينسخ نموذج دبي”، ويدعمه دبلوماسي فرنسي: “الآلة تعطي انطباعاً لانطلاقة واعدة”. أمّا الاقتصادي لدى “ستاندارد شارترد”، ماريو ماراتيفتيس فيحاجج: “دبي كانت السمكة المحرّكة للتنوع الاقتصادي في الخليج، التحدي الأول كان جذب السياح ورجال الأعمال من خلال تقديم خدمات فندقية فائقة النوعية والجودة، يتخللها مراكز تجارية. بعد ذلك، ظهرت ضرورة منح هؤلاء إمكانية الاقتحام، فتضاعفت المعالم السياحية والترفيهية ومراكز الأعمال، هذه العناصر شكلت التطور الاقتصادي خارج عالم النفط”(2).

يكفي متابعة الصحف والإعلانات الإماراتية، حيث تسعى إمارة دبي إلى إطلاق عملية بناء مدينة جديدة وبناء أعلى ناطحة سحاب، ترتفع ألف متر عن سطح البحر. كل ذلك بقيمة 150 مليار دولار. ومن علامات “دبي” فندق أتلانتيس، الذي بني على جزيرة اصطناعية تشبه شجرة النخيل، حيث يمكن قضاء ليلة واحدة لقاء 25000 دولار أميركي(3). يمكن إضافة إلى تلك الواحة مركز التزلج. يمكن تخيل الطاقة المهدورة لتشكيل الثلج والحفاظ عليه، كله بخدمة الإبهار والتميّز. ولعلّ الدولة الريعية المتشكلة في الخليج لم تنبت من فراغ، بل تجد صداها في الأصول القبلية لتلك الدول. القبائل كانت تعتمد على توزيع العطايا والمنح لكسب الولاء. فجاء النفط ليعزز هذه الفكرة، ولكن مع تشوش يتراوح بين مفهوم دولة الرعاية الموزعة للثروات وبين عطاءات الحاكم لكسب الولاء من القبائل(4).

الهياكل المبنية، الهياكل المفقودة

يخرج من باطن الواحة آلاف العمال، وهم بأغلبيتهم الساحقة من شرقي آسيا ومن الهند، يلبسون الأزرق المتّسخ. وشعارات المدينة تقول: “الشيخ بنى المدينة”، كما تقول الشعارات المستقبلية في لبنان: “الحريري بنى بيروت”. لكن كيف بُنيت دبي؟ هل لهذا الشيخ قدرة غراندايزيرية لبناء مدينة بهذا الحجم. بالطبع، هذا الشيخ كان مشغولاً بصبغ شعيراته بنفط قال عنه سمير قصير: “كان لتوزع الثروة النفطية جغرافياً أثره المدمر على التوازنات الداخلية في العالم العربي. فقد أوقع تدبير الطبيعة الفريد حقول النفط الرئيسة في دول ظلت على هامش التاريخ العربي منذ قرون ولم تشهد التطور السياسي والحضاري نفسه. …. وإن المن النفطي قد وفر مزيدا من الوسائل للنخب الحاكمة في هذه الدول في سعيها إلى التأثير في مجال العلاقات بين العرب”(5).

نعم، كان لتوزع النفط الجيولوجي أثره المدمر على العلاقات العربية، وهيمنته على وجه أنثوي مغطىً بالأسود. وكان اللطخة على صدور العمال الأجانب. العديد من العمال وعد بـ400 جنيه إسترليني، مع دوام عمل من التاسعة إلى الخامسة، إلا أن الواقع كان الراتب 90 جنيهاً، والدوام 14 ساعة، “ومن لا يعجبه يمكنه الرحيل، كيف ذلك وجواز السفر محتجز لديكم؟، إذاً، من الأفضل أن تذهب إلى العمل فوراً”(6). ويمكن إضافة 971 قتيلاً هندياً في 2005، بعد هذا الرقم توقفت القنصلية الهندية عن العدّ(7)، هؤلاء سقطوا نتيجة الإرهاق والانتحار لعدم تمكنهم من الهروب، وبسبب ظروف العمل المهينة.

أما سلطان القاسمي فيدافع عن إمارته بالقول: “نحن أكثر شعب متسامح، دبي هي المدينة العالمية الوحيدة في العالم، والجميع يعامل هنا باحترام”، هذا “الصحفي” يرفض، في حديثه إلى الإندبندنت، موضوع الإضراب، هو لا يريد التشبه بفرنسا، حيث يتوقف العمال عن العمل، وعندما يُسأل عن رد فعلهم عندما يخدعون أو يستغلون، يجيب: فليتركوا البلد. عندما تملك العائلة الحاكمة البلد، فإنها تملك الشعب، وتعامله كخادم.

انفجار الفقاعة، ذوبان الجليد

وبعد أن توسعت فقاعة السوق العقاري وأزمة الديون الوهمية، وتفجّرت الفضائح المالية من أقصى العالم إلى أقصاه، بدأ تراجع سعر النفط بعد أن بلغ أعلى مستوياته. تراجع سوق العقاري وتراجعت السيولة بفعل أزمة الائتمان. فتدخل البنك المركزي ومد سوق التأمينات ب 13.6 مليار دولار. الأزمة وصلت إلى دبي، ولم يعد من المناسب إخفاء الرأس داخل الرمل، ولكن على الرغم من ذلك فإن من دفع الثمن هم آلاف المسرحين من عملهم. الدفع مضاعف، استغلال متتالي، وصرف تعسفي.

دبي ليست نموذجاً

يمكن تصويرها كذلك، واعتبارها بديلا عن بيروت، والمحاججة بأن هانوي نسخة مصغرة عن دبي بفعل الإنشاءات العمرانية. ولكن “حيث كان من السهولة على حكومات دول الخليج قمع أية تمرّدات ضد أية محاولات من قبل هذه العمالة الأجنبية المضطهدة والتي كانت تمارس بحقها الكثير من ممارسات العبودية والسخرة والاستغلال البشع، حيث يتم بسهولة تسفير العمال الأجانب الذين يحاولون الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم”(7).

تبقى دبي بحسب سعدي يوسف:
” مبغىً للعالَم.
مستعمرةُ عقابٍ للعمّال.
جنّةٌ للشعراء العرب!”(8)

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *