طرحنا فى ورقة سابقة (مصر على طريق الثورة) قبل الإنتخابات البرلمانية أن فى مصر اليوم ثلاث قوى تتصارع فيما بينها على مصير الثورة المصرية. القوى الأولى هى الثورة المضادة و التي تريد إبقاء النظام القديم بمصالحه وسلطاته مع بعض التغييرات الشكلية. يمثل هذه الثورة المضادة المجلس العسكري الحاكم وبقايا النظام القديم داخل مؤسسات الدولة ومن خلفهم كبار رجال الأعمال (الألف عائلة الأغنى فى مصر) و يساندهم كل من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني والنظام السعودي.


طرحنا فى ورقة سابقة (مصر على طريق الثورة) قبل الإنتخابات البرلمانية أن فى مصر اليوم ثلاث قوى تتصارع فيما بينها على مصير الثورة المصرية. القوى الأولى هى الثورة المضادة و التي تريد إبقاء النظام القديم بمصالحه وسلطاته مع بعض التغييرات الشكلية. يمثل هذه الثورة المضادة المجلس العسكري الحاكم وبقايا النظام القديم داخل مؤسسات الدولة ومن خلفهم كبار رجال الأعمال (الألف عائلة الأغنى فى مصر) و يساندهم كل من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني والنظام السعودي.

والقوة الثانية هي الحركات والأحزاب السياسية الإصلاحية والتي كانت تعارض نظام مبارك ولها جذور إجتماعية خاصة فى أوساط الطبقة المتوسطة وعلى رأس تلك القوى جماعة الأخوان المسلمين وحزبها الحرية و العدالة. هذه القوى لها مصلحة فى إقتسام السلطة و الثروة مع النظام القديم دون إحداث تغييرات جوهرية أو جذرية فى سياسات ذلك النظام الإقتصادية والإجتماعية أو مصالحه وإرتباطاته الدولية.

أما القوة الثالثة فهي قوى تعميق وتجذير الثورة المصرية على المستوى الديمقراطي السياسي وعلى المستوى الإجتماعي والإقتصادي. هذه القوى لها مصلحة فى الإطاحة الكاملة للنظام القديم وعلى رأسه المجلس العسكري والتطهير الكامل لمؤسسات الدولة وإعادة توزيع السلطة والثروة فى مصر لمصلحة الغالبية العظمى من المصريين من عمال و فلاحين و فقراء.

ماذا يحدث لتوازن القوى بين الأطراف الثلاث وقد إنتهت إنتخابات مجلس الشعب ونحن ندخل العام الثاني للثورة المصرية؟

أولا و كما كان متوقعا إنتصرت الحركة الإسلامية الإصلاحية وعلى رأسها الإخوان المسلمين إنتصارا ساحقا فى إنتخابات مجلس الشعب. وقد شارك قطاع كبير من الجماهير المصرية فى الإدلاء بصوتهم فى الإنتخابات فالثورة أعطتهم ثقة غير مسبوقة فى أن صوتهم لأول مرة فى حياتهم له وزن و لن يتم تزويره. بكل ما يحمل ذلك من أوهام حول الديمقراطية البرلمانية و قدرتها على تحقيق مطالب الثورة من عدالة إجتماعية و حرية وكرامة.

وثانيا أصبح هناك توازن شديد الدقة والخطورة بين رغبة الإخوان فى الحفاظ على مكاسبهم البرلمانية وأن ينعكس ذلك فى سلطة حقيقية وهو ما سيقلص بالضرورة من سلطات ومصالح النظام القديم و بين رغبتهم فى الحفاظ على الإستقرار من خلال صفقات مع المجلس العسكري و بقايا النظام القديم . وذلك لسببين: الأول هو الخوف من إنقلاب المجلس العسكري ومن خلفه على نتائج الإنتخابات بإلغائها (تجربة الجزائر) أو بإنقلاب عسكري كامل يحسم توازن القوى لصالح النظام القديم. والسبب الثاني هو الخوف من أن تنفلت قطاعات واسعة من الجماهير عن السيطرة أو الهيمنة الإصلاحية بالتهديد بموجات ثورية جديدة تهدد التوازن الدقيق بين الإخوان والمجلس العسكري بكل ما يشكل ذلك من مخاطر للطرفين.

ومن الملاحظ فى هذه اللحظة الحرجة هو إستعداد الأخوان لتقديم تنازلات ضخمة وضمانات للمجلس العسكري حفاظآ على مكاسبهم حتى وإن كانت حتى الآن شكلية . فالقبول بإستمرار حكومة الجنزوري و إعطاء ضمانات وعفو لكبار ضباط الجيش بعدم المسائلة القانونية على مذابح الشهور الماضية. بل إن ضمانات قيادات الإخوان وحزبهم الفائز فى الإنتخابات لم تنحصر على المجلس العسكري بل على طبقة كبار رجال الأعمال وذلك بحجة تشجيع الإستثمار والإستمرار على نهج الليبرالية الجديدة للنظام القديم وضمانات أيضاً للكيان الصهيوني والولايات الامريكية بعدم التعرض لإتفاقيات كامب ديفيد واستمرار الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة . بل وصل الأمر إلى الموافقة على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول قروض ذات شروط مذلة تمامآ كما كان الحال فى ظل النظام السابق . ولعل تلك الصورة المعبرة للفريق سامى عنان (الملطخة أياديه بدماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى ) فى عناق تاريخى مع قيادات الإخوان ( محمد مرسى و الكتاتنى) توضح كيف أن خوف الطرفين من القوة الثالثة (الجماهير ذات المصلحة فى تعميق الثورة و تجذيرها سياسيا و إجتماعيا) أكبر كثيرا من خلافاتهم حول تفاصيل تقسيم كعكة السلطة بينهم.

ولكن لماذا كل ذلك الخوف؟ أليس هذا هو وقت الاحتفال بالعرس الديمقراطي والإنتقال السلمي للسلطة كما حدث فى تونس؟ هنا يجب القول بالفعل أن مصر ليست تونس. وذلك لعدة اسباب أولها هو الأزمة الإقتصادية . فلم تتمكن الحكومات المتتالية منذ سقوط مبارك أن تقدم أى شئ ملموس للجماهير المصرية بل أن الأوضاع تزداد سوءا يوما بعد يوم . إحتياطي النقد الأجنبي يتلاشى سريعآ (من 36 مليار دولار إلى أقل من 15 مليار خلال عام الثورة الأول) والتضخم يرتفع مع عدم وضع أى آليات للتحكم فى إرتفاع الأسعار . والبطالة فى إرتفاع دائم ولم تتقدم الحكومات المتتالية بأى مشاريع لزيادة ميزانيات الإسكان أو التعليم أو الصحة أو تشغيل الشباب أو زيادة حقيقية فى الأجور أو تحسين أى من الخدمات العامة لغالبية الجماهير. يحدث كل ذلك فى سياق أزمة طاحنة فى الاقتصاد الرأسمالي العالمى تخفض بدورها من موارد الرأسمالية المصرية من السياحة و قناة السويس و الإستثمار الأجنبى . هذا يعنى أن الحكومات القادمة ( الإسلامية / العسكرية ) ستكون فى ظل إلتزامها بسياسات السوق و الليبرالية الجديدة حكومات تقشف لا تقدم للجماهير إلا مزيد من الفقر و التشريد و البطالة و غياب الخدمات العامة بشكل يكون ربما أعنف من حكومات النظام السابق . سيؤدى ذلك إلى أن “شهر العسل” بين الجماهير التى ذهبت لتنتخب الأحزاب الإسلامية الإصلاحية أملا فى سياسات تخدم مصالحهم و تحسن من مستوى معيشتهم سيكون قصيراً للغاية . سريعا ما سيفضح عجز البرلمان بشكل عام وعجز الإخوان بشكل خاص على حل مشكلات الجماهير و تقديم بديل حقيقي يتجاوز النظام القديم بكل عفنه.

إذا فنحن أمام برلمان جديد منتخب و لكنه عاجز و منزوع الصلاحيات. القوى السياسية المهيمنة فيه متحالفة مع المجلس العسكري و بقايا النظام القديم وتتبنى نفس سياسات النظام القديم الداخلية والخارجية، السياسية والإقتصادية.

البرلمان الجديد و المجلس العسكري لن ينتجا معا إلا حكومات رأسمالية تقشفية معادية للفقراء والعمال والفلاحين، حامية كسابقاتها لمصالح كبار رجال الأعمال و الشركات الأجنبية و قبل و بعد كل شئ خادمة لمصالح نفس أسياد النظام القديم فى واشنطن وتل أبيب والرياض.

إن المرحلة القادمة من الثورة المصرية و التي ستدشن بالخامس و العشرين من يناير 2012 ستكون بداية ليس فقط لدحر الثورة المضادة و محاولاتها العنيفة لإسترجاع ماضي قد دفنه الشعب المصري تحت أقدامه و لكن أيضا بداية معركة مع القوى الإصلاحية و الأوهام البرلمانية و الربط بين تعميق الثورة الديمقراطية ( تجاوز نظام برلماني شكلي ومحدود الصلاحيات ) وبين مشروع إعادة توزيع الثروة (الإطاحة بإحتكار المؤسسة العسكرية و العائلات الألف الأغنى فى مصر) وبناء نظام جديد يمثل و يخدم مصالح عمال و فلاحين مصر . هذا لا يعنى بالطبع أن القوى الثورية عليها أن تتجاهل او ألا تتخذ موقفآ واضحآ من قضايا مثل ضرورة إنتقال السلطة من أيدي العسكر إلى أيدي القوى المدنية ، و لكن السؤال لمن يتم نقل السلطة حتى لو كان بشكل مرحلي ؟ لمجلس رئاسي مدنى كما يطرح البعض أم للبرلمان المنتخب أخيرا كما يطرح البعض الآخر .

في واقع الأمر يعيب الطرحين درجة كبيرة من الشكلية وقصر النظر ففكرة المجلس الرئاسي تفتقد لأي درجة من الديمقراطية. من سيختاره وبأي حق وبأي آلية؟ أما الاقتراح الثاني- إنتقال السلطة للبرلمان المنتخب فهو طرح يبدو أكثر ديمقراطية ولكنه يفقد أي معنى حقيقي في ظل طبيعة البرلمان الحالي وطبيعة ومصالح القوى المهيمنة فيه. علينا التركيز الآن في هذه المرحلة الخطيرة على المطالب التي تخدم أهداف الثورة المصرية والتي لن تتحقق من خلال شعارات خالية من المضمون حول انتقال صوري للسلطة وإنما من خلال موجة جديدة من التعبئة والتحرك الجماهيري.

وتتلخص هذه المطالب في الآتي…
أولا: إقالة حكومة الجنزوري فهي حكومة فلول مبارك.

ثانيا: محاكمة المجلس العسكرى وعلى رأسه المشير طنطاوي بتهمة قتل و جرح وهتك أعراض الآلاف من الثوار فى ميادين مصر، أي لا حديث عن ديمقراطية دون إنتقال المجلس إلى قفص المحاكمة.

وثالثا: التطهير الكامل لمؤسسات الدولة المصرية و على رأسها المؤسسة العسكرية من بقايا النظام القديم وشبكة المصالح التي يمثلها. تمثل هذه المطالب أو الشروط جزء لا يتجزأ من عملية فضح القوى الإصلاحية أمام الجماهير التى دعمت القوى الإصلاحية وصوتت لها فى الإنتخابات. وتمثل أيضا مقدمة أو مدخلآ للموجة القادمة من الثورة المصرية و التي ستبدأ فى 25 يناير 2012 والتي سيكون شعارها الأساسي: كل السلطة والثروة للشعب وسيكون مهام الثوريين فى هذه الموجه الجديدة الربط بين إنتفاضات وإعتصامات الميادين و بين إضرابات و إحتجاجات العمال و الفقراء ، بين من يريد إستكمال الثورة الديمقراطية لتتجاوز تلك الديمقراطية البرلمانية المحدودة والعاجزة لأشكال مباشرة و جماهيرية من اللجان الشعبية و العمالية و الفلاحية ومن يريد تحقيق مطلب العدالة الإجتماعية من خلال الإضرابات و الإعتصامات ومن أجل إعادة توزيع الثروة وإسترداد ثروة مصر من الألف عائلة ومن المؤسسة العسكرية لصالح عمال و فلاحين و فقراء مصر.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *