منذ سنة، يقف العالم مذهولاً أمام أحد أهم التحولات التاريخية، في المنطقة. بدا للجميع أن الشعوب في المنطقة العربية «استفاقت أخيراً»، وبدأت تحطّم أنظمة التخلّف والاستبداد والإفقار والرعب، التي تحكمها منذ عقود. ولكن الشعوب لا تنام، ولا تأتي الثورات من العدم.

منذ سنة، يقف العالم مذهولاً أمام أحد أهم التحولات التاريخية، في المنطقة. بدا للجميع أن الشعوب في المنطقة العربية «استفاقت أخيراً»، وبدأت تحطّم أنظمة التخلّف والاستبداد والإفقار والرعب، التي تحكمها منذ عقود. ولكن الشعوب لا تنام، ولا تأتي الثورات من العدم.

ثورتا تونس ومصر جاءتا بعد حراك دام سنوات. فمنذ ٢٠٠٧، لم تتباطأ إضرابات عمّال مصر (في المحلّة وغيرها) إلا لتعود أكثر إصراراً وجذرية. كانت حركة كفاية قد كسرت جدار الخوف، وأسهمت في خلق جو سياسي جديد استوعب العشرات من الشباب والطلاب، أغلبيتهم من الطبقة العاملة، أو المهنيين ذوي الأجور المنخفضة (ليس بالضرورة الصناعية ولا هم «طبقة وسطى»[1]). ظهرت العشرات من المجموعات (الرسمية وغير الرسمية)، والصفحات الإلكترونية (كالمدونات والمراصد ومجموعات الفيسبوك)، وطرحت الإشكاليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تواجه المجتمع المصري، فالمشاكل تفاقم عددها، ووصل كل منها إلى درجة الانفجار – من القتل تحت التعذيب، في المخافر، إلى العبّارات الغارقة وحالات التسمم الجماعية، إلى التحرّش الجنسي – ، هذا بالإضافة إلى الحركات المتضامنة مع العراق وفلسطين ولبنان، التي غالباً ما كانت تجمع عدداً كبيراً من تلك الحالات.

وفي تونس، لم يتوقّف النضال السياسي والحقوقي طوال حكم بن علي. فخروج مناضلين سياسيين من السجن أو عودتهم من المنفى،كانا يشيران إلى حراك سياسي سابق ضد النظام. وكما في مصر، أدّت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، التي تفرضها الدول الصناعية، إلى توسّع الهوّة بشكل مخيف بين الفقراء والأغنياء، وسيطرة برجوازية مافيوية على الاقتصاد والسياسة، في ظل نظام أمني خانق، مرتبط عضوياً بمنظومة الحرب على الإرهاب. وليس من المستغرب أن يشهد البلدان معارك مهمّة، متعلّقة بحرية التعبير والرقابة على الإنترنت، أو باستخدامه للإيقاع بالناشطين.

وكذلك في البحرين واليمن وسوريا، نرى مزيجاً من النيوليبرالية والاستبداد، تحرراً اقتصادياً وقمعاً سياسياً واجتماعياً، مافيات عائلية وأجهزة أمن (رسمية وخاصة وأهلية) تتكاثر وتستشرس. وسوريا مثال واضح على أن ما يحدد علاقة الأنظمة بشعوبها ليس الموقف من القضية الفلسطينية أو طريقة «حلّها»، فهي تتشابه، على جميع المستويات، من انتشار القمع والرقابة وحدّتهما، واستيعاب المجتمع المدني، إلى تشكّل المافيات العائلية، والبرجوازية الريعية، مع غياب تام للمشاريع المنتجة وانحسار للخدمات العامة.

وشهدت دول أخرى، كالأردن والجزائر والمغرب والكويت والعراق ولبنان، تحرّكات لم تصل إلى حد الانتفاضة بعد، ويجب ألا نستثني احتجاجات العمّال المهاجرين، في دول النفط، وصعود تيارات ديمقراطية جديدة فيها، وإن يكن على مستوى النخبة المواطنة.وقد ردّت الأنظمة العربية على هذه التحركات بالقتل والقمع والترهيب. وفي الدول التي تدّعي شيئاً من الديمقراطية، كانت الوسيلة المفضّلة هي الخرق المخابراتي والعمل على الاستيعاب، كما يحصل مراراً في لبنان، من خرق أحزاب المخابرات السورية لحملة إسقاط النظام الطائفي ورموزه، إلى ظاهرة وزير الغفلة الذي سيبدأ بإحداث التغيير في أيه لحظة، فاجلسوا وانتظروا.

منذ عام، كانت تقف الأنظمة سدّاً منيعاً أمام طموحات شعوبها، وتمنعها من العيش والمعرفة والتعبير، لكننا اليوم نعيش في عالم آخر. كان مجرّد التقاء مجموعة من التونسيين، في مكان عام، وإن صدفة، يثير حفيظة قوى الأمن، وكان الأمن المصري يقتل المحتجزين من دون رادع. أمّا بدايات ٢٠١١، فيبدو أنها ستكون على وقع تجدد الثورات واستمرارها بوجه قوى الثورات المضادة، أو القوى المُهادنة، التي ترى أن هذا وقت مناسب، فقط، لبعض المكاسب السياسية الفئوية والانتهازية. فلا الثوّار والثائرات في مصر قبلوا بالمجلس العسكري، ولا قمع درع الجزيرة نفع في البحرين، ولا أفلحت التسوية السعودية في اليمن. كما بدأ ثوّار ليبيا يضيقون ذرعاً بالناتو، ولم تتوقّف الاحتجاجات في السعودية أو الجزائر، وتشهد سوريا تصاعداً في الصراع يواجهه قمع دمويٌّ مضاد من نظام الأسد، وبدايات حرب طائفية تغذّيها السعودية وقطر، فضلاً عن خطر تدخّل أجنبي تتمنّاه الولايات المتحدة، ولكنها لا تملك ثمنه.

أزمة الرأسمالية والديمقراطية

الظروف التي أنتجت الحراك الشعبي، في المنطقة، ليست فريدة من نوعها، وهذا الواقع يتكرر، بشكل أو بآخر، في جميع أنحاء العالم: أولاً، هوّة اقتصادية متزايدة بين أقليّة الأقليّة من الأغنياء وبقيّة الشعب، وتناقض فظيع في مستوى المعيشة وإمكانية الوصول إلى الخدمات، ناهيك عن إمكانية التقدّم الاجتماعي. وهو تناقضٌ يشرح شعار حركة «احتلوا وول ستريت» (نحن الـ٩٩٪» )؛ ثانياً، انحسار للديمقراطية ولإمكانية الفرد التأثير في مصيره، يوماً بعد يوم، حتّى في دول مثل الولايات المتحدة، حيث يسيطر حزب واحد بجناحين على الحكم، ويلعب المال والشهرة الدور الأساسي في اختيار المرشّحين، في انتخابات خالية من البرامج؛ ثالثاً، تضخّم في الأجهزة الأمنية المزوّدة بأحدث تقنيات القمع، بنتيجة دخولها في منظومة الحرب على الإرهاب، وصراع الحضارات بدأ يقضم الحريات الفردية والجماعية العامة والخاصة، حتى في أكثر الدول تقدّماً؛ رابعاً، الصراع العالمي على النفط والطاقة، من خلال السيطرة الاقتصادية والسياسية، أو الحروب الإمبريالية. هذا عدا احتلال فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال، واليوم ليبيا، والحروب الأهلية والانفصالية، هنا وهناك، في المنطقة.

لقد عممت العولمة ظروف المعاناة حول العالم، ولم تنجُ منها حتى الشرائح الكبرى في المجتمع الصناعي المتقدّم، فكانت الخاسر الأكبر من الأزمة الاقتصادية العالمية، التي ضربت في ٢٠٠٨. وهي تستمرّ في الركود المتواصل والمتعمّق، حيث لم تتخطّ مستويات الإنتاج، في الدول الست الأعلى دخلاً ،في الربع الثاني من ٢٠١١، تلك التي كانت في ٢٠٠٨، كما يقول مارتن وولف، رئيس المعلّقين الاقتصاديين في مجلّة الفاينانشال تايمز[2]. ويضيف الاقتصادي، المعروف عالمياً ،نورييل روبيني، الذي كان قد توقّع أن يؤدّي التوسّع في التسليف، الذي بدأ في منتصف الـ٢٠٠٠، إلى كارثة: «كنّا نظن أن الأسواق تعمل. لكنها لا تعمل» (بعد أن قال إن «ماركس على حق»)[3].

هذا ولقد أدت الأزمة العالمية إلى فقدان الملايين لوظائفهم، ولمنازلهم الموضوعة تحت الرهن، وكان أثرها الأكبر في الدول الصناعية، حيث ما تزال اقتصادات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تتقلّص، من دون أفق. يأتي هذا في سياق الانهيار المستمر، في الإنفاق العام، والحماية الاجتماعية، التي انخفض معدّل نموّها في الاتحاد الأوروبي من ٩ إلى ٤٪، بين ١٩٩٠ و٢٠٠٤، أي قبل الأزمة، وشهد العمال،وباقي المنتجين، تراجعاً مخيفاً في مكتسباتهم، بينما ارتفعت أرباح أرباب العمل بنسبة ٣٣،٢٪، في دول الاتحاد الأوروبي الـ١٥ الأساسية، و٣٦،٦ في منطقة اليورو، وذلك بين العامين ١٩٩٩ و٢٠٠٦.

وفي الولايات المتحدة، فقط، فقد الملايين منازلهم منذ ٢٠٠٨،وارتفعت نسبة الأطفال الفقراء من ١٨ إلى ٢٢٪، حيث العائلات ذات الأطفال دون سن الـ١٨ كانت من أكبر ضحايا الأزمة[4]. كما وصلت نسبة الشباب، خارج المؤسسات (التعليمية بشكل خاص)، العاطلين عن العمل (بين ١٦ و٢٤ سنة) إلى ١٨،١٪ (حسب إحصاءات الحكومة الأميركية) و٢٣،٩٪ إذا أضفنا إليهم مَن توقّف عن البحث عن عمل، منذ بداية الركود الاقتصادي. وهي ٣١٪ عند ذوي الأصول الإفريقية[5]. أمّا النسبة العامة للشباب بين ١٦ و٢٤ الذين لا يعملون فتصل إلى ٥٠٪[6].

الشباب والطلاب كانوا من أكثر الفئات تضرراً من الأزمة، في دول الشمال. فبالإضافة إلى تأثيرها الاقتصادي، يواجه الشباب مستقبلاً غامضاً، مليئاً بالديون والمصاعب. ففي الولايات المتحدة، سيتخّرج طلاب الجامعات، الذين أكملوا دراستهم في ٢٠١١، مع ديون هي الأعلى تاريخياً، بمعدّل ٢٣،٠٠٠$ لكل خرّيج، وهو أعلى بـ٨٪ من العام الماضي، وب٤٧٪ مما كان منذ عقد واحد، مع احتساب نسب التضخّم. ويصل مجموع هذه الديون إلى حوالي التريليون دولار أميركي، مع تحوّل في المساعدات الطلابية، من نظام المنح إلى نظام الاستدانة. واليوم، لا تشكّل المنح سوى ثلث هذه المساعدات. الأمر الذي يؤدّي بنصف الطلاّب الجامعيين إلى عدم إكمال دراستهم[7].

لكن الأزمة الاقتصادية، والأزمات السياسية الناتجة منها، التي تأتي في زمن تورّط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في حروبهما الإمبريالية ضد الإرهاب، أنتجت جواً من الذعر والعنصرية بدأ يقترب مما شهده العالم أثناء صعود الفاشية، في ثلاثينيات القرن الماضي. ففي الولايات المتحدة، أدّى صعود «حزب الشاي» الشعبوي اليميني المتطرّف، والاهتمام الإعلامي، الذي حظي به، إلى وضع نهاية لأي إصلاح قد يقوم به أوباما. وتقدّم أعتى المتطرّفين، ومنهم من لا يختلف كثيراً عن النازية، مع استبدال اليهود بالمسلمين (والإبقاء على المثليين كما يبدو)، إلى احتمال تصدُّر الحزب الجمهوري المشهد، بما فيه للانتخابات الرئاسية هذا العام. مثال آخر هو أندرز بهرينغ بريفيك، الذي قتل ما يقارب ٧٠ شاباً وشابّة، بدم بارد، في مخيّم لحزب العمّال الحاكم في النروج، وأصدر مانيفستو من حوالى ١،٥٠٠ صفحة يدعو فيها لحرب أهلية أوروبية تطرد المسلمين، وتقوم بإعدام الماركسيين[8].

والمثال الأبرز على صعود تيّار فاشي تقليدي منظّم كان في إنجلترا، حيث برزت «عصبة الدفاع الإنجليزية»، كذراع مقاتلة للحركة الفاشية، بعد فشل الطريق البرلماني الذي انتهجه «الحزب القومي البريطاني». ومع أنّها ادّعت أنّها ضد التطرّف (الإسلامي)، كان هدفها الأساسي ترويع المسلمين بالتحديد والاحتجاج على وجودهم، وكان قادتها لاساميين، في الخفاء، وقد قام أعضاؤها بالاعتداء على السود والآسيويين غير المسلمين، بل وحرقوا معبداً هندوسياً[9]. وهي لم تكتف بذلك، بل بدأت بمهاجمة اليسار والاعتداء على الحركات النقابية. وبمواجهة هذه الحركة، قام عدد من النقابيين والنوّاب وأفراد من الفئات المتضررة، بالإضافة إلى عدد من الفنانين والفرق الموسيقية، بتأسيس حركة «متحدون ضد الفاشية»، التي انضوى تحتها أيضاً اليسار الثوري، واستطاعوا ملاحقة الفاشيين، وإفشال محاولاتهم لإقامة تجمّعات ومسيرات عنصرية غالباً ما يتخللها الاعتداء على الآسيويين والسود، ومهاجمة المساجد والمحال التي يملكها المسلمون.

ويستمر اليمين الفاشي في الصعود، في فرنسا وإيطاليا، مثلاً، وقد استطاع تمرير قوانينه العنصرية في عدد كبير من دول أوروبا، القديمة والجديدة، كالقوانين المعادية لشعب الروما (الغجر) في المجر، والقوانين المعادية للمهاجرين بشكل عام في أرجاء القارة. ووصلت أحزاب يمينية متطرفة إلى الحكم في أكثر من بلد أوروبي.

«ميدانات» التحرير، في مدريد، ونيويورك، و…

لم تتوقّف محاولات بناء حركات تغييرية،عبر العالم. ففي اليونان التي أدّت الأزمة إلى إفلاسها، يتظاهر الشباب والعمّال، منذ عامين تقريباً، بشكل دوري، احتجاجاً على سياسات الحكومة التقشّفية. وقد شهدت بريطانيا أكبر التظاهرات للنقابات العمّالية، منذ عقود ، بدءاً بالتظاهرة الضخمة التي دعت إليها كبرى الاتحادات النقابية، TUC، في ٢٦ آذار/مارس ٢٠١١، ثم لحقت بها سلسلة إضرابات، في القطاع العام، بمواجهة الهجوم على الأجور، الذي يقوم به التحالف الحاكم، ثم، في ٣٠ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١، أضرب الملايين من العمّال في القطاع العام، وهو أكبر تحرّك عمّالي منذ ثلاثينيات القرن الماضي.[10]

لكن احتجاجات هذا العام بدت وكأن لها روحاً جديدة. فمن أثينا إلى مدريد، إلى لندن ونيويورك وأوكلاند، مروراً بمنيسوتا، التي رُفع فيها علم مصر، ظهرت شعارات ويافطات جديدة، يحملها أناس عاديون ونقابيون وحزبيون، كلّها تشير إلى ميدان التحرير في مصر.

فالثورة المصرية شجّعت الشباب اليوناني على الاستمرار في التحرّكات، التي لم تتوقّف منذ سنتين، وعلى احتلال ساحة البرلمان في أثينا، وغيرها من الساحات، في مدن أخرى. وفي أسبانيا، حيث الأغلبية الساحقة من العمّال غير منظّمين نقابياً (٨٥٪ )، وحيث قام الحزب «الاشتراكي» بالانقضاض على مستويات المعيشة وحقوق العمّال[11]، تحرّك الشبان والشابات،الإسبانيون، في ١٥ أيار/مايو ٢٠١١، تأثراً بميدان التحرير، واحتلّوا أكثر من ٦٠ ساحة، في مدن عدّة، تحت شعار «ديموقراطية حقيقية فوراً»، وسمّوا أنفسهم «حركة الحانقين»[12].

تلقّف الناس نموذج ميدان التحرير،  بصفته مساحة للتلاقي وتبادل الخبرات والعمل الجماعي، وكذلك بسبب رفضه للسياسات الحزبية الانتهازية، وللنقابات المهادنة. ففي دعوتها لاحتلال وول ستريت، قالت مجلة آدبسترز، «في ١٧ أيلول/سبتمبر، نريد أن نرى ٢٠ ألف شخص يتدفقون إلى مانهاتن السفلى ينصبون خيماً، ويقيمون مطابخ وحواجز سلمية، ويحتلّون «وول ستريت» لعدّة أشهر». وأضافت «هناك تحوّل في التكتيك الثوري يبشّر بالخير، وهو مزيج من (ميدان) التحرير وخيم إسبانيا»[13].  ولعبت مجلة «آدبسترز» وزوكوتي بارك دور المروّج لنموذج ميدان التحرير، وللروح الثورية لشعوب مصر وتونس واليمن والبحرين.

وفعلاً، تدفّق الآلاف إلى مانهاتن السفلى، ونصبوا الخيم، وأقاموا المطابخ (والمكتبات الإلكترونية)، واحتلّوا حديقة زوكوتي القريبة. وفي اليوم العالمي للتحرّك، في ١٥ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١١، جرت تحرّكات في أكثر من ١٠٠٠ مدينة، في ٨٢ دولة، شارك فيها مئات الآلاف، ما يذكّر باليوم العالمي للتحرّك ضد الحرب على العراق، في ١٥ شباط/فبراير ٢٠٠٣. وفي الولايات المتحدة توسّعت الحركة إلى عدد من المدن الكبيرة والصغيرة، التي اعتمدت نموذج الاعتصام المفتوح في ساحة عامة (ما يُسمّونه «احتلالاً»). وفي أوكلاند، بكاليفورنيا، حيث نقابة عمّال المرفأ تُعدّ من أكثر النقابات راديكالية، دعت الحركة إلى إضراب عام أدّى لإقفال ميناء المدينة البحري (وهو من أهمها في الولايات المتحدة). وتعددت التحرّكات المتضامنة مع عمّال مصروفين، أو عائلات خسرت منزلها.

لقد اجتذبت حركات الاحتلال شباباً وطلاباً حديثين في النضال، وجمعتهم مع أشخاص أكثر خبرة في التنظيم النقابي، ومع أعضاء في أحزاب ومجموعات سياسية ومدنية. وقد تكون هذه أهم فرصة لبناء تيّار يساري ناشط جديد، في الولايات المتحدة، فقد استطاعت في غضون شهرين جذب الاهتمام إلى قضية العدالة الاجتماعية، وجشع الشركات، بالرغم من ضيق المساحة، في الإعلام التجاري[14].

هذا النجاح أثار حفيظة النظام وأفراد الطبقة الحاكمة. فبالنسبة لهم، ليس من المقبول انتقاد الـ١٪ الذين يملكون ٤٠٪ من الثروة، أو الاعتراض على حق الشركات في شراء الأحزاب السياسية، والسيطرة على الانتخابات، من خلال تمويل الحملات الانتخابية والإعلام، أي غياب العدالة الاجتماعية ،والتراجع المخيف في الحقوق الديمقراطية والحرّيات. وكما في مصر (وتونس والبحرين وسوريا)، قام النظام باستخدام الترسانة الأمنية، التي تستمرّ في التضخّم، منذ هجمات ١١ أيلول/سبتمبر، لقمع الحركة وإغلاق الساحات وتمزيق الخيم[15].

ففي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١، هاجمت الشرطة مخيّمات «احتلّوا» في كل مكان، وتوّجتها باقتحام حربي لمخيّم «وول ستريت»، في «زوكوتي بارك»، وطردت كل من فيه وأزالت الخيم. بدا وكأن شرطة الولايات المتحدة تستخدم أساليب القمع ذاتها، التي تعتمدها الأنظمة العربية . ووصل هذا العنف إلى ذروة «سادية» في جامعة كاليفورنيا، في دايفس ، حيث شاهد الملايين على «يو تيوب» أحد أفراد الشرطة، وهو يرش طلاباً متظاهرين سلمياً، يجلسون على الأرض، ببخاخ الفلفل الحارق، المستخدم ضد المجرمين[16].

في كل تلك الحالات تقريباً، كان عمدة المدينة من الحزب الديمقراطي، ويبدو أن قرار تصفية الحركة كان منسّقاً بين المسؤولين، في شتى مناطق التحرك. ففي مقابلة مع البي بي سي، قالت عمدة أوكلاند، جين كوان، أن عملية الإزالة جاءت بعد مؤتمر، على الهاتف، مع «١٨ مدينة» أخرى تنشط فيها الحركة. وقد تم القبض على حوالى ٣،٦٠٠ ناشط في حركة «احتلّوا»، في الولايات المتحدة، منذ انطلاقها، بينما يستمر المجرمون في «وول ستريت» بنهب العالم[17].

واليوم، هناك محاولات حثيثة لإعادة بناء الحركة، وإقامة المخيّمات، وقد كانت آخر محاولة منها في ليلة رأس السنة في نيويورك. فالمخيّمات والتجمّعات والمنشآت المتصلة بها أثبتت أنها مساحة حيوية، لأنها تسمح لجميع الناس بالتلاقي، وتبادل الحكايات والمعلومات، حول قضاياهم اليومية. وهي مكان يحفّز انطلاق التحرّكات بأنواعها والقيام بمبادرات مختلفة[18]. وبعد الهجوم الحربي الذي قام به النظام في الولايات المتحدة على الحركة، يتباحث الناشطون الآن في كيفية وزمان استعادة هذه الساحات، فهناك بعض الأصوات المعارضة، التي تقول إن إقامة المخيّمات بحاجة إلى جهد كبير يمكن استخدامه للإضاءة على القضايا الكبرى. لكن الحق في التعبير والدفاع عن الحريات الديمقراطية هو أيضاً قضايا كبرى، بل قد يكون مدخلاً للتنظيم الشعبي الواسع، حول القضايا الاجتماعية[19].

… وفي كل مكان

لقد باتت مقاومة النظام الرأسمالي موجودة، في كل مكان، وهي لا تقتصر على دول الشمال. ليس بالضرورة أن يكون ميدان التحرير هو النموذج، ولكن هناك قواسم مشتركة كبيرة، أهمّها الديمقراطية القاعدية، والمبادرات المختلفة والمبدعة. ففي أول العام، كانت الصين قد شهدت تحرّكات داعمة للثورة المصرية جوبهت بالقمع، وقام النظام في زيمباوي باعتقال عدد من الرفاق الاشتراكيين الثوريين، بتهمة الخيانة، بعد عرضهم لفيلم عن ميدان التحرير. وفي الشيلي، مثلاً، انتفض الطلاب على واقع نظام «الأبارثايد (الفصل العنصري) التعليمي» (على إيقاع أغنية «ثريلر» لمايكل جاكسون، مصوّرين الطبقة الحاكمة بالـ»زومبي»)[20]. وتعاني الشيلي من  انخفاض شديد في نفقات الدولة على التعليم الرسمي، بل إن أموالها تذهب إلى المدارس الخاصة، بسبب قوانين منذ عهد الدكتاتور بينوشيت، ويعاني المعلّمون الأجور المنخفضة.وقد شارك في التحرك مئات الآلاف من الطلاّب ودعمهم العمّال والنقابيون واليسار، وامتد هذا العصيان إلى كولومبيا حيث يتعرّض النقابيون اليساريون للاغتيال، من قبل قوى مرتبطة بالنظام[21]. كما أن نهاية العام شهدت أيضاً تحرّكات من أجل الديمقراطية، في روسيا، متاثرة بميدان التحرير، وقمعاً وحشياً لتظاهرات قام بها عمّال النفط في كازاخستان، أدّت إلى مقتل ١٥ شخصاً.

لقد أعطت الثورات العربية العديد من الحركات حول العالم دفعة قوية، وخاصة على مستوى الشباب. طبعاً، كان هذا بعد سنوات من التطوّر في تكنولوجيا الاتصالات وبناء المعرفة أدّى إلى ظهور شريحة من العمّال الشباب،والناشطين من الطبقة الوسطى، بإمكانها التواصل مع كل مَن في الكوكب في دقائق معدودة، واستبدال الإعلام الرسمي أو التجاري بالتواصل المباشر من خلال الفيسبوك أو تويتر أو غيرها مما ظهر من الأدوات، أو قد يظهر. وللتذكير، جَمَعَت حركة مناهضة الحرب على العراق الملايين من الناس، قبل الفيسبوك وتويتر.

لكن هذا لم يأتِ من فراغ، فمنذ بدايات القرن، ظهرت بوادر حركة عالمية جديدة تحمل خطاباً متنوعاً: العداء للنظام الرأسمالي أو العولمة النيوليبرالية، وصل إلى ذروته في سلسلة تحرّكات ضد منظّمة التجارة العالمية، بدءاً من سياتل في ١٩٩٩، مروراً بجنوى؛ العداء للإمبريالية والوقوف مع السكّان الأصليين، كما في حركة مناهضة الحرب على العراق، التي جمعت حوالى ٢٠ مليون إنسان ،في يوم تحرّك واحد في شباط/فبراير ٢٠٠٣؛ العداء للتمييز العنصري والجندري؛ الموقف المتقدّم من حريّة التعبير والحريات الخاصة؛ ومعاداة النظام الأمني المتعلّق بالحرب على الإرهاب (أو الحرب على المخدّرات في أميركا اللاتينية)، الذي يقضم من الحرّيات، يوماً بعد يوم، خاصة في الدول المتقدمة.

ومع الثورات العربية، تتحوّل الأزمة الاقتصادية والسياسية العالمية إلى أزمة وعي لدى الطبقة الحاكمة. ففي العقود الماضية، تم صرف الملايين من الدولارات للترويج لكون الشعوب العربية خاملة ومتخلّفة، و»لا تريد» الديمقراطية بل تكرهها، واستعرت شدّة الحملات العنصرية التي يقوم بها اليمين المتطرّف ضدّ المسلمين، بشكل عام. ويوم واحد، هو يوم ٢٥ يناير، كان كافياً لتحطيم أسس منطق صراع الحضارات. فها هي الشعوب تنتفض وتبدأ بصنع ديمقراطيتها ومستقبلها بنفسها. ففرنسا والولايات المتحدة، وغيرهما من دول الشمال، لم تدعم الثورة في مصر وتونس،على الأقل لفظياً، إلا بعد أن اتضح أن الدكتاتوريات قد سقطت فعلياً، وهي تتدخّل اليوم للسيطرة عليها، بل وتقود الثورة المضادة التي يقوم بها المجلس العسكري في مصر، أو الإسلاميون، المتحالفون مع الانتهازيين الليبراليين، في مصر وتونس وسوريا وغيرها، وتقوم في الوقت ذاته بدعم أنظمة تواجه ثورات في اليمن والبحرين، وتغض النظر عن التحرّكات التي تواجه بالقمع في الجزائر والأردن والعراق… وتاريخ أميركا اللاتينية مع الولايات المتحدة حافل بأمثلة مشابهة.

هذا ما تفعله الأنظمة، لكنها ماذا ستفعل عندما ستصطدم لا محالة مع الحركات الثورية الجذرية في المنطقة؟ لا يمكنها استخدام الصورة النمطية لشعوب المنطقة، التي روّجت لها طوال العقد الماضي، فهذه الشعوب أثبتت كذب الصورة، كما تكتشف يوماً بعد يوم ادعاءات الغرب الإمبريالي، المتعلّقة بالديمقراطية والحقوق. فهو ما زال حليفاً لأنظمة تُشبه نظامَي مبارك وبن علي، وربّما قد تكون أسوأ، ويدعمها بكل الوسائل. يكفي أن نعرف أن مستوى الرقابة على الإنترنت، الأداة الأساسية للثورة في المنطقة العربية،بحسب ما تقوله الأنظمة الغربية وإعلامها، يدل على مدى قرب النظام العربي السائد، سياسياً واقتصادياً، مما يُصطَلح على تسميته «العالم الحر» (الذي يفترض حرية الإنترنت)، فالأنظمة في الإمارات والسعودية أو مصر وتونس، قبل الثورة، تمتلك أحدث أدوات الرقابة على الاتصالات، ولا تتوانى عن استخدامها لقمع حرية التعبير، وهي في الوقت ذاته الأقرب إلى السياسات الإمبريالية في المنطقة، وتربطها علاقات قوية بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل هي غالباً ما كانت نموذجاً يروّجان له، كمثال عن الرخاء الاقتصادي، أو محاربة الإرهاب.

بعيداً من التأثير، في الشكل والتكتيك، ستؤدّي الثورات العربية إلى تغيير نوعي في العلاقة بين الجماهير العربية وغيرها من الناس،عبر العالم، لا من خلال كسر الصور النمطية فحسب، بل أيضاً من خلال تقديم نموذج بدأ بالتطوّر والانتشار. هذا النموذج بدأ بخلق استقطاب عالمي، حول موضوع  الثروات والنظام الرأسمالي والحقوق الديمقراطية، وهو يقف بوجه التوجّهات الإمبريالية للولايات المتحدة ودول الناتو، وحتى في ما يتعلّق بالصين وروسيا. كما أنه يطرح أسئلة أساسية على قوى التغيير، ومن ضمنها اليسار، ولا سيما التقليدي منه، بعضها تنظيمي يتعلّق بأدوات المشاركة والعلاقة مع الناس، خاصّة وأن هناك ثقة مفقودة بين هذا الأخير والجماهير، في معظم الأمكنة، أو بالأحرى بين هذه الجماهير وبين حركات اليسار التقليدي، الإصلاحية والستالينية، وحتى بعض اليسار الثوري المنغلق، أو الغارق في الفئوية. وهناك أسئلة أخرى حول أدوات التغيير والمشاركة، فاحتلال الساحات (كما تشير تجارب كثيرة في لبنان، خاصة الاعتصامات المفتوحة التي تقوم بها المجموعات الراديكالية) يؤمّن مساحة للتلاقي والعمل المشترك لا تؤمّنها الحياة الحزبية التقليدية أو الانضمام إلى جمعية أو ما إلى ذلك. وهو يطرح أسئلة حول آليات المشاركة وصنع القرار على اليسار الإجابة عنها. لكن بالرغم من اقتناع الجميع أن التنظيمات الحديدية اللاديمقراطية يجب أن تصبح من الماضي، فإن تجارب ٢٠١١ تشير إلى أن غياب التنظيم قد يؤدّي إلى هشاشة الحركة أمام هجمة منظّمة من الشرطة، أو قوى مرتبطة بالنظام. هذا بالإضافة إلى مسألة سلمية التحرّكات بمواجهة القمع الحربي بأشكاله المتنوعة.

طبعاً، هذا لا يُعفي بعض «اليسار»، الذي لم يرَ في التحرّكات، التي عمّت المنطقة، سوى المؤامرة الأميركية، ونسي إن الشعوب هي مَن ثار وبدأ بالتغيير، بل قرر التضامن مع أنظمة دكتاتورية بمواجهة شعوبها، خاصة في سوريا. فمن الطبيعي أن «يرفض» فيديل كاسترو أو هوغو شافيز تدخّل الناتو العسكري في ليبيا، لكن التضامن مع القذّافي والأسد هو إساءة للشعوب الثائرة. المهم، ربّما تكون هذه فرصة لقطيعة كاملة مع هذا التراث أو دفنه.

فرصة تاريخية؟

بين ١٩٧٠ و٢٠١٠ ،ارتفع عدد العمّال في الدول المتقدّمة من ٣٠٠ إلى ٥٠٠ مليون، لكن في الدول الفقيرة ارتفع عددهم ،زائد الذين يقومون بإعالتهم، مباشرة، من ١،١ مليار إلى ما بين ٢،٥ و٣ مليارات شخص… أغلبية سكّان الأرض لم يعودوا من الفلاحين أو ممن يقومون بأشكال أكثر بدائية من الزراعة. نحن نعيش في عالم مديني للمرّة الأولى في التاريخ… ويشكّل سكان المدن من مواطني دول «الجنوب» ،حالياً، ٧٢٪ من سكّان المدن حول العالم، ومن المتوقّع أن تصل هذه النسبة إلى ٨٣٪ في عام ٢٠٣٠. وتسهم في ذلك ظاهرة المدن العملاقة، التي يتعدّى عدد سكّانها الـ١٠ ملايين نسمة[22].

وليس صدفة أن تكون القاهرة (١١،٥ مليون نسمة، بحسب الأمم المتحدة، ٢٠٠٩) واحدة من هذه المدن، وتوضّح الأمثلة السابقة أن الطابع المسيطر في المواجهة، حتّى الآن، هو مَديني، يستخدم الساحات العامة ليواجه النظام وأدواته، بشكل مباشر ويومي ودائم. وتضم الحركة في صفوفها أنواعاً متعددة من العمّال والطلاّب، ولا تقتصر على التنظيمات النقابية والحزبية التقليدية، بل تتحدّاها كما تتحدّى أولويات الحركات الإصلاحية ومناوراتها الانتهازية، وتُصِرّ على مشاركة الناس «العاديين» في الحركة وقراراتها.

هي بدايات جديدة لسيرورة ثورية عالمية لن تتوقّف، طالما لم يتوقّف الاستغلال والقمع وتأثيراته المشتركة حول العالم، التي تصنع أجيالاً جديدة تتبادل الاهتمام، أكثر وأكثر، بعضُها بمشاكل البعض الآخر،وذلك مع عولمة الاتصالات وتطوّرها، وتعيش في عالم متشابك ومُشترك يحكمه نظام أعمدتُه الاستغلال الرأسمالي، والإمبريالية والحرب العنصرية، والدكتاتورية والقمع… هي فرصة لبناء مقاومة عالمية شاملة لتحطيم تلك الأسس، وبناء مجتمع جديد، على أسس الاشتراكية والسلام والديمقراطية والحرية.

إنها سيرورة الثورة الدائمة.

 

[1]http://al-manshour.org/node/191

[2]http://isj.org.uk/index.php4?id=755&issue=132

[3]http://www.ibtimes.com/articles/197468/20110813/roubini-nouriel-roubini-dr-doom-financial-crisis-debt-crisis-europe.htm

[4]http://www.brookings.edu/papers/2011/1220_children_wellbeing_isaacs.aspx

[5]http://socialistworker.org/2011/09/06/exploiting-the-unemployed

[6]http://socialistworker.org/2011/11/07/drowning-in-student-debt

[7]http://socialistworker.org/2011/11/07/drowning-in-student-debt

[8]http://www.scribd.com/doc/60744006/2083-a-European-Declaration-of-Independence

[9]http://uaf.org.uk/the-edl-violent-racists-and-fascists

[10]http://www.socialistworker.co.uk.

[11]http://isj.org.uk/index.php4?id=757&issue=132

[12]http://www.al-akhbar.com/node/12604

[13]http://www.al-akhbar.com/node/18809

[14]http://socialistworker.org/2011/11/22/occupys-next-struggle

[15]المرجع السابق

[16]http://www.youtube.com/watch?v=6AdDLhPwpp4

[17]http://socialistworker.org/2011/11/16/we-wont-be-silenced; and http://capitoilette.com/2011/11/15/oakland-mayor-jean-quan-admits-cities-coordinated-crackdown-on-occupy-movement/

[18]http://tymat.org/?q=node/1727

[19]http://socialistworker.org/2011/11/22/occupys-next-struggle

[20]http://www.youtube.com/watch?v=sVjqtxGr1nY

[21]http://socialistworker.org/2011/12/16/the-year-of-revolt

[22]http://isj.org.uk/index.php4?id=760&issue=132

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *