مقتطفات من الجزء الثالث: دور الستالينيين

إن موقف الطبقات المستغِلة يمكن أن يلخّص بما يلي: كلهم يديرون وجههم أمام تدني مستوى المعيشة لدى الشعوب. بعض الصناعيين يريدون الضغط على بريطانيا من أجل تحصيل بعض الامتيازات، ولكن من دون شك من الواضح أنه حتى بالنسبة للصناعيين العرب، الأمر الأول هو ثابت أمام الثاني.

مقتطفات من الجزء الثالث: دور الستالينيين

إن موقف الطبقات المستغِلة يمكن أن يلخّص بما يلي: كلهم يديرون وجههم أمام تدني مستوى المعيشة لدى الشعوب. بعض الصناعيين يريدون الضغط على بريطانيا من أجل تحصيل بعض الامتيازات، ولكن من دون شك من الواضح أنه حتى بالنسبة للصناعيين العرب، الأمر الأول هو ثابت أمام الثاني.

في مواجهة التباعد ما بين جماهير العمال والفلاحين من جهة والإمبريالية من جهة أخرى، تسعى أغلبية الطبقة البرجوازية إلى تحويل اهتمام الجماهير إلى أمور جانبية. الإقطاعيين والبرجوازية الكومبرادورية والتجار يتماشون مع الامبريالية بشكل تام؛ أما البرجوازية الصناعية فهي سوف تستخدم الجماهير من أجل تحصيل بعض الامتيازات من الامبريالية، وبعد وقت ليس بطويل، ستتواطأ مع الإمبريالية لتحويل صراع التحرر الوطني والاجتماعي إلى مسار جانبي ـ مسار شوفيني ـ أو شغب أهلي.

مع تطوّر التناقض الطبقي والقومي في الشرق الأوسط، وتنامي الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، لا يمكن أن يؤدي هذا الوضع سوى إلى شيء من اثنين: إما صعود قوّة بروليتارية ثورية تقود الفلاحين نحو صراع من أجل التحرر الوطني، أو الانتصار الدموي للرجعية الإمبريالية وحلفائها من الطبقات العليا. إن لم يصار إلى مواجهة الأزمة بشكل ثوري، فإنها سوف تحلّ بطريقة مضادة للثورية. إما الثورة أو المذابح الأهلية والشغب. التاريخ لن يسمح للبروليتارية الشابة في الشرق الأوسط أي فرصة لتجنب هذا الواقع أو المصير. إذا أرادت الامبريالية أن تستعمل الشغب والتحريض الشوفيني كضربة استباقية ضد الثورة القادمة، على الطبقة العاملة أن تبني على الغضب الشعبي للتخلص من نظام القمع الاجتماعي والقومي. ضد الشوفينية ومن أجل الأممية. الحاجة لحزب ثوري أممي هي مسألة حياة أو موت. من يستطيع أن يلعب هذا الدور؟

للأممية الثانية حزب وحيد في الشرق الأوسط، “ماباي” الحزب الصهيوني الاشتراكي في فلسطين، ولا فرق بينه وبين الأحزاب الصهيونية الأخرى فيما يتعلق بالأمور الأساسية (التحالف مع الامبريالية، طرد العمال العرب ومنعهم من العمل في الاقتصاد اليهودي، طرد الفلاحين العرب، الخ.). لا يوجد للأممية الثانية أي فرع عربي، إذ إن الظروف في الشرق لا تتوافق وصعود أحزاب إصلاحية والتي تسعى إلى استخدام القفازات في إيجاد الحلول.

للستالينيين أحزاب في الشرق الأوسط في سوريا، لبنان وفلسطين (حزب عربي صاف، وحزب يهودي صاف). في مصر والعراق، لديهم بعض المجموعات الصغيرة ليس لديها أي تأثير فعلي. في الحقيقة إن القيادة الستالينية هي بعيدة من أي طرح حول صراع طبقي ثوري.

“من الواضح إن مشكلة التحرر الوطني هي مشكلة تخص “الوطن” بشكل كليّ، ويمكن إقناع معظم الناس والطبقات بهذا الشعار، في هدف تحقيق الوحدة الوطنية. إن الوحدة الوطنية تصب في مصلحة جميع السكان، لا يهم ما تكون الطائفة أو الدين أو الطبقة التي ينتمون إليها. هي في مصلحة العمال وأرباب العمل؛ في مصلحة الفلاح وملاكي الأراضي؛ هي في مصلحة التجار الصغار وكذلك الكبار.” (الحزب الشيوعي في الصراع من اجل الاستقلال والسيادة الوطنية، بيروت في 1944).

ويكمل: “إن تقديرنا وفخرنا في الرأسمالي الوطني الذي يناضل بحق من أجل التحرر الوطني ليس أقل شأناً من تقديرنا للعامل الوطني الذي يناضل من أجل التحرر الوطني” (نفس المصدر، ص 75)

ويكمل من دون أي خجل: “من يقرأ برنامجنا الوطني (البرنامج الذي أقر من قبل المجلسين الوطنيين لكل من الحزب الشيوعي اللبناني والسوري (31 كانون الأول، 1943 – 1 كانون الثاني، 1944) سوف يجد أنه ليس هناك أي ذكر للاشتراكية، ليس هناك جملة أو مطلب ذات منحى اشتراكي.” والتزاماً بهذا النهج، قرر الحزب الشيوعي التخلص من الراية الحمراء ونشيد الأممية. فعلم الحزب الشيوعي السوري الآن هو العلم الوطني السوري ونشيده هو النشيد الوطني السوري، وكذلك فعل الحزب الشيوعي اللبناني. وليتمكنوا من الجلوس معاً مع “الرأسماليين والإقطاعيين الوطنيين”، تغيّر شكل المخاطبة لديهم من “رفيق” إلى “سيدي”. بكداش ليس إلا نسخة مصغّرة عن ستالين. خطاباته اعتبرت دليل إرشادات من قبل الستالينيين في البلاد العربية، والذين يعملون كل ما استطاعوا فعله من أجل أن يثبتوا أن التزامهم القومي ليس أقل من التزام معلمهم.

وعندما أعيد إحياء الحزب العربي، في حزيران 1944، تحت قيادة المفتي “الحاج أمين الحسيني”، والذي كان المتحدث بـاسم النازية عند العرب، قام الستالينيين العرب بتنظيم عصبة التحرر الوطني، وأرسلوا رسالة لقيادة الحزب العربي: “إن عصبة التحرر الوطني تهنّئكم على قراركم بإعادة إحياء الحزب، ونؤمن بأن هذا القرار سيساعدنا جميعاً في توحيد جهودنا من أجل خدمة أمتنا العزيزة.”

وتحول هذا الخط ليكون الخط الرسمي للستالينيين في التعامل مع المصالح الطبقية لكل من العمال والفلاحين. ينص البرنامج الوطني للحزب الشيوعي في لبنان وسوريا في فقرته الخاصة بالفلاحين: “يجب أن نعير اهتماماً جدياً لموقف الفلاح وتحرره من الفقر، الأمية والرجعية.” ما معنى كلمتي “التحرر” و”الاهتمام” في هذا النص؟ خالد بكداش يجيب على هذا السؤال بشكل واضح في خطابه في الأول من أيار من العام 1944:

“نطمئن ملاّكي الأراضي بأننا لن نطالب في البرلمان بمصادرة أملاكهم وأراضيهم، ولكن بالعكس تماماً نريد مساعدتهم بالمطالبة بإنشاء مؤسسات ريّ ضخمة، بتسهيل استيراد السماد والآليات الزراعية الحديثة(!)… كل ما نطالبه في المقابل – هو الشفقة على الفلاح، وان يُنتشل من الفقر والأممية، وان يتم توزيع المعرفة والصحة في أنحاء القرية(!). هذه هي مطالبنا الاقتصادية، أو إذا أمكننا القول، مطالبنا الاجتماعية. هي مطالب ديمقراطية ومتواضعة.” (الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان: السياسة الوطنية والبرنامج الوطني، بيروت، 1944 ص. 24-25).

بكداش محق في نقطة واحدة فقط: إن المطالبة بالشفقة هو “مطلب” متواضع جداً.

الستالينيين في دول عربية أخرى يتبعون نفس النهج ولا يفكّرون مطلقاً بإعادة توزيع للأملاك الإقطاعية.

وفي الموقف من الصراع الطبقي، الحجة هي نفسها، “نحن متواضعون. أنتم أيضا كونوا متواضعين ومتسامحين”… عوضاً عن المناداة بالصراع وللتنظيم العمالي المستقل، تأتي المناداة بالوعي البورجوازي والمناداة بالدولة البرجوازية.

مثلاً، عندما أضرب عمّال مصانع الصابون في طرابلس، كتبت صوت الشعب (الجريدة اليومية للحزب) في 15 تموز 1944: “نأمل بأن يوافق أرباب العمل على المطالب المتواضعة للعمال إذ إنهم لا يطالبون بالكثير، ونأمل أيضا أن تتدخل الحكومة ما بين العمال وأرباب العمل وأن تجد حلاً عادلاً.”

في آب 1944، ذهب عمّال بلدية بيروت إلى الإضراب، وتم قمعهم وضربهم ضرباً مبرحاً من قبل الشرطة، وطُرد العديد منهم من عمله من قبل البلدية. قامت صوت الشعب حينها بالطلب من الحكومة بالتحرك لصالح العمال (2 و3 آب 1944). على ما يبدو، فإن صوت الشعب لا تعتبر الشرطة أداة من أدوات السلطة.

في 11 آب 1944، صوت الشعب وصفت الأوضاع الكارثية لعمال الحرير. الخاتمة؟ على الحكومة أن ترسل لجنة للتحقيق في أوضاعهم.

وفي تزايد للتحركات العمالية، وتزايد الطلب من هذه التحركات للمساندة والتعاضد من الحزب، كان الحزب دائماً يطالبهم بعدم ضرب “الوحدة الوطنية”. في اجتماع للحزب الشيوعي في لبنان، هاجم فرج الله الحلو (أمين عام الحزب) جميع من يضل عن الطريق وكل من يساهم في خلق جو من التشكيك بالحكومة وسياساتها. وكانت صوت الشعب حينها قد غطّت الاجتماع (كانون الثاني 1944) بهذا الوصف: “جلس كل من العمّال وأرباب العمل، الفلاحين وملاكي الأراضي جنباً إلى جنب.” نحتار حينها إن كان كلام الحلو خفف من شكوك العمال والفلاحين بشأن الحكومة، أو أنه زاد شكوكهم حول القيادة الستالينية التي تقف خلف أرباب العمل وملاكي الأراضي وحكومتهم؟

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *