علي درويش، العضو الناشط في جمعية “الخط الأخضر”، يتحدث إلى المنشور عن الإهمال والتأخير المتماديين للحكومة في إزالة التسرب النفطي الملوث لشواطئنا. 

“يوماً بعد يوم يتحول التاخير الحكومي في مواجهة ومعالجة الكارثة النفطية، التي تسبب بها الاعتداء الإسرائيلي على محطة الجية لتوليد الطاقة الكهربائية، تورطاً وشراكة في هذه الجريمة المتعمدة البشعة”.

علي درويش، العضو الناشط في جمعية “الخط الأخضر”، يتحدث إلى المنشور عن الإهمال والتأخير المتماديين للحكومة في إزالة التسرب النفطي الملوث لشواطئنا. 

“يوماً بعد يوم يتحول التاخير الحكومي في مواجهة ومعالجة الكارثة النفطية، التي تسبب بها الاعتداء الإسرائيلي على محطة الجية لتوليد الطاقة الكهربائية، تورطاً وشراكة في هذه الجريمة المتعمدة البشعة”.

تغطي البقعة 70% من الشاطئ اللبناني شمال محطة الجية، وتمتد من 40 إلى 50 كيلومتر داخل الشواطئ السورية. كميات ضخمة من النفط تطفو على المياه في شرقي البحر المتوسط وتتجه شمالاً. وقريباً سوف تتبدل التيارات لتؤدي إلى انتشار البقع على الساحل الجنوبي.

هذا النوع من التسربات يؤثر على جميع مستويات الثروة الطبيعية البحرية وصولاً إلى المجهرية منها. لكن درجة تضرر هذه الثروة ما تزال مجهولة. نحن ربما محظوظون لأننا لسنا في فترة الهجرة الحيوانية، وعلى مستوى الحياة البحرية قد لا يكون الضرر مباشراً نتيجة لابتعاد معظم الكائنات التي تستطيع عن مناطق التلوث، ولكن من المؤكد أن الأضرار المستقبلية على الثروة البحرية لن تكون قليلة إذا نظرنا إلى تجارب عالمية في هذا المجال.

لا نعرف مثلاً مدى تأثير هذه الكارثة على السلاحف البحرية، وما مدى الضرر الذي يمكن أن يتسبب به تراكم المواد الكيميائية في خلايا الكائنات البحرية على المدى البعيد. يكمن الخطر في أن تراكم السموم في الحياة البحرية لا يمكن كشفه بالعين المجردة. فسيصطاد الصيادون ما يشبه الأسماك الصحيحة، ولكننا لا يمكن أن نكون متأكدين من سلامتها من دون الفحوصات اللازمة لمدى تلوث مياه البحر ومدى تأثيرها على الأسماك.

على الرغم من مرور أكثر من شهر على وقف الأعمال العدائية لم تبدأ عملية تنظيف شاملة بل ما زلنا في نشاط صغير هنا وهناك تقوم به إحدى الجمعيات الأهلية. تواجهنا الكثير من الصعوبات والمعوقات. ولم تجر بعد أي حملة لرفع هذه المواد. لم تفرج الدولة عن بطاقة مواصفات هذا النفط ونتائج التحاليل التي أجرتها على عينات منه، ولذلك ما زلنا نجهل ماهية المواد الكيميائية المكونة له. ما تزال المعدات قابعة في المستودعات، والعشرات من الخبراء والمتطوعين ينتظرون البدء بالعمل. وفي نفس الوقت نلاقي جميع التعقيدات البيروقراطية، وعدم صرف الأموال اللازمة، وعجز الحكومة عن اتخاذ هذا القرار، أو تمنّعها عن ذلك لأسباب مجهولة.

في اليوم الثالث للتسرب كانت بعض البلديات والجهات الأخرى قد بادرت ببعض أعمال التنظيف. وبالرغم من نجاح قسم منها فهي توقفت، دون أي تفسير واضح. منعت عنا جميع الموارد التي تسمح لنا على الأقل المباشرة بخطتنا الواقعية التي تكفي فقط لإزالة نسبة صغيرة من التلوث. ليس هناك من أماكن لتخزين النفط الذي يجب إزالته ولا من شاحنات لنقله. ولا تنفك الحكومة عن استجداء المجتمع الدولي لتمويل عمليات إزالة التسرب بينما يجب المباشرة فوراً بها وثم إرسال لائحة بالتكاليف إلى “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية التي بذلت كل ما بوسعها من أجل منع وقف إطلاق النار والعدوان.

كل هذا التقصير لا يكفي، فلقد تم تأخير محاولات ومبادرات المتطوعين للمباشرة بهذه الورشة. إن فرق متطوعي “الخط الأخضر” قد أوقفت عن العمل بسبب عدم حيازة بعض الأوراق اللازمة، أي أوراق المعاملات البيروقراطية. أضف إلى ذلك الوضع الشاذ للشواطئ “المحتلة”؛ شواطئ استولت عليها شركات خاصة عبر مخالفات تمت تسويتها بأساليب غير قانونية أو تشريعات مخالفة للقانون. لقد سمعنا بأن جل ما فعله أصحاب هذه المصالح الخاصة كان عملية تجميلية لهذه الشواطئ وذلك عبر نقل الرمال والصخور الملوثة إلى شواطئ أخرى غير محتلة، أو عبر تغطيتها بالرمال النظيفة. فعملية خصخصة شاطئنا تحول أيضاً دون إنقاذه.

ومؤخراً، قام رئيس مجلس الوزراء، وفي سابقة نوعية، باستعمال صلاحيات أعطيت له في مجلس الوزراء لمواجهة العدوان، بقبول هبة من جمعية “بحر لبنان” لمعالجة كافة الشواطئ والمياه اللبنانية من التلوث دون تحديد قيمة هذه الهبة وحجمها ودون التأكد من قدرة هذه الجمعية الحديثة النشأة والقليلة الخبرة على إدارة عملية بهذا الحجم كمّاً ونوعاً. هذا وأظهرت بعض المعلومات المتوافرة أن الجمعية المذكورة لا تملك المال اللازم وأن وزارة البيئة الفرنسية التي ورد اسمها كممول لم ترصد أكثر من خمسة ملايين دولار أميركي وما زالت تحاول جمع الأموال من دول أخرى (تقدر التكاليف الكاملة بحوالي 150 مليون دولار). وكما أفادت مصادر في وزارة البيئة اللبنانية أن دور الجمعية لا يتضمن المعالجة أو الفيول الموجود على سطح المياه وهكذا فهي لم تقدم هبة شاملة كما تم تسويق الموضوع.

وهذه التصرفات التي تميّع عملية معالجة الكارثة الضخمة سواء من قبل الحكومة أو من الجمعية المذكورة سوف تؤثر بالتأكيد على أية مطالبات مستقبلية بالتعويض المقدر بمليار دولار أميركي عن الأضرار الحالية والمستقبلية المباشرة وغير المباشرة.

وعلى صعيد آخر، وبالرغم من وضع خطة أولية للتحليل والمراقبة العلمية، لم يبدأ تنفيذ هذه الخطة بشكل فاعل نظراً لعدم توفر الأموال وبعض الخبرات.

إن الحكومة عاجزة عن مواجهة هذه الكارثة الوطنية. هناك أكثر من ثلاثين ألف عائلة تعتاش من الموارد البحرية أصبحت الآن دون مورد رزق. لا يكفي أن نقدم لهم المساعدات الآن، ثم نتركهم من دون عمل في المستقبل. هذا التلكؤ عن مواجهة الحالة الطارئة سيترك إرثاً مميتاً لأجيال قادمة وعلى المسؤؤلين عنه الرحيل اليوم قبل الغد.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *