تتفاقم أزمة الانقسام الفلسطيني في ظل احتدام الصراع السياسي، الأمني، الطبقي، الإقليمي والدولي. ومع تفاقم الصراع وزيادة الانقسامات الداخلية، بدأت مرحلة تبلور المعسكرات والأقطاب السياسية والإيديولوجية. الانقسام الجغرافي الذي بدا واضحا في الآونة الأخيرة يقوم بوظيفة تشبه تلك التي قام على أساسها جدار الفصل العنصري.

تتفاقم أزمة الانقسام الفلسطيني في ظل احتدام الصراع السياسي، الأمني، الطبقي، الإقليمي والدولي. ومع تفاقم الصراع وزيادة الانقسامات الداخلية، بدأت مرحلة تبلور المعسكرات والأقطاب السياسية والإيديولوجية. الانقسام الجغرافي الذي بدا واضحا في الآونة الأخيرة يقوم بوظيفة تشبه تلك التي قام على أساسها جدار الفصل العنصري.

إن العزل والحصار الاقتصادي والسياسي والإنساني على غزة، وبمساعدة من السلطة الفلسطينية، يؤجج الانقسام الداخلي ويهدف إلى ضرب مشروع المقاومة وهو في كثير من جوانبه صراع على السلطة. هذا الانقسام نتاج تطوّر طبيعي ومرتقب. فإذا أخذنا بالاعتبار تطور الوقائع السياسية والاقتصادية في المنطقة، سنجد الأنظمة القائمة المستسلمة في مواجهة الهيمنة الإمبريالية، التي انضمت إليها السلطة الفلسطينية، تواجه ضغطاً سياسياً كبيراً نتيجة لتطور الصراع والنضال الشعبي وإعادة تبنّي مشروع مقاومة الأنظمة والقوى المهيمنة.

منذ انعقاد مؤتمر أوسلو تقوم السلطة الفلسطينية بالعمل على مشروع “بناء الدولة” بالشكل التقليدي القائم. وقد بدا واضحاً فشل ذلك المشروع، وما يحصل اليوم في فلسطين هو أكبر برهان على ذلك.

ويكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن انعقاد مؤتمر سلام شامل، أو ما شابه، لحل “الأزمة الفلسطينية” والصراع مع سوريا وإيجاد “حلّ” “لأزمة” حزب الله، تمهيداً للسيطرة على الأوضاع في العراق وعزل إيران. ويأتي التحضير لهذا المؤتمر في محاولة لإعادة السيطرة المباشرة على المنطقة بعد أن تزعزعت سلطة القوى الامبريالية بعد غزو العراق وتصدي المقاومة للاحتلال الأميركي وهزيمة إسرائيل في الحرب على لبنان وتصاعد وتيرة المقاومة في فلسطين، وصعود ملحوظ لقوى المعارضة في المنطقة وبشكل خاص الإسلامية منها.

إلا أن مضمون هذا المؤتمر ليس واضحاً بعد، حيث يكثر الحديث عن حدود لدولة فلسطينية وعن مقايضة لأراض من حدود الـ1967 مع أراض في النقب بهدف ربط القدس بنهر الأردن، ما يقسم الضفة الغربية.

وقد بدأ التسويق لهذا الطرح من قبل قيادة فتح و”السلطة الوطنية الفلسطينية”. وعملت السلطة بقيادة محمود عباس على إنشاء لجان عمل لوضع مسودة لمشروع سلام مشترك ليطرحها على المشاركين في المؤتمر.

ساهمت هذه اللجان في العمل من أجل التمهيد الشعبي لتسوية بين السلطة وإسرائيل، وأدّى عملها إلى الإفراج عن بعض المعتقلين التي قاربت مدة حكمهم على الانتهاء، وهم من حركة فتح، وإلى “صرف” بعض المستحقات المالية، على أن تكون الاستفادة منها للضفة الغربية ولمناصري فتح في غزة.

إن تلهف حركة فتح وأبو مازن لمؤتمر السلام يأتي في إطار الصراع على السلطة الفلسطينية، وخاصة بعد الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، وبعد أحداث غزة والكشف عن الكثير من ممارسات السلطة، وفضح بعض الوقائع الأمنية وقضايا الفساد.

ويحاول أبو مازن عقد صفقة مع الإسرائيليين والأميركيين والعرب تؤكد دعمهم له ولفتح من خلال تقديم دولة مشرذمة خالية من أي منطق سياسي أو جغرافي، وتأمين دعم مالي واقتصادي لن يطال إلا شريحة بات يعرفها الشعب الفلسطيني، وذلك في محاولة لاستيعاب النقمة السائدة في الشارع. هذا بالإضافة إلى تأكيد الدعم الأمني الذي يضمن له البقاء في السلطة في مواجهة قوى المعارضة. إن الانخراط في مؤتمر لن تعبّر نتائجه عن رغبة الشعب، أدّى بأبي مازن إلى الدخول في هكذا تسوية منفرداً.

مؤخراً، بدأت بعض الأصوات في اليسار الفلسطيني بالصعود، لكنها تفتقر إلى الوضوح في مواقف من قضايا أساسية ومهمة. فقد كان موقف اليسار متردداً جداً من الأحداث الأخيرة. وكان لا بد من تأييد واضح ونقدي لما قامت به وتقوم به حماس على الساحة الفلسطينية، وكان من المفروض أن يكون الموقف داعماً للعملية العسكرية التي قامت بها حماس للقضاء على نفوذ الدحلان الذي تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى إعادة دوره القيادي على الساحة الفلسطينية، الأمر الذي يلقى رفضاً كبيراً من قبل محمود عباس الذي كان قد استعمل الدحلان ككبش فداء كي لا يتحمل أي نوع من المسؤولية عن المشروع الذي كان يحضّر له في غزة، والذي ينفّذه الآن في الضفة الغربية، أي مشروع تحويل الثورة الفلسطينية إلى دولة تابعة تحكمها بورجوازية طفيلية، ممثلة بفتح، متفاهمة مع قوى الرأسمالية المهيمنة.

إن التردد في اتخاذ موقف واضح وصارم، وهو ما تتطلبه هذه المرحلة، إنما يعيد إنتاج تجارب مر بها اليسار في مواجهة فتح، والتي المفترض أنه قد تعلّم منها. عليه أن يعيد دراسة موقفه من دولة فلسطينية تقوم على حدود حرب الـ1967 والتي برهنت في السنوات العشر الأخيرة فشل إمكانيتها، وذلك لعدم تمكن أي دولة بمواصفاتها من أن تكون دولة وطنية تحفظ وتصون حقوق الشعب.

يبقى مشروع الدولة العلمانية الفلسطينية الموحدة الخيار الوحيد الذي يؤمّن الحل العادل للشعب الفلسطيني ويضمن من خلاله حق العودة وحق تقرير المصير. لكن البدء بقيام هكذا مشروع يتطلب من اليسار أن ينسجم مع دوره في النضال من أجل الطبقة العاملة والقواعد الشعبية وإعادة بناء مشروع المقاومة وإحياء مبادئ الثورة، بعد أن نكون قد تعلّمنا من المرحلة الماضية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *