لم تكن بعض الثواني القليلة التي خصصتها بعض وسائل الإعلام كافية لأن تعكس حقيقة “اعتصام شارل حلو”، وذلك عملا بالقاعدة المتعارف عليها اليوم في لبنان والتي تقضي بجعل وسائل الإعلام مجرد متحدث رسمي لفئة معينة من أصحاب المناصب والفخامة والسعادة…

لتلك الوسائل، قد لا تبدو مهمة المشاكل والصعوبات التي يعاني منها عمال “شارل حلو” الذين لا يعبّرون فقط عن مطالبهم الخاصة، بل عن الحالة العامة لعمال لبنان حيث لا توجد حقوق ولا ضمانات ولا ظروف ملائمة للعمل. وبالتأكيد، لا يوجد مدخول يتناسب مع ارتفاع الأسعار أو إنتاجية العامل.

لم تكن بعض الثواني القليلة التي خصصتها بعض وسائل الإعلام كافية لأن تعكس حقيقة “اعتصام شارل حلو”، وذلك عملا بالقاعدة المتعارف عليها اليوم في لبنان والتي تقضي بجعل وسائل الإعلام مجرد متحدث رسمي لفئة معينة من أصحاب المناصب والفخامة والسعادة…

لتلك الوسائل، قد لا تبدو مهمة المشاكل والصعوبات التي يعاني منها عمال “شارل حلو” الذين لا يعبّرون فقط عن مطالبهم الخاصة، بل عن الحالة العامة لعمال لبنان حيث لا توجد حقوق ولا ضمانات ولا ظروف ملائمة للعمل. وبالتأكيد، لا يوجد مدخول يتناسب مع ارتفاع الأسعار أو إنتاجية العامل.

من هنا كان لا بد من زيارة ميدانية لمحطة شارل حلو والاستقصاء عن الخلفيات والأسباب التي دفعت عمال محطة شارل حلو إلى الاعتصام.

الاعتصام

عندما وصلنا إلى المحطة اصطدمنا باتجاه سائد لدى العمال نحو التعتيم على الموضوع، وعدم الإدلاء بأية معلومات. وبعد محاولات عديدة، اتضح أن عمال شركة انطلاق بيروت للبولمان وشركة انطلاق بيروت للسيارات كانوا قد نفّذوا اعتصاماً سلمياً في السادس والعشرين من آب 2007 مطالبين فيه الشركة الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بمعاشهم المستحق منذ ثلاثة أشهر وبالتعويضات المناسبة، وذلك بعد صدور قرار من وزارة النقل يقضي بإغلاق الشركتين في حال لم تدفعا المستحقات المتوجّبة عليها.

وفي حين قامت شركة انطلاق بيروت بتسديد مستحقاتها، لم تقم الشركة الأخرى بتسديد مستحقاتها فنشأ نزاع بينها وبين الدولة وكان 40 عاملاً، أي 40 أسرة، ضحية لهذا النزاع الذي لم يتسببوا به لا من قريب ولا من بعيد، ليبقى مصيرهم معلقاً في الهواء.

يقول أحد السائقين: “نحنا شو خصنا؟ هيدا إلو ديون ع هيدا… يصطفلو هني ببعض… المهم إنو حقوقنا ما تتاكل”.

المشكلة بين الدولة والشركة

تدين شركة انطلاق بيروت للسيارات بمستحقات للدولة. الغريب في الأمر أن هذه المستحقات تعود إلى أكثر من تسع سنوات لم تقم الدولة خلالها بالمطالبة بأي منها، بل إن المطالبة جاءت بشكل مفاجئ وقد تبعها إغلاق فوري للشركة دون التوقف والتفكير بمصير العمال.

السؤال هنا هو لماذا لم تطالب الدولة بتلك المستحقات من قبل خاصة أن عمال الشركة يتحدثون عن فساد إداري في تلك الشركة؟ وهل يتوجب على العمال أن يتحملوا ضريبة إهمال الدولة وتقاعسها عن الفساد في بعض الشركات حسب المناخ السياسي ومزاج الوزارات التي – وبالصدفة طبعاً – تتغاضى عن ديون الشركة قبل خروج الجيش السوري من لبنان ثم يعود ليصحو ضميرها فجأة فلا تجد فساداً يمكن إصلاحه إلا من خلال ضرب عمال لا تتجاوز أجورهم الحد الأدنى؟ وذلك طبعاً، بعد خروج الجيش السوري.

من جهة أخرى، فإن الشركة لم تقصّر بواجباتها من ناحية استغلال العمال، فهي لم تصرف أجورهم منذ ثلاثة أشهر وطلبت من الموظفين التوقيع على عقد يقضي بصرف مبلغ وقدره 600 ألف ليرة (معاش شهرين) مقابل تخلي العمال عن باقي مطالبهم. الأمر الذي دفع بعضهم إلى رفع دعوى قضائية ضد الشركة.

وكانت الشركة تتحجج بصدور قرار عن محافظ بيروت يقضي بإغلاقها بسبب تراكم الديون المستحقة للسكك الحديد، من أجل التهرب من دفع أجور السائقين البالغ عددهم 40 سائقاً يعملون بالحد الأدنى (300 ألف ليرة) وفي ظل غياب أية ضمانات.

أبو محمد، أحد السائقين، قال للمنشور أن “الشركة القديمة أكلت حقوقنا”، يقول ذلك بحسرة ويكشف عن كتفه الذي أصيب في حادث عمل مرتين متتاليتين ويردف: “بس مين سألان؟”

مصير العمال

لُزّمت المحطة إلى شركة جديدة تدعى “سعد”، إلا أنها لم تبدأ العمل رسميا بعد، وقد اتجه عدد من العمال في الشركة القديمة للالتحاق بالشركة الجديدة خوفاً من البقاء بلا عمل، إلا أن الشركة لم تقم بتوظيف أكثر من عاملين اثنين من الشركة القديمة حتى الآن. وفي هذا الإطار، يضيف أبو محمد الذي استطاع أن يتدبّر أموره وأن يتوظف في الشركة الجديدة، على عكس الكثيرين من زملائه الذين أصبحوا عاطلين عن العمل: “بآلنا 3 أشهر عم نشتغل من دون معاشات. الدولة رميت الموظفين ومنها سألانة عن شي”.

وفي اتصال أجراه “المنشور” مع أبو محمد لمتابعة قضية العمال، اتضح أنه ترك الشركة الجديدة التي تريد إجبار السائقين على دفع أجر خمسة ركاب في حين أنه في الكثير من الأحيان لا يقوم السائق بنقل أكثر من راكبين اثنين. أي أن الشركة تريد الاستفادة من الحد الأقصى من الربح الذي تنتجه النقلة في السيارة إلى سوريا حتى في ظل عدم تواجد ركاب!!

وعلى حد تعبير أبو محمد فإن الأمور في الشركة الجديدة هي عبارة عن “تخبيص بتخبيص، هيك بدّو المحافظ والقصة وسايط بوسايط”.

إن ما يلزم هؤلاء العمال هو جهة تعبر عن مشاكلهم ووقفة تضامنية لأن معاناتهم تلتقي بمعاناة جميع العمال، وهم بحاجة أيضا إلى من يسمع، فهل هناك من يسمع؟

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *