أبدأ بقول كلمة لمن بلغ به اليأس مبلغاً، وعليه أن يسمعها وهو يعترف من صفوف المتفرجين بأن العرب ليس بمقدورهم تخليص أنفسهم من الغمّة الجاثمة على صدورهم، ويحاول في ذات الوقت إيجاد الأعذار ليتجاوز بها واجبه الوطني بقول أنه “ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن” أو أن الحاكم المستبد وذريته وعشيرته “عذاب الله وقضائه وقدره”.

أبدأ بقول كلمة لمن بلغ به اليأس مبلغاً، وعليه أن يسمعها وهو يعترف من صفوف المتفرجين بأن العرب ليس بمقدورهم تخليص أنفسهم من الغمّة الجاثمة على صدورهم، ويحاول في ذات الوقت إيجاد الأعذار ليتجاوز بها واجبه الوطني بقول أنه “ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن” أو أن الحاكم المستبد وذريته وعشيرته “عذاب الله وقضائه وقدره”. وهؤلاء يمنّون أنفسهم بأن يرث أحد المشايخ أو الأمراء أو ابن المستبد تركة أبيه، ويرون فيهم الضوء الساطع في نهاية نفق المظلم ليبدأوا بهم عهداً جديداً يمثّل اليُمن والرخاء، مقتنعين أن الطاغية عبر تاريخ حكمه الدموي يمثل الطبيعة الحيوانية التي أشار إليها توماس هوبس (1588-1679) وفي نفس الوقت يطمحون في أن يكون أحد المذكورين أعلاه قد تشبعوا، بحكم تواجدهم المستمر خارج مملكة المستبد، وتطبعوا بأخلاق البشرية الفاضلة التي تكلّم عنها الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط (1724-1804)، متجاهلين القول الشائع في طول البلاد وعرضها “أن الطبع يغلب التطبع”. وإذا كان الحُكام قد مثّلوا الماضي التعيس لهذا الوطن العربي المغبون، فلن يكونوا هم المستقبل إلا على أجساد الكثير من أبناء الوطن الذين يرون في حكامهم لعنة يجب التكفير عليها عاجلاً أم آجلاً. أو يدخلوا إحدى المعارضات الأصولية الإسلامية لأنهم يرون فيها الحل لواقعهم المزري، أو بعملية انقلاب على الحكم. والحقيقة أن الوطن العربي يعيش حالة مزرية جداً من التناقض والتخلف وتهميش القيم الإنسانية بشكل يشبه حالة أوروبا في العصور الوسطى، سيطرة الإقطاع والكنيسة والسلطة الدينية المتمثلة بـ”الإسلام السياسي” والرجعية.

يقول الفيلسوف الانجليزي توماس هوبس أن الإنسان يعيش تحت طائل قوانين وأعراف قد لا يرضى بها ولكنه يلتزم باحترامها واتّباع تطبيقاتها رغماً عنه، لأنه يواجه معترك حياته، في رهبة من سلطة الحاكم الذي سنّ هذه القوانين أو أمر بتطبيقها. فالخوف الذي يسببه القهر والعنف في عالم هوبس، هو المحرك للتاريخ الإنساني، وهو بالضبط ما كان قد أشار إليه ابن خلدون في تحليله التاريخي لبناء الدول والمماليك وأساليب الحكم السائدة في عصره. في هكذا عالم يحكمه منطق وقانون الغاب، يعيش المواطن في صراع محسوم في غير صالحه، مع الجماعة ومع الحاكم في ظلال الرهبة والرعب، وتعيش الدولة أو الأمة في محيطها إمّا قاهرة أو مقهورة. هكذا رأى توماس هوبس عالم الإنسان الطبيعي، كله بؤس وفوضى، وليل سرمدي، وحروب مستمرة في كل أرجاء المعمورة، ومن خلال هذه النظرة المتشائمة استنتج توماس هوبس أن هذا العالم يحتاج إلى سلطة مطلقة تملك كل أساليب القوة وتستعملها وقتما شاءت لترويض هذه النزعة الشريرة في إنسان هذا العالم المزري كما يتصوره.

كما خرجت الكثير من البحوث الفكرية والنظريات المثالية تدور حول التشريعات الدولة وبناء النظام. وحين تجاوزت البحوث الفكرية الحديث عن ضرورة قيام الدولة الوطنية التي تنظم العلاقة بين الفرد والجماعة، انبثقت أفكار فلسفية واجتماعية واقتصادية وسياسية تتصدى لدراسة السلطة الشرعية في هذه الدولة ومصادر هذه السلطة واستعمالاتها، والقيادة التي تتحمل إدارة هذه السلطة وتطبيقها. برزت أبحاث ألألماني ماكس فيبر (1864-1920) فيلسوف علم الاجتماع، في مجالات السلطة الشرعية وأنواعها وعلاقتها بمصادرها، كأساس لفهم الرؤية الغربية لواقع السلطة وممارستها.

حاول ماكس فيبر أن يجيب على سؤال طرحه بهذا الشكل “لماذا يحترم الإنسان السلطة ويلتزم بقوانينها؟” معتقدا في قرارة نفسه أن إخضاع الإنسان لسلطة القوة والقهر المحض غير مجدية، بل يجب البحث عن سُبُلٍ يرضى بها هذا الإنسان، من أجل مصلحة الجميع، حُكْاماً ومحكومين. ومن منطلقه هذا حاول فيبر تحليل السلطة الشرعية التي تُلْزِم الإنسان اتباع إرشاداتها بمحض اختياره، والتي يعتقد في قدرتها على الحفاظ على النظام والسلام الاجتماعي، دون الركون إلى استعمال القوة والعنف وسيلة لتحقيق هذا الغرض. ولا بد من التأكيد هنا على أن شرعية السلطة كما كان يفهمها فيبر، تعني غياب الأسباب الموجبة لمن يعارضها وينوي تغييرها باستعمال القوة.

لقد قسّم ماكس فيبر السلطة الشرعية إلى ثلاثة أنواع، بناءً على مصادرها: وهي السلطة التقليدية، والسلطة القانونية، وسلطة الشخصية الفاتنة(الكارزمية). فالسلطة التقليدية، كما عرّفها، تعتمد على الاعتقاد الراسخ بين أفراد المجتمع “في الأمس الأبدي” وفي تقديس العادات واعتمادها كمسلمات، وهي مرحلة تعيشها المجتمعات المتخلفة، أو ما يسمى بمجتمعات قبل الحداثة. من سمات هذه السلطة المتعددة، انتقالها وراثيا أو إيعازها إلى سلطة فوق كل سلطة دنيوية، مثل الحكم باسم الله، أو نيابة عن الإمام الغائب كما في المذهب الشيعي، أو ممارسة السلطة في المجتمع القبلي حيث يملك شيخ القبيلة سلطة لا مجال لمعارضتها.

أمّا السلطة القانونية، فهي سلطة عقلانية مجرّدة لا تعتمد على شخصنة العلاقة في تطبيقها، بل تستمد شرعيتها من أنظمة مقننة ومفصلة ومكتوبة وفي متناول كل من أراد فهمها أو التمعن فيها، والدستور الأمريكي خير مثال على مصادر السلطة القانونية–العقلانية التي تحدث عنها فيبر.

السلطة الشرعية للشخصية السحرية (كاريزما) تعتمد في ممارسة سلطاتها على اعتقاد الأتباع أن شخص القائد يجسد صفات غير عادية تؤهله أن يكون من الواجب اتّباعه وإطاعة أوامره. وقد يكون هذا الشخص يملك بالفعل أو لا يملك هذه الصفات ولكن الأهم من ذلك هو أن يسلّم له الأتباع بحقه للانصياع لأوامره بناء على إيمانهم الراسخ أنه يملك ما يرونه أو يتصورون فيه من صفات. من هذه الشخصيات من يملك هبة إلهية مثل السيد المسيح أو النبي محمد، فيصبحون مثلاً وقدوة لمن آمن بهم.

من الصعب تصور وجود أي نوع من هذه ألأنواع لتأثير السلطة النافذة، بمعزل عن الأنواع الأخرى في أي مجتمع من المجتمعات، بل هي مزيج من هذا وذاك. كما في الإمكان أن تتحول السلطة والنفوذ من نوع إلى النوع الآخر في الظروف التاريخية المؤاتية لهذا التحول، كأن تنتقل السلطة التي مصدرها شخصية القائد الفذ إلى سلطة قانونية مدونة في دستور، أو تنقلب إلى سلطة تقليدية همّها إيجاد السبل لاستمرارها وانتقالها وراثيا في أسرته.

وماذا عمّا يحدث الآن في وطننا العربي، وهو بيت القصيد، فالحقيقة التي لا يجادل فيها اثنان، هو أن “الوطن العربي الممتد من البحر إلى النهر” يحكمه حُكامٌ مستبدون وعشائرهم بشعارات جوفاء لا توجد في قاموس البشرية منذ بدء الخليقة، وتحت تسميات ما أنزل الله بها من سلطان.

ومن إحدى المفارقات المثيرة للاستغراب التي يلحظها المراقب لدى متابعة الثقافة السياسية المعمولة بها الآن لدى نخب ومنابر أنظمة الاستبداد الشمولية، هي أن من صادر حريات الشعوب عقودا يطل على الناس محرراً، وأن القاتل يمشي في جنازة الضحية، وأن من جلب القوات العسكرية الأجنبية وتعاون معها في الأمور الصغيرة والكبيرة وخاض معها الجهاد الأكبر ضد الكفار الملحدين يزعم مقاومة الاحتلال، وأن من يثير الفتنة المذهبية بين الطوائف ويستغل الطائفة من أجل العائلة والحزب لمصلحة الفرد والدين من أجل النفوذ المالي والسلطة والتحكم والجاه لفئة مستغِلة صغيرة يدّعي ولاية القدر ووكالة الله على الأرض، وأن من يقوم بخدمة المستبد ويتحرك حسب مصالح الظالمين في اغتيال المخالفين وإشعال الحروب المدمرة ليتحول وسيطا مالياً محتكرا في إعمار ما هدّمه سابقاً أو ليعزز الموقع التفاوضي تجاه “العدوين الأكبر والأصغر” يدعي النصر المبين من أجل التحرير، وأن من يضطهد الشعوب والقوميات المستضعفة ويقوم بضربها وقمعها يتشدق بشعار حق تقرير مصير الشعوب، وأن من يعلن ليل نهار البحث عن الحق والعدل ينتهك الدستور ويطعن بكل القوانين ويرفض المحاكم الوطنية والدولية للكشف عن القتلة المجرمين، وأن من يحافظ على التوازن العسكري المختل لصالح إسرائيل ويصون أمنها منذ أن قامت ويفتت قوى النضال الفلسطيني ومؤسساتها الشرعية ويزرع الفتن بين أطيافه السياسية حتى لا تتحقق شروط المقاومة والتحرير يتبجح بشعارات رنانة براقة حول قضية فلسطين، وأن من هدّم أسس التعايش بين مكونات وفئات الشعب الواحد وأثار وأجج الفرقة والانقسام بمصادرة الحقوق وتطبيق التمييز بسبب القومية والعنصرية يخرج علينا دون أن يرف له جفن بمعزوفة “الممانعة”.

هذا هو مفهوم الحلف الاستبدادي-الأصولي-الإرهابي في المنطقة لشكل ومضمون “الممانعة”، وهي مثل مفهومه وموقفه تجاه أية مسألة أخرى من الدستور والقوانين إلى نظام وأسلوب الحكم والطريق الاقتصادي ودور الحاكم الفرد. وقد دأبت أنظمة الاستبداد خلال تسلطها على المتاجرة بمسميات وهياكل فارغة وتضليل الشعوب زاعمة وجود أطر مثل الجبهات والتحالفات والبرلمانات والمجالس الرافضة للهيمنة على أنها تعبيرات عن “الممانعة”. وهذا التضليل بعينه ما تقوم به جماعات الإسلام السياسي المتعاونة مع نظم الاستبداد في مجال تنظيماتها باسم الشورى والإجماع والمقاومة و”الإسلام هو الحل” وطرد المحتل وتحرير الأرض لتصل بالنهاية إلى بيت القصيد؛ “الممانعة” بما هي انقسام واحتراب وتكفير حسب مفهومها.

ولقد ظهر في الآونة الأخيرة على ساحات الصحف العربية بعض النظريات والمنظرين الذين يدافعون عن النظام العربي الرسمي باستماتة ويدعون إلى التمسك بهذا الواقع البائس وتكريسه إلى ما شاء الله بحجج واهية وساقطة منطقيا وتاريخيا، من ضمنها أن البديل هو عدم الاستقرار والاضطرابات.

هم يريدون للشعوب العربية أن تقايض حريتها وإنمائها ونهضتها الشاملة بشبكة من الأنظمة اللصوصية المتعفنة والمجرمة التي تعطينا الاستقرار بالنار والحديد وهو بحد ذاته شرطا لاستقرار هذه الأنظمة وإلا لما حلمت به الشعوب أصلا.

يريدون من الشعوب العربية أن تقايض حريتها بالقمع والسجون والزنازين والهروات والنفي وقوانين الطوارئ والمحاكم الخاصة.

يطلبون منا أن نقايض العيش الكريم بالإفقار والتجويع وقطع الأرزاق والتضييق والملاحقة لكل من يرفع رأسه ويعمل عقله.

الأنظمة العربية بنت مزارع لها ولأزلامها وأدواتها ولم تبني دولا وحولت الشعوب إلى قطعان من العبيد يلهثون على أبواب قصورهم ومستوطناتهم لتامين كفاف العيش ويطلبون منا أن نقايض الدولة بالمزرعة، وأن نموت قهراً وكبتاً وجوعاً.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *