من غير الممكن أن ننظر إلى فتح الإسلام كظاهرة منفصلة عن تاريخ الحركات الإسلامية الراديكالية في المنطقة ولا يمكن تحليل تلك الظاهرة بمنأى عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي للمناطق التي تتواجد وتنمو فيها تلك الحركات.

من غير الممكن أن ننظر إلى فتح الإسلام كظاهرة منفصلة عن تاريخ الحركات الإسلامية الراديكالية في المنطقة ولا يمكن تحليل تلك الظاهرة بمنأى عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي للمناطق التي تتواجد وتنمو فيها تلك الحركات.

من المغرب العربي إلى مصر والأردن والعراق والسعودية وصولاً إلى لبنان، نجد المجموعات الراديكالية الإسلامية تنمو داخل أحزمة البؤس حيث تجد لها أرضاً خصبة للتمركز والتجنيد مستفيدة من وجود حقد طبقي عارم بسبب سياسات التهميش المتبعة من قبل معظم هذه الدول تجاه الضواحي والمناطق الريفية. فتمركز الرأسمال في كل الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية يفرض حصر التنمية والخدمات في جزء صغير من المناطق حيث المرافق السياحية والتجارية.

إلى جانب الحقد الطبقي تستغل الحركات الإسلامية كره شعوب العالم الثالث، وخصوصاً شعوب الشرق الأوسط، للولايات المتحدة الأميركية وللدول الأوروبية بسبب السياسيات الامبريالية التي تتبعها تلك الدول في سعيها إلى نهب مقدرات العالم الثالث وبسبب انحيازها الواضح لجانب إسرائيل، فيتحول الصراع من حرب ضد الامبريالية إلى حرب بين الإسلام في الشرق والمسيحية في الغرب.

الحالة الاقتصادية الاجتماعية في شمال لبنان عموماً مشابهة إلى حد كبير لتلك الموجودة في المناطق التي ظهرت فيها منظمات إرهابية مشابهة لفتح الإسلام في العالم العربي والإسلامي. فمناطق عكار والمنية وحتى الكثير من أحياء طرابلس تعتبر من أكثر المناطق تهميشاً وفقراً. من هذه المناطق بالذات يأتي القسم الأكبر من مقاتلي فتح الإسلام.

لم نورد الحقائق السابقة بهدف تبرير الإرهاب الممارس من قبل فتح الإسلام. فنحن نعتبر أن الإرهاب الأعمى لا يخدم بأي شكل من الأشكال مصلحة الفقراء ولا هو سبيل لتحسين أوضاعهم. وما هو أخطر من العنف، إنما يكمن في البعد المذهبي السلفي الذي يشكل الأساس الإيديولوجي الذي على أساسه تجند هذه المجموعات أتباعها، والذي يعتبر التهديد الأخطر لمصالح الفقراء إذ انه يقف عائقاً أمام توحيد جبهاتهم من أجل حياة أفضل.

لكن ما أوردناه من شأنه شرح الأسباب الموضوعية لانفجار الكبت العام في تلك المناطق عن طريق العنف، والتي تتحمل الدولة مسؤولية ترسيخها من خلال السياسات الاقتصادية الاجتماعية المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة منذ نشوء الجمهورية اللبنانية.

من ناحية أخرى، تتحمل الدولة مسؤولية مباشرة عن نشوء فتح الإسلام. فما يقال عن ضلوع النظام السوري في تسليح مثل تلك المجموعات بهدف الاستغلال السياسي صحيح، لكن لا يمكن لأحد أن يغض الطرف عن حقيقة أن الوزراء والمسؤولين الذين كانوا يتواطئون مع النظام السوري في تلك السياسات عادوا، بعد “انتهاء زمن الوصاية”، ليسيطروا على السلطة وقد اتبعوا نفس السياسات التي يشجبونها علناً على شاشات التلفزة.

شاشات التلفزة والمنابر أيضاً لعبت دوراً هاماً في تحضير الأجواء المناسبة لانتشار تلك المجموعات. فالتحريض المذهبي الذي استعمل من قبل كل الأطراف السياسية، وخاصة تيار المستقبل في الشمال، لاستنفار المناصرين في الحرب الضارية على السلطة ولمنع أي تغيير قد يحدث على صعيد الطبقة الحاكمة، كان لا بد أن يجد له متنفساً في مجموعات سلفية ترفع شعار حماية أهل السنة في لبنان.

رغم كل هذا التشعب في مشكلة فتح الإسلام، لم تجد السلطة سوى خيار القوة للتعامل مع الأزمة. فقد أعطي الضوء الأخضر للجيش اللبناني لاستخدام كل الأسلحة اللازمة للقضاء عسكرياً على فتح الإسلام حتى لو عنى هذا الإجراء مجزرة ما زالت ترتكب بحق أهل مخيم نهر البارد. ورغم اعتراف كل الأطراف السياسية بأن فتح الإسلام ليست منظمة فلسطينية، وإنها تتخذ أهالي المخيم كرهائن، لم تعتبر أحزاب السلطة هذا الواقع رادعاً لعنصريتها تجاه الفقراء، والفلسطينيون منهم بشكل خاص.

انتشرت الحواجز الأمنية لتوقف كل من تبدو عليه ملامح الفقر وتقتل من لا ينصاع لأوامر التوقف حتى وصل عدد الضحايا الذين سقطوا على الحواجز إلى الأربعة بعد أحداث نهر البارد. وقد انتشرت أخبار مفادها أن عناصر من ميليشيا تيار المستقبل مارست القنص ضد من كان يحاول الهروب من جحيم نيران مدفعية الجيش التي كانت تدك المخيم لساعات طويلة دون السماح للإسعافات والمؤن بالوصول إلى المحتجزين في المخيم.

هذا الأسلوب في التعاطي مع مجموعات مثل فتح الإسلام ليس بجديد، بل هو مرتبط بشكل كبير بالأسلوب الأميركي المتبع في العراق وأفغانستان حيث تدك كل منطقة أو قرية تتخذها المجموعات الإرهابية مقراً. وليس قدوم ضباط أجانب وكميات كبيرة من الأسلحة لتدريب وتجهيز الجيش اللبناني لخوض معركة فتح الإسلام إلا دليلا واضحاً على تقارب التكتيكين.

أما الفعل العنصري الأخطر، هو ما مارسته وسائل الإعلام كافة من رقابة ذاتية واصطفاف أعمى خلف السلطة والجيش حتى وصلت الوقاحة بهذه المحطات إلى التستر عن مجزرة ارتكبت حق المدنيين في نهر البارد وكانت المعلومات المغلوطة التي توردها عن الضحايا المدنيين أبعد ما يكون عن حقيقة المجزرة.

يتحمل اليسار اللبناني مسؤولية مضاعفة في موضوع فتح الإسلام. فتخلي اليسار عن نضاله ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتوحشة، وانكفاؤه عن مخاطبة سكان المناطق المعدومة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من جمهوره، وحصر نشاطه في دائرة المثقفين، أخلى الساحة أمام الفكر الديني الراديكالي للتمدد ولخرق صفوف العمال.

ومن ناحية أخرى نجد اليسار اليوم متخاذلاً أمام واجبه في محاربة العنصرية ووقف المجزرة الحاصلة في مخيم نهر البارد. فلم يصدر أي تصريح عن الحزب الشيوعي اللبناني يدين المجزرة. أما المجموعات اليسارية الأخرى فقد اتخذ بعضها موقف الدفاع عن الجيش وراوح البعض الآخر منازلهم.

ولم يتصرف المجتمع المدني بشكل أكثر مسؤولية، ما خلى بعض الجمعيات العالمية، بل رفض اتخاذ أي موقف سياسي مما يجري واكتفى بأعمال الإغاثة تاركاً بذلك من بقي في المخيم تحت رحمة عاصفة القذائف التي تجتاح منازله من كل ناحية.

يبدو أن الوضع اليوم متجه إلى تأزم أكبر مع إقرار المحكمة الدولية تحت البند السابع، فما يحصل من مجازر بحق السكان الآمنين، وما يجري من قتل مجاني على حواجز قوى الأمن، بتغطية سياسية واضحة من السلطة بهدف نشر الرعب ومنع أي إمكانية لحراك سياسي مناهض لسياسات الدولة، أصبح مشرعناً تحت أحكام البند السابع.

إننا اليوم على طريق تحول السلطة اللبنانية إلى سلطة أمنية بحجة الحرب على الإرهاب، لا تختلف بشيء عن سلطة حالة الطوارئ المتبعة في سوريا ومصر وغيرهما من الأنظمة العربية. وبمواجهة كل تلك التهديدات علينا كأحزاب ومجموعات يسارية وماركسية أن لا نتراجع أمام إرهاب الدولة. اليوم أكثر من أي وقت مضى، علينا مواجهة عنصرية الدولة ضد العمال والطبقات الكادحة، والوقوف بوجه التدويل والقمع، وتوحيد صفوف العمال بوجه التقسيم المقصود الذي ينشر التفرقة بين الفلسطينيين واللبنانيين لتشتيت عقولنا عن الهجمة الشرسة التي تستهدف مكتسباتنا من الضمان الاجتماعي إلى الأمان في العمل وحق التعبير والعمل السياسي.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *