أنا أعرف من حرّض إسرائيل على قتل أطفالكم، وتدمير بيوتكم، وحرق حقولكم وزرعها بالقنابل العنقودية. أعرف من الذي تآمر على مقاومتكم، ومن أصدر الأمر بقطع خطوط الإمداد عنها ومصادرة سلاحها خدمة للعدو. أنا أعرفهم جميعاً وفي يدي، من شهود وإثباتات، ما يدينهم ويؤدي إلى لف المشانق حول رقابهم كما تتمنون.

أنا أعرف من حرّض إسرائيل على قتل أطفالكم، وتدمير بيوتكم، وحرق حقولكم وزرعها بالقنابل العنقودية. أعرف من الذي تآمر على مقاومتكم، ومن أصدر الأمر بقطع خطوط الإمداد عنها ومصادرة سلاحها خدمة للعدو. أنا أعرفهم جميعاً وفي يدي، من شهود وإثباتات، ما يدينهم ويؤدي إلى لف المشانق حول رقابهم كما تتمنون.

أعرفهم ولن أكشف لكم ولا للقضاء عن هوياتهم، إلا إذا رفضوا إشراكنا في حكمكم. أما إذا شاء القدر واتفقنا مع حكامكم القتلة، سأضمن لهم الإفلات من الحساب. وإذا قررتم الاقتصاص منهم من خلال منحنا الأكثرية وإقصائهم عن الحياة السياسية، سأدوس على قراركم الديمقراطي وأعطيهم الثلث المعطِّل لكي تبقون محكومين من قبل مصاصي دمائكم إلى الأبد. وكبادرة حسن نية، سوف أطلق بينكم مجموعة أصولية إرهابية كانت تخطط لاغتيالي، رغم يقيني لما قد تفعله بكم من فظائع الأمور. عشتم ذليلين خانعين متعايشين.

هكذا كان سيبدو الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أمام المعتصمين في الساحتين في 8 كانون الأول 2005، إذا ما جرِّد سامِعُه عن تأثير الأسلوب الخطابي المميز ومن زخرفة المشاعر الفياضة من تسامح وغفران وإلى ما هنالك من مشاعر لا تبني أوطاناً ولا تقيم عدالة.

ويبقى أن نسأل من أعطى السيد حسن نصر الله حق توزيع صكوك الغفران ومفاتيح الجنان باسمنا لمن يشاء؟ أخطر ما في هذا الخطاب، إذا ما رفعنا عنه تهمة التستر على مجرمين، هو التكريس الواضح لمفهوم “عفى الله عن ما مضى”.

لقد اعتدنا هذا المفهوم في لبنان. بعد الحرب الأهلية وكل ما تخلل أعوامها الخمسة عشر من جرائم ضدّ الإنسانية، اجتمع الأمراء في الطائف، وطبعاً باسم الطوائف، وقرروا طي الصفحة الملطّخة بالدماء، وغسلوا أكفهم لتبدو بيضاء، وعادوا إلى مناصبهم ببزاتهم السوداء وكأنهم من كلّ ذلك أبرياء.

صدر العفو العام وعاد مجرمو الحرب، صغاراً وكباراً، يتمخترون بيننا دون حسيب أو رقيب. والأنكى أنهم، وبأمر من أولياء نعمتهم، عادوا إلى حمل السلاح، ولكن هذه المرّة كضباط وعساكر في أجهزة الدولة الأمنية لحفظ أمن المواطنين وحمايتهم من المليشيات؟!

نتيجة كل هذا السيناريو واضحة. إذا لم يحاسب المسؤولون عن الحرب وجرائمها وبقوا طليقين، يتمتعون بحرية الحركة والعمل، فليس من المستبعد أن تندلع الحرب من جديد. كيف يكون الحال إذا كان هؤلاء ممسكين بمقاليد الحكم؟ يعطيكن العافية!

بكلمات أخرى، أكثر جدّية ربّما، خسر ضحايا الحرب حقّهم بمحاسبة المسؤولين عن مأساتهم على امتداد خمسة عشر عاماً، وما زال البعض، كأهالي المفقودين والمخطوفين، يعاني من آثار الجرائم المستمرّة لهذه الحرب، بعد أن قررت السلطات إقفال هذا الملف على حساب الحقيقة التي يطالبون بها الآن لبعض رجال السياسة.

هذه هي نتائج مفهوم “عفى الله عن ما مضى” الذي يريدنا السيد حسن نصر الله أن نطبقه على من حرّض إسرائيل، من خلال الولايات المتحدة، على ارتكاب مجازر حرب تموز التي راح ضحيتها أكثر من 1200 شهيداً، ومال زال العدد يزداد حتى اليوم بسبب القنابل العنقودية.

أمّا عن سبب نشوء وانتشار هذا المفهوم في التعاطي السياسي في لبنان، إلى جانب حقيقة أن أي طبقة حاكمة تحاول دوماً حماية أفرادها، فيعود إلى طبيعة النظام اللبناني الطائفية التي تسمح لرجال السياسة التمترس خلف الطوائف التي يدعون تمثيل مصالحها، والناي بأنفسهم عن أي محاسبة. واليوم، بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، هنالك معطيات تدفع بشدّة إلى توجّه الطبقة السياسية تبني هذا المفهوم مجدداً.

إن تلزيم المقاومة الوطنية إلى حزب الله، وهو الحزب الشيعي الصرف، هو أبرز مواضع ضعف هذه المقاومة، إذ يلعب تطبيع المقاومة مذهبياً، دوراً هامّاً في تشويه وجهها الشعبي، وبالتالي سلبها حقها في محاسبة خونتها، وتصوير صراعها مع إسرائيل كصراع إيراني إسرائيلي، والتحذير من أن سلاحها قد يستخدم للسيطرة السياسية في الداخل.

أما في ما خص من سقطوا من جراء القنص في الإشكالات الأخيرة بين المعارضة ومليشيات السلطة، فالمسار يبدو واضحاً، إذ أعلنت قيادة الجيش أن مطلقي النار محميون سياسياً غامزة إلى إمكانية إفلاتهم من المحاسبة.

هكذا نخسر، بعد كلّ معركة، حقنا في محاسبة الخونة، ونتحوّل عن استكمال النصر إلى الدفاع عن أنفسنا لردّ اتهامات لا معنى لها. وهكذا سيكون مصيرنا دائماً إذا رضينا أن يحكمنا ذات النظام الذي يغطي المجرمين ويُحكِم قبضة أصحاب المصالح الضيقة حول رقابنا.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *