اتُهمت روزا لوكسمبورغ بالمادية الميكانيكية، التي هي مفهوم للتطور التاريخي تكون فيه القوى الاقتصادية الموضوعية مستقلة عن إرادة الإنسان. هذا الاتهام لا أساس له على الإطلاق. عمليا لم يعتبر أي من الماركسيين العظماء أن النشاط الإنساني هو المحدد لمصير الإنسان. لوكسمبورغ كتبت:

اتُهمت روزا لوكسمبورغ بالمادية الميكانيكية، التي هي مفهوم للتطور التاريخي تكون فيه القوى الاقتصادية الموضوعية مستقلة عن إرادة الإنسان. هذا الاتهام لا أساس له على الإطلاق. عمليا لم يعتبر أي من الماركسيين العظماء أن النشاط الإنساني هو المحدد لمصير الإنسان. لوكسمبورغ كتبت:

“الرجال لا يصنعون التاريخ بإرادتهم المحضة، لكنهم يصنعون تاريخهم الخاص. البروليتاريا تعتمد في عملها على درجة معينة من النضج في التطور الاجتماعي القائم في وقت محدد، ولكن التطور الاجتماعي لا يحصل بشكل مستقل وبعيدا عن البروليتاريا، والأخيرة بقدر ما هي مسببته ومحركته هي أيضا من منتجاته ونتائجه. عمل البروليتاريا هو العامل الحاسم في التاريخ، وعلى الرغم من أننا لا يمكن القفز فوق مراحل التطور التاريخي أكثر من رجل يقفز فوق ظله، يمكننا تسريع أو تأخير هذا التطور. إن انتصار البروليتاريا الاشتراكية سيكون نتيجة للقوانين التاريخية الصلبة، وسيعتمد ذلك على آلاف الخطوات السابقة، الشاقة والبطيئة جدا. ومع ذلك، لن نحقق ذلك ما لم تجمع السيرورة التاريخية الناضجة الظروف المادية إلى جانب الشرارة المتقدة لقوة وعي الجماهير الشعبية”. (1)

متبعة خط التفكير الذي وضعه ماركس وانجلز، آمنت روزا لوكسمورغ أن الوعي هو من أهداف الاشتراكية لجانب عدد كبير من الجماهير العمالية هو شرط ضروري لتحقيق الاشتراكية. وينص البيان الشيوعي على:

“فحتى الآن كانت الحركات كلها إمّا حركات أقليات، وإما لمصلحة الأقليات. والحركة البروليتارية، هي الحركة القائمة بذاتها، للأغلبية الساحقة، في سبيل الأغلبية الساحقة. والبروليتاريا، الفئة الدنيا في المجتمع الراهن، لا يمكنها أن تنهض وتنتصب، بدون أن تنسف البنية الفوقية كلها للفئات التي تؤلف المجتمع الرسمي”.

مرة أخرى كتب انجلز:

“لقد ولى زمن الهجمات المفاجئة، وزمن الثورات التي تقوم بها أقلية واعية ضئيلة تترأس الجماهير غير الواعية. وحيث يكون المقصود تحويل النظام الاجتماعي تحويلاً تاما، ينبغي على الجماهير بالذات أن تشترك في هذا، ينبغي عليها بالذات أن تدرك الهدف الذي يدور النضال من أجله، الهدف الذي تهرق دماءها وتضحي بحياتها من أجله.” (2)

روزا لوكسمبورغ كتبت في الإطار عينه: “من دون إرادة واعية ومن دون عمل واعٍ لأغلبية البروليتاريا فإن الاشتراكية لن تتحقق”. (3)

أيضا، ينص برنامج الحزب الشيوعي في ألمانيا (سبارتاكوس)، الذي صاغته روزا على ما يلي:

“1). عصبة سبارتاكوس ليست حزبا يرغب للوصول إلى السلطة سواء فوق الطبقة العاملة أو عبرها. عصبة سبارتاكوس هي مجرد جزء من الطبقة العاملة الأكثر اقتناعا بهدفها؛ هي جزء من كلٍ يوجه الحركة العمالية الواسعة لوظيفتها التاريخية في كل خطوة؛ وفي كل مرحلة من الثورة تمثل الهدف الاشتراكي النهائي وفي جميع المسائل الوطنية ومصالح الثورة البروليتارية العالمية.

2). عصبة سبارتاكوس لن تتولى أبدا السلطة الحكومية إلا من خلال إرادة واضحة ولا لبس فيها للأغلبية الساحقة للطبقة العاملة الألمانية؛ وليس بأي وسيلة سوى من خلال موافقة واعية مع وجهات نظر وأهداف والتكتيكات النضالية لعصبة سبارتاكوس.

الثورة البروليتارية يمكن تحقيقها فقط من خلال خطوات واضحة وناضجة على الطريق الصعب من المعاناة والتجربة المريرة، من خلال الهزائم والانتصارات.

انتصار عصبة سبارتاكوس ليس في بداية الثورة إنما عند نهايتها؛ وهذا يتطابق مع انتصار الملايين من البروليتاريا الاشتراكية”. (4)

في حين أن الطبقة العاملة كطبقة يجب أن تكون واعية لأهداف الاشتراكية وأساليب تحقيقها، فإنها لا تزال تحتاج إلى حزب ثوري لقيادتها. في كل مصنع وفي كل مرفأ وفي كل موقع بناء، هناك عمال أكثر تقدما- عمال أكثر خبرة في الصراع الطبقي، وأكثر استقلالا من تأثير الطبقة الرأسمالية- وهناك عمال أقل تقدما. الأمر متروك للأوائل أن يتنظموا في حزب ثوري، وأن يحاولوا التأثير وقيادة الأخيرين. وكما قالت روزا لوكسمبورغ: “تحتاج الحركة الجماهيرية للبروليتاريا إلى قيادة بواسطة قوة مبدئية منظمة”. (5)

الحزب الثوري، الواعي لدوره القيادي، يجب أن يحذر من الانزلاق إلى طريقة تفكير أن الحزب هو ينبوع كل الأفكار والأفعال الصحيحة، في حين يرى الطبقة العاملة ككتلة خاملة غير مبادرة.

“وبطبيعة الحال من خلال تحليل نظري للأوضاع الاجتماعية للصراع، أدخلت الاشتراكية الديمقراطية عنصر الوعي في الصراع الطبقي للبروليتاريا إلى درجة لم يسبق لها مثيل؛ وأعطت النضال الطبقي وضوح الهدف؛ وأنشأت، لأول مرة، منظمة دائمة للجماهير العمالية، وبالتالي العمود الفقري للنضال الطبقي. ومع ذلك، سيكون خطأ كارثيا لنا إذا افترضنا أنه من الآن وصاعدا كل مبادرة تاريخية للشعب ستمر تحت أيدي المنظمة الاشتراكية الديمقراطية وحدها، وأن الجماهير غير المنظمة للبروليتاريا ستبقى على ما هي عليه في سكون التاريخ. على العكس من ذلك، تستمر الجماهير الشعبية بأن تكون المادة الحية من تاريخ العالم، حتى في ظل وجود الاشتراكية الديمقراطية؛ وفقط بمرور الدورة الدموية بين النواة المنظمة والجماهير الشعبية، وفقط عندما ينبض الواحد يحيي الثاني، عندها يمكن للاشتراكية الديمقراطية أن تثبت أنها قادرة على أفعال تاريخية كبيرة”. (6)

الحزب، ونتيجة لذلك، لا ينبغي أن يخترع تكتيكات من الفراغ، ولكن أن يضع في صدارة واجباته أن يتعلم من تجربة الحركة الجماهيرية ومن ثم يعمم ذلك. وقد أظهرت الأحداث الكبرى في تاريخ الصراع الطبقي صحة هذا التشديد من دون أدنى شك. أقام عمال باريس عام 1871 شكلا جديدا للدولة- دولة بدون جيش ودون بيروقراطية، حيث يتلقى كل الموظفين متوسط أجر العامل وكان يمكن استرجاعه، قبل أن يبدأ ماركس باستقراء طبيعة وبنية الدولة العمالية. أيضا أقام عمال بتروغراد، عام 1905، سوفيتا (مجلسا عماليا) بشكل مستقل عن الحزب البلشفي، في الواقع بشكل معارض للقيادة البلشفية المحلية وفي مواجهة، على الأقل، الشك، إن لم يكن العداء، وفي جزء منه من جانب لينين نفسه. لذلك لا يمكن إلا أن يتوافق المرء مع روزا لوكسمبورغ عندما كتبت عام 1904:

“الخصائص الرئيسية لتكتيكات نضال الاشتراكية الديمقراطية لم يتم “اختراعها”، ولكنها هي نتيجة لسلسلة مستمرة من الأفعال الإبداعية الكبيرة للصراع الطبقي الأساسي. هنا أيضا اللاوعي يسبق الوعي، فمنطق السيرورة التاريخية الموضوعية يأتي قبل المنطق الذاتي لحامله”. (7)

ولا يتعلم العمال بواسطة قادة الحزب. وكما تصدت روزا لوكسمبورغ لكاوتسكي وصحبه: 

“يظنون أنهم لتعليم الجماهير البروليتارية الروح الاشتراكية فإن ذلك يعني التالي: إلقاء محاضرات عليهم، توزيع الكتيبات والنشرات عليهم. ولكن لا! [بحق الجحيم] المدرسة البروليتارية الاشتراكية لا تحتاج إلى كل هذا. النضال نفسه يعلم الجماهير”. (8)

أخيرا، وصلت روزا لوكسمبورغ إلى هذا الاستنتاج: “الأخطاء التي ارتكبتها الحركة العمالية الثورية الحقيقية هي مثمرة وجديرة بالاهتمام أكثر بكثير من عصمة أفضل لجنة مركزية”. (9)

بارتكازها بمثل هذا التأكيد (وعن حق) على الطاقة الابداعية للطبقة العاملة، قللت روزا لوكسمبورغ من شأن الاثباط والأضرار التي قد تلحقها منظمة محافظة على النضال الجماهيري. لقد أعربت عن إيمانها بأن تفجر الجماهير سيلقي جانبا بمثل هذه القيادة من دون أن يلحق بالحركة الجماهيرية نفسها أي أذى. وكتبت عام 1906:

“إذا كانت تمر ألمانيا، في أي وقت وتحت أي ظرف من الظروف، بتجربة الصراعات السياسية الكبرى، فإن حقبة الصراعات الاقتصادية الهائلة ستندلع في نفس الوقت. الأحداث لن تتوقف للحظة واحدة حتى تطلب مباركة أحد القادة النقابيين للحركة الجماهيرية. إذا وقفوا جانبا أو عارضوها، نتيجة هذا السلوك سيكون التالي: القائد النقابي أو الحزبي ستجرفه موجة الأحداث، والنضالات الاقتصادية والسياسية من الممكن خوضها كنتيجة من دونهم”. (10)

هذا الموضوع روزا لوكسمبورغ أعادت التأكيد عليه مرارا وتكرارا.

لفهم الأسباب المحتملة لتقليل روزا لوكسمبورغ لدور المنظمة والمبالغة في تقدير دور العفوية، لا بد من إلقاء نظرة على الوضع التي كانت تعمل فيه. أولا، كان عليها محاربة القيادة الانتهازية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. هذه القيادة شددت على أهمية التنظيم بما لا يفوق الوصف، وقللت من اهتمامها بعفوية الجماهير. حتى عندما وافقت على إمكانية الإضراب الجماهيري، على سبيل المثال، استندت القيادة الإصلاحية على التالي: الظروف التي تؤدي إلى حصول إضراب سياسي شامل والوقت المناسب ستحددها قيادتا الحزب والنقابات وحدهما، وبتاريخ محدد منهما. ومن مهامهما تحديد أهداف الإضراب، التي، بحسب بيبيل وكاوتسكي وهيلفردينغ وبرنشتاين وغيرهم، كانت للوصول أو للدفاع عن البرلمان. وقبل كل شيء، يجب المحافظة على حرمة هذا المبدأ: لن يقوم العمال بأي شيء إلا بأوامر من الحزب وقيادته. مع هذه الفكرة، التي تعتبر أن قيادة الحزب قوية والجماهير ضعيفة، انضمت روزا لوكسمبورغ إلى المعركة. ولكن بقيامها بذلك ربما قد “قَوَّسَت القضيب” أكثر من اللازم بقليل.

وكان هناك جناح آخر للحركة العمالية كان على روزا لوكسمبورغ أن تواجهه هو الحزب الاشتراكي البولندي. هذا الحزب كان شوفينيا، كان هدفه المعلن تحقيق الاستقلال الوطني لبولندا. ولكن لم يكن هناك من أساس اجتماعي جماهيري لنضاله: وقف مالكو الأراضي والبرجوازية على حدى من النضال الوطني في حين كانت الطبقة العاملة البولندية (التي تنظر إلى العمال الروس كحلفاء لها) لا ترغب في النضال من أجل دولة قومية (إقرأ(ي) الفصل السادس، روزا لوكسمبورغ والمسألة القومية). في ظل هذه الظروف اعتمد الحزب الاشتراكي البولندي على أنشطة متهورة مثل تنظيم مجموعات إرهابية، وهكذا دواليك. هذا العمل لم يستند على الطبقة العاملة ككل، ولكن فقط على الهيئات الحزبية. هنا أيضا قلما ما اهتموا بالسيرورة الاجتماعية، وحصر القرار بيد القيادة لكل شيء. هنا أيضا (في نضالها الطويل ضد إرادوية الحزب الاشتراكي البولندي) أكدت روزا لوكسمبورغ على أهمية عامل العفوية.

والتيار الثالث في الحركة العمالية الذي ناضلت روزا ضده كان النقابوية، مزيج من الأناركية (بدون فرديتها ومع تركيز مبالغ فيه على التنظيم) والنقابات. وكانت فرنسا القاعدة الرئيسية لهذا الاتجاه حيث انتشرت جذوره في تربة التخلف الصناعي وضعف مركزة الصناعات. وقد اكتسب قوة بعد سلسلة من الهزائم منيت بها الحركة العمالية الفرنسية عامي 1848 و1871، وخيانة ميلران وحزب جوريس، الذي نما الشكوك بين العمال من كل السياسيين والمنظمات. النقابوية اعتبرت الاضراب العام ثورة اجتماعية، بدلا من النظر إليه كعنصر أساسي من الثورة الحديثة. وقد رأت أن الإضراب العام يمكن يبدأ بموجب أمر، وسيتبعه سقوط النظام البرجوازي. هنا أيضا يظهر التبسيط للعامل الثوري، وهذا يعني أن الإرادوية والإرادة الحرة للقادة، المستقلة عن أي مد شعبي، يمكن أن تحرك نضالا حاسما. في وقت نبذوا فيه هذه الإرادوية، كان الإصلاحيون الألمان يطورون اتجاها مماثلا. وفي وقت كانت فيه النقابوية الفرنسية ترسم صورة كاريكاتورية عن الإضراب العام والثورة، كان الانتهازيون الألمان، المتضاحكون من ذلك، يرمون جانبا فكرة الإضراب العام والثورات. في الوقت عينه كما ناضلت روزا ضد الاتجاه الألماني للإرادوية، ناضلت ضد النسخة الفرنسية من الشكل النقابوي، مظهرة أساسه البيروقراطي الذي ينكر لدور المبادرة العمالية والتعبئة الذاتية.

السبب الرئيسي لمبالغة روزا لوكسمبورغ في تقدير عامل العفوية والتقليل من شأن التنظيم ربما يكمن في الحاجة، خلال النضال المباشر ضد الإصلاحية، للتأكيد على العفوية كخطوة أولى في كل الثورات. من هذه المرحلة الأولى لنضال الطبقة العاملة، عممت روزا ذلك على نطاق واسع جدا ليشمل النضال بأكمله.

من دون شك أن الثورات تبدأ كعمل عفوي من دون قيادة الحزب. الثورة الفرنسية بدأت مع اقتحام سجن الباستيل. لم ينظم أحد هذا الهجوم. هل كان هناك حزب يقود الشعب خلال عملية التمرد؟ لا. حتى القادة اليعاقبة، على سبيل المثال روبسبيير، لم يعارضوا حتى ذلك الحين النظام الملكي، ولم يكن قد تنظموا بعد ضمن حزب. ثورة 14 تموز/يوليو عام 1789 كانت فعلا عفويا للجماهير. الأمر نفسه ينطبق على الثورة الروسية سواء عام 1905 وشباط/فبراير 1917. ثورة 1905 بدأت من خلال اشتباك دموي بين الجيش القيصري والشرطة من جهة، وجماهير العمال من الرجال والنساء والأطفال من جهة أخرى، بقيادة الكاهن غابون (الذي كان في الواقع عميلا محرضا للقيصر). أين تنظم العمال بموجب قرار قيادي واضح وحاسم وفق سياسة اشتراكية تلقائية؟ بكل تأكيد لا. حملوا الأيقونات، وجاؤوا يتسولون لمحبوبهم “الأب الصغير”- القيصر- حتى يساعدهم ضد مستغليهم. تلك كانت الخطوة الأولى لثورة عظيمة. بعد 12 عاما، في شباط/فبراير عام 1917، الجماهير، هذه المرة كانت أكثر خبرة، وبينهم كان هناك أعداد كبيرة من الاشتراكيين أكثر من الثورة السابقة، هبت أيضا بشكل عفوي. لم يكن هناك أي مؤرخ يستطيع أن يدل بإصبعه إلى منظِم ثورة شباط/فبراير، التي كانت غير منظمة بكل بساطة.

مع ذلك، وبعد أن أطلقتها الانتفاضة العفوية، تمضي الثورات قدما بطريقة مختلفة. في فرنسا كان الانتقال من حكومة الجيروند النصف جمهورية إلى حكومة ثورية، التي قضت بشكل تام على علاقات الملكية الإقطاعية، لم يحصل ذلك بواسطة جماهير غير منظمة دون قيادة أي حزب، إنما تحت قيادة حاسمة لحزب اليعاقبة. من دون هذا الحزب في الحكم، هذه الخطوة المهمة، التي تطلبت معركة شاملة ضد الجيرونديين، كانت مستحيلة. قد يثور سكان باريس عفويا ودون قيادة ضد ملك بعد عقود من القمع. ولكن غالبيتهم كانت شديدة المحافظة، وتفتقر إلى التجربة التاريخية والمعرفة، وللتمييز، وبعد سنتين أو ثلاث سنوات من الثورة، بين الذين يريدون الدفع بالثورة بقدر ما ستذهب إليه وبين الذين هدفوا إلى بعض الحلول الوسط. الوضع التاريخي تطلب نضالا حتى النهاية ضد الحزب التسووي، حلفاء الأمس. وعي القيادة لهذا المهمة العظيمة جاء من جانب حزب اليعاقبة، الذي حدد موعد ونظم الإطاحة بالجيروند في 10 آب/أغسطس عام 1792 وصولا إلى أدق التفاصيل. وبالمثل لم تكن ثورة تشرين الأول/أكتوبر عفوية إنما نظمت بشكل عملي في كل تفاصيلها الهامة، بما في ذلك تاريخها، من قبل البلاشفة. خلال تعرجات الثورة بين شباط/فبراير وتشرين الأول/أكتوبر- مظاهرة حزيران/يونيو، أيام تموز/يوليو والتراجع المنظم اللاحق، رفض انقلاب كورنيلوف اليميني- اقترب العمال والجنود أكثر فأكثر من تأثير وتوجيه حزب البلاشفة. ومثل هذا الحزب كان ضروريا لدفع الثورة من مراحلها الأولى إلى النصر النهائي.

مع قبول فكرة أنه ربما قللت روزا لوكسمبورغ من أهمية هذا النوع من الأحزاب، على المرء أن لا يقول كلاما قليلا عن الجدارة التاريخية العظيمة الحقة التي تمتعت بها روزا لوكسمبورغ، التي في مواجهتها للإصلاحية السائدة أكدت أهمية القوة التي يمكنها كسر القشرة المحافظة- التي هي عفوية العمال. صلابتها الثابتة تكمن في ثقتها الكاملة في المبادرة التاريخية للعمال.

عندما يتم لفت النظر إلى بعض أوجه القصور في موقف روزا لوكسمبورغ بشأن الصلة بين العفوية والقيادة في الثورة، يجب على المرء أن يكون حذرا من استخلاص أن النقد للحركة الثورية، وخاصة لينين، كان في كل نقطة متوازنا وقريبا من الصحة، تحليلا ماركسيا.

في وقت عملت روزا لوكسمبورغ في بيئة كان فيها العدو الرئيسي للاشتراكية الثورية هو المركزية البيروقراطية، ونتيجة لذلك أكدت باستمرار على أساسية النضال الجماهيري، لينين يتعامل مع انعدام شكل الحركة العمالية في روسيا، حيث يكمن الخطر الأكبر في التقليل من أهمية التنظيم. تماما لا يمكن للمرء فهم وجهة نظر روزا لوكسمبورغ خارج ظروف البلاد والحركات العمالية التي عملت فيها، كذلك من الصعب فهم موقف لينين دون الإشارة إلى الظروف التاريخية الملموسة للحركة العمالية في روسيا.

تصورات لينين للعلاقة بين العفوية والتنظيم وضعها في كتابين أساسيين: ما العمل؟ (1902) وخطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء (1904). في وقت كتابتهما، الحركة العمالية الروسية لا يمكن مقارنتها بقوة تلك الموجودة في أوروبا الغربية، خاصة في أوروبا. كانت مكونة من مجموعات صغيرة منعزلة، ومستقلة ذاتيا إلى هذا الحد أو ذاك دون أي سياسات متفق عليها، وتتأثر بشكل هامشي بالماركسيين، مثل بليخانوف ولينين ومارتوف وتروتسكي. في هذه المجموعات، وبسبب ضعفها وعزلتها، كانت التوقعات قليلة الشأن. في حين كان يزداد نضال العمال الروس من خلال الإضرابات الجماهيرية والمظاهرات كانت المجموعات الاشتراكية تكتفي بمطالب اقتصادية آنية؛ هذا الاتجاه المسمى “اقتصادوي” كان مهيمنا في تلك المجموعات الاشتراكية. شن لينين في كتابه ما العمل؟ هجوما عنيفا ضد “الاقتصادوية” أو النقابوية البحتة. وقد اعتبر أن عفوية نضال الجماهير- كان ذلك واضحا في كل مكان في روسيا في ذلك الوقت- يجب استكمالها بالوعي وتنظيم حزب. يجب إنشاء حزب على امتداد البلد مع إصدار جريدة مركزية خاصة به من أجل توحيد المجموعات المحلية وبث في الحركة العمالية الوعي السياسي. يجب تقديم النظرية الاشتراكية إلى الطبقة العاملة من الخارج؛ ذلك كان السبيل الوحيد للحركة العمالية للتحرك مباشرة للنضال من أجل الاشتراكية. إن الحزب المتوقع يجب أن يتكون إلى حد واسع من الثوريين المحترفين، العاملين تحت قيادة شديدة المركزية. القيادة السياسية للحزب يجب أن تكون في الوقت عينه هيئة تحرير الجريدة المركزية. وهذا يتطلب أن تمتلك القدرة على التنظيم أو إعادة تنظيم فروع الحزب داخل البلد، قبول أو طرد الأعضاء وتعيين اللجان المحلية. منتقدا المناشفة، كتب لينين عام 1904:

“فكرة الرفيق مارتوف الأساسية… هي “ديمقراطية” زائفة على وجه التحديد، فكرة بناء حزب من الأسفل إلى الأعلى. فكرتي، على العكس من ذلك، هي “بيروقراطية” بمعنى أن الحزب يجب أن يبنى من الأعلى إلى الأسفل، من المؤتمر إلى أصغر منظمة في الحزب”. (11)

كيف غالبا ما استشهد الستالينيون وكثيرا ممن يسمون أنفسهم غير ستالينيين، العديد من الذين جاؤوا منهم بعد لينين، بكتابيه ما العمل؟ وخطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء، باعتبارهما قابلين للتطبيق جملة وتفصيلا، في كافة البلاد والمنظمات، بغض النظر عن مرحلة التطور!

كان لينين بعيدا عن الذين يسمون أنفسهم لينينيين. في بداية العام 1903، وفي المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، أشار لينين إلى بعض المبالغات في صيغ كتاب ما العمل؟: “الاقتصادويون قوّسوا القضيب لجانب واحد. وبهدف تصويبه مرة أخرى، كان يجب أن يقَوَّس للجانب الآخر وهذا ما فعلته”. (12) بعد عامين، وفي مشروع قرار خطي للمؤتمر الثالث، أكد لينين أن وجهة نظره التنظيمية كانت غير قابلة للتطبيق على الصعيد العالمي: “في ظل الظروف السياسية الحرة حزبنا يمكن وسيتم بناؤه كليا على أساس مبدأ الانتخاب. في ظل النظام الاستبدادي هذا الأمر غير قابل للتحقيق”. خلال ثورة عام 1905، مع الزيادة الهائلة في عدد أعضاء الحزب، توقف لينين عن الحديث عن ثوريين محترفين. الحزب لم يعد منظمة نخبوية:

“في المؤتمر الثالث أعربت عن رغبتي بأن تتألف لجان الحزب من مثقفَين مقابل ثمانية عمال. كم عفا عليها الزمن هذه الرغبة. الآن سيكون مرغوبا فيه أنه في لجان الحزب الجديد، مقابل كل مثقف ينتسب إلى الاشتراكية الديمقراطية، يجب أن يكون مقابله بضعة مئات من العمال الاشتراكيين-الديمقراطيين”. 

أما في كتاب ما العمل؟ فكتب لينين أن العمال من خلال جهودهم الذاتية يمكنهم فقط الوصول إلى الوعي النقابي، لاحقا كتب: “الطبقة العاملة هي بشكل غريزي وعفوي اشتراكية ديمقراطية” (13) “حالة البروليتاريا الخاصة في المجتمع الرأسمالي تقود العمال للسعي من أجل الاشتراكية؛ اتحادهم ضمن حزب اشتراكي يعزز قوة العفوية في المراحل المبكرة جدا من الحركة”. في حين أراد لينين عام 1902 حزبا يكون ضيقا، متماسكا بشدة، مجموعة صغيرة مع معايير صارمة جدا للعضوية، عام 1905 كتب أن العمال يجب أن يتدرجوا “في صفوف منظمات الحزب بمئات الآلاف”. مرة أخرى، في عام 1907، كتب لينين في مقدمة مجموعة “12 سنة”: 

“الخطأ الأساسي لأولئك الذين يسخرون من كتاب ما العمل؟ اليوم هو أنهم يقتطعون هذا العمل خارج سياق الظرف التاريخي الواضح، اليوم مرت فترة طويلة منذ أن تطور حزبنا… كتاب ما العمل؟ يصحح بطريقة جدلية الاقتصادوية، ومن الخطأ اعتبار محتويات الكتيب خارج ارتباطه بهذه المهمة”. (14)

غير راغب بإساءة استخدام كتاب ما العمل؟، لم يستطب للينين اقتراح ترجمته عام 1921 إلى لغات أخرى غير الروسية. وقد قال لماكس ليفين: “غير مرغوب فيها؛ الترجمة يجب أن تصدر مع تعليقات صائبة التي يجب أن يكتبها رفيق روسي على علم عميق بتاريخ الحزب الشيوعي في روسيا من أجل تجنب تطبيق خاطئ له”. (15)

عندما كانت الأممية الشيوعية تناقش نظامها الداخلي، حاجج لينين ضد أولئك الذين كانوا يقترحونه، وقال أنهم “روس للغاية”، وشديدي المركزية، على الرغم من أن هذا النظام الداخلي قد نص على حرية النقد داخل الأحزاب وعلى سيطرة قيادة الحزب من الأسفل. المركزية الشديدة، قال لينين، لا تتناسب مع الظروف في أوروبا الغربية. (صحيح أنه في حزب لينين في ذلك الوقت كان مركزيا للغاية، وحتى شبه عسكري، لكن هذا النموذج أرغموا على اعتماده نتيجة الظروف القاسية للحرب الأهلية).

رؤية لينين للحزب، حول تقويس القضيب بشدة باتجاه المركزية، يجب النظر إليها ضمن سياق الأوضاع في روسيا.

ضمن روسيا القيصرية المتخلفة، حيث كانت الطبقة العاملة أقلية صغيرة، فكرة أن الطبقة العاملة تستطيع وحدها أن تحرر نفسها كان يمكن بسهولة تجاوزها. وباستمرار ذلك الوضع، كان لروسيا تقليد مديد لمنظمات صغيرة تحاول أن تكون بديلا عن النضال الجماهيري الأساسي. في فرنسا، الشعب هو من أطاح بالنظام الملكي والنظام الإقطاعي؛ أما في روسيا، حاول الدجنبريون والناردونيك الإرهابيون القيام بذلك على عاتقهم. (16)

بيان ماركس حول الطابع الديمقراطي للحركة الاشتراكية، المستشهد فيه أعلاه، وأقوال لينين، أن الاشتراكية الديمقراطية الثورية تمثل: “اليعاقبة الشديدي الصلة بتنظيم البروليتاريا”، هي متناقضة بكل تأكيد. أقلية منظمة وواعية على رأس جماهير غير منظمة تناسب ثورة برجوازية، التي هي، بعد كل شيء، ثورة لصالح الأقلية. ولكن الفصل بين وعي الأقلية ولاوعي الأكثرية، الفصل بين العمل الذهني والعمل اليدوي، وجود مدير ورئيس العمال من جهة وكتلة من العمال المطيعين من جهة أخرى، وتطعيم ذلك بـ”اشتراكية” عن طريق القضاء على جوهر الاشتراكية، التي تعني سيطرة العمال الجماعية على مصيرهم.

من خلال مقارنة مفاهيم لوكسمبورغ ولينين يمكن للمرء أن يحاول تقييم الحدود التاريخية لكل منها، التي خلقتها، من دون شك الظروف الخاصة التي عمل فيها كل منهما.

مؤكدة على أن تحرر الطبقة العاملة لا يمكن أن يتم إلا على أيدي الطبقة العاملة نفسها، كانت روزا لوكسمبورغ قليلة الصبر تجاه كل الاتجاهات العصبوية، التي عبرت عن نفسها من خلال انشقاقها عن الحركة الجماهيرية والمنظمات الجماهيرية.

على الرغم من أنه ولسنوات خلافها مع قيادة الأغلبية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، استمرت في إصرارها على أنه من واجب الاشتراكيين الثوريين البقاء في هذه المنظمة. حتى بعد أن وقف هذا الحزب إلى جانب الحرب الامبريالية، وبعد طرد كارل ليبكنخت من الكتلة البرلمانية (12 كانون الثاني/يناير 1916)، استمرت وليبكنخت في عضويتهما في الحزب على أساس أن الانفصال عن الحزب سيحول المجموعة الثورية إلى عصبة. لم تتخذ روزا هذا الموقف فقط عندما كانت زعيمة أقلية ثورية ضئيلة الحجم داخل الحزب. بل حافظت على هذا الموقف عندما حصلت عصبة سبارتاكوس على نفوذ وباتت قوة معترف بها في وقت طالت فيه الحرب.

كما نعلم، أنه في 2 كانون الأول/ديسمبر عام 1914 نائب واحد، ليبكنخت، صوت ضد اعتمادات الحرب. في شهر آذار/مارس عام 1915، انضم أوتو روهل إليه. في حزيران/يونيو عام 1915 وقع ألف عضو بيانا عارضوا فيه سياسات التعاون الطبقي، وفي كانون الأول/ديسمبر عام 1915 صوت ما لا يقل عن 20 نائب ضد اعتمادات الحرب في الرايختساغ. في آذار/مارس عام 1916 طردت كتلة الحزب الاشتراكي الديمقراطي البرلمانية المعارضين منها، على الرغم من عدم امتلاكهم القدرة على طردهم من الحزب.

ما حصل في البرلمان كان انعكاسا لما كان يحدث خارجه، في المصانع والشوارع، وفروع الحزب ومنظمة الشباب الاشتراكية.

الجريدة المناهضة للحرب “الأممية”، التي تحررها روزا لوكسمبورغ وفرانز مهرينغ، وزعت 5000 نسخة فور صدورها وفي يوم واحد فقط (وقد جرى منعها على الفور من الشرطة). (17) منظمة الشباب الاشتراكية، أعلنت خلال مؤتمر سري عقد خلال فصح العام 1916، عن تأييد بأغلبية ساحقة لسبارتاكوس. في 1 أيار/مايو عام 1916 تظاهر 10 آلاف عامل في ساحة بوتسدام في برلين ضد الحرب. في مدن أخرى- دريسدن، ينا، هاناو- خرجت أيضا مظاهرات مناهضة للحرب. في 28 حزيران/يونيو عام 1916، أي اليوم الذي حكم فيه على ليبكنخت بالسجن لمدة عامين ونصف مع الأشغال الشاقة، أضرب 55 ألف عامل في مصانع الذخائر في برلين عن العمل تضامنا معه. في اليوم نفسه، عمت التظاهرات والإضرابات مدن شتوتغارت وبريمن وبراونشفايغ وغيرها من المدن. وبتأثير من الثورة الروسية، في نيسان/أبريل عام 1917، نظم إضراب شامل في مصانع الذخائر في جميع أنحاء البلاد: في برلين وحدها أضرب 300 ألف عامل. كما حصلت موجة أخرى من الإضرابات في مصانع الذخائر خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير عام 1918 وشملت ما لا يقل عن 1،5 مليون عامل.

كانت طبيعة هذه الإضرابات سياسية في جوهرها. إضراب برلين شمل نصف مليون عامل الذين طالبوا بالسلام الفوري ودون ضم الأراضي وبالتعويضات، وحق الشعوب بتقرير مصيرها؛ وكان الشعار والهتاف الثوري الرئيسي: “سلام، حرية، خبز”. قتل 6 عمال خلال الإضراب ووقع العديد من الجرحى. وجند بشكل إجباري الآلاف من العمال في الجيش.

ضمن هذا الوضع استمرت روزا لوكسمبورغ في المحاججة للبقاء في الحزب الاشتراكي الديمقراطي حتى شهر نيسان/أبريل عام 1917، عندما قام الوسط، بقيادة كاوتسكي وبيرنشتاين وهاس، بالانشقاق عن اليمين وشكل حزبا جديد- الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل. كان الأخير حزبا برلمانيا ولا يريد أن يحرض العمال على الإضرابات الجماهيرية أو للتظاهر ضد الحرب، ولكنه هدف إلى الضغط على حكومات الدول المتحاربة للتفاوض على السلام. عصبة سبارتاكوس، التي تأسست في كانون الثاني/يناير عام 1916 كتكتل داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، ارتبطت الآن بالحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل، محافظة على تنظيمها وحقها بالعمل المستقل. فقط وعند اندلاع الثورة الألمانية في 29 كانون الأول/ديسمبر عام 1918 قطعت العصبة علاقتها مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل وأسست حزبا مستقلا- الحزب الشيوعي في ألمانيا (سبارتاكوس).

كان هناك ضغوط مستمرة من صفوف الثوار لترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي ولاحقا الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل. ولكن روزا لوكسمبورغ قاومتها. كان هناك سابقة للانشقاق حصلت عام 1891، حين تركت مجموعة كبيرة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، حيث اتهمته بالإصلاحية، وأسست الحزب الاشتراكي المستقل. وقد استمر هذا الحزب لفترة قصيرة قبل أن يختفي تماما.

في 6 كانون الثاني/يناير عام 1917 واجهت روزا لوكسمبورغ أولئك الثوار الذين رغبوا بالانشقاق عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي:

“أيا يكن جديرا بالثناء ومفهوما نفاذ الصبر والمرارة التي تؤدي بأفضل العناصر التي تركت الحزب اليوم، ولكن الهروب يبقى هروبا. إنها خيانة للجماهير، تباع للبرجوازية، تطوى وتخنق بقبضة شيدمان وليجين. يمكن للمرء أن ينسحب من المجموعات العصبوية الصغيرة عندما لا تناسبه بهدف العثور على مجموعة عصبوية جديدة. الأمر ليس سوى وهما غير ناضج يريد أن يحرر البروليتاريا من نير البرجوازية الثقيل والرهيب من خلال انسحاب بسيط، ويعتبرونه، بالتالي، مثالا شجاعا يحتذى به. إعادة بطاقات العضوية باعتبارها ضربا من وهم التحرير هي ليست سوى وهما، يقفون على رؤوسهم، وكأن القوة تكمن في بطاقة العضوية. كلاهما أقطاب مختلفة من القماءة التنظيمية، المرض البنيوي للاشتراكية الديمقراطية الألمانية. انهيار الاشتراكية الديمقراطية الألمانية هي عملية تاريخية ذات أبعاد هائلة، هناك صراع عام بين الطبقة العاملة والبرجوازية، ولا ينبغي للمرء الهروب من المعركة من أجل تنفس هواء نقي خلف شجيرة تحميه. معركة العمالقة هذه يجب خوضها حتى النهاية. النضال ضد الاشتراكية الديمقراطية الرسمية الخانقة والقاتلة، وضد النقابات الرسمية، التي فرضت من قبل الطبقة الحاكمة على رقبة الطبقة العاملة التي ضللوها وخانوها، يجب النضال ضدها بكل قوة حتى النهاية. يجب أن نقف إلى جانب الجماهير حتى النهاية، حتى خلال أكثر النضالات فظاعة. تصفية “كومة الفساد المنظم”، التي تسمي نفسها اليوم اشتراكية ديمقراطية، ليس شأنا خاصا لعدد قليل، أو مجموعات قليلة… المصير الحاسم للصراع الطبقي في ألمانيا ومنذ عقود هو في النضال ضد قيادات الاشتراكية الديمقراطية وضد قيادة النقابات العمالية، وهذه الكلمات تنطبق على كل واحد منا حتى النهاية: “هنا أقف، ولا أستطيع أن أفعل شيئا سوى ذلك”. (18)

معارضة روزا لوكسمبورغ لترك الحزب العمال الجماهيري لم يتضمن أي تنازل للإصلاحية. وهكذا وخلال مؤتمر سبارتاكوس في 7 كانون الثاني/يناير عام 1917 صدر القرار التالي المستوحى منها: “المعارضة ستبقى في الحزب من أجل إحباط ومحاربة سياسة الأغلبية في كل خطوة، وللدفاع عن الجماهير بوجه سياسة امبريالية متسترة بعباءة الاشتراكية الديمقراطية، واستعمال الحزب باعتباره مجالا لاستقطاب البروليتاريا، وللنضال الطبقي المناهض للعسكرة”. (19)

تردد روزا لوكسمبورغ في تأسيس حزب ثوري مستقل يعود إلى بطئها في الاستجابة للظروف المتغيرة. كان ذلك عنصرا أساسيا في التأخر في بناء حزب ثوري في ألمانيا. ومع ذلك، لم تكن لوحدها. لم يكن لينين أسرع من روزا في القطع مع كاوتسكي. لا يوجد أرضية للقصة الستالينية التي تقول إن لينين كان معارضا لتمسك اليسار الثوري بالحزب الاشتراكي الديمقراطي واستمرار تعاونه مع كاوتسكي. (20) في الواقع، كانت روزا لوكسمبورغ أكثر وضوحا في تقييمها لكاوتسكي وصحبه، وانفصلت عنهم قبل لينين بوقت طويل. لمدة عقدين استمر لينين باعتبار كاوتسكي أعظم ماركسي حي. على سبيل المثال: في كتاب ما العمل؟ اعتبر لينين كاوتسكي المرجع الأساسي لموضوعه، وأثنى على الحزب الاشتراكي الديمقراطي واعتبره نموذجا للحركة الروسية. في كانون الأول/ديسمبر عام 1906 كتب لينين: “طليعة الطبقة العاملة الروسية تعرف منذ بعض الوقت أن كارل كاوتسكي هو كاتب”؛ ووصف كاوتسكي بأنه “زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الثوري الألماني” (21) في آب/أغسطس عام 1908 استشهد بكاوتسكي حول مسائل الحرب والعسكرة. (22) عام 1910، في وقت كانت روزا لوكسمبورغ تجادل كاوتسكي جول مسألة الطريق إلى السلطة، وقف لينين معه ضدها. وفي نهاية شهر شباط/فبراير عام 1914 احتكم لينين إلى كاوتسكي في خلافه مع روزا لوكسمبورغ حول المسألة الوطنية. فقط عند اندلاع الحرب، وخيانة كاوتسكي للأممية، تحطمت أوهام لينين فيه. ثم اعترف لينين: “روزا لوكسمبورغ كانت على حق؛ أدركت منذ وقت طويل أن كاوتسكي كان المنظر، في خدمة الأغلبية في الحزب، باختصار، في خدمة الانتهازية”. (23)

شكل التنظيم لحزب العمال الاشتراكي في كل مكان وفي كل مرحلة من مراحل تطور الصراع على السلطة له تأثير هام على قوة العمال أنفسهم. وبالتالي يكون النقاش حول شكل تنظيم الحزب الثوري له أهمية تتجاوز المرحلة التي يجري فيها تطبيق النموذج المقبول من التنظيم. لم يجر في أي بلد نقاش حاد اللهجة حول المشاكل التنظيمية كما حصل في الحركة العمالية الروسية. الكثير من هذا يعود إلى المسافة الشاسعة التي تفصل بين الهدف النهائي للحركة والواقع شبه الإقطاعي والاستبدادي الذي يعيق نمو منظمة حرة للعمال.

وحين كان موقف روزا لوكسمبورغ بشأن العلاقة بين العفوية والتنظيم انعكاسا للاحتياجات العاجلة التي تواجه الثوار في الحركة العمالية التي تسيطر عليها البيروقراطية المحافظة، موقف لينين الأساسي- في فترة 1902-1904- كان انعكاسا لانعدام شكل حركة ثورية حية ومكافحة في مرحلة أولى من تطورها في ظل نظام متخلف وشبه إقطاعي واستبدادي.

ومع ذلك، مهما كانت الظروف التاريخية التي أثرت في أفكار روزا بشأن التنظيم، أظهرت هذه الأفكار ضعفا كبيرا خلال الثورة الألمانية عامي 1918-1919. 

هذا النص هو الجزء الخامس من كتيب توني كليف: روزا لوكسمبورغ، الصادر عام 1959 (الذي أعيدت مراجعته عام 1969) في العدد الثاني والثالث من دورية الاشتراكية الأممية.

الهوامش:

(1). R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, p.269.

(2). F. Engels, 1895 Introduction, K. Marx, The Class Struggle in France.

(3). R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.II, p.606.

(4). Dokumente, vol.II, pp.704-705.

(5). R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, p.104.

(6). Leipziger Volkszeitung, June 1913, pp.26-28.

(7). Die Neue Zeit, 1904, p.491.

‫(8). خطاب روزا لوكسمبورغ في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الألماني.‬

(9). Die Neue Zeit, 1904, p.535.

(10). R. Luxemburg, Ausgewählte, vol.I, pp.235-236.

(11). V.I. Lenin, Works (Russia), vol.VII, pp.365-366.

(12). V.I. Lenin, Works, vol.VI, p.21.

(13). V.I. Lenin, Works, vol.VIII, p.37, quoted in R. Dunayevskaya, Marxism and Freedom (New York, 1958), p.182.

(14). V.I. Lenin, Works, vol.XIII, p.85.

‫(15). في الواقع، تُرجِم هذا الكتيب إلى العديد من اللغات من دون الأخذ بتعليق لينين الذي يعتبره ضروريا.‬

‫(16). ولم يكن من قبيل المصادفة أن يوافق الاشتراكيون الثوريون الروس، أعداء البلشفية المستقبليين، بشدة على مفهوم لينين للتنظيم الحزبي (I. Deutscher, The Prophet Armed, (London, 1954), p.94n).‬

(17). Dokumente, vol.II, p.135.

(18). Dokumente, vol.II, p.525.

(19). Dokumente, vol.II, p.528.

(20). See, for instance, J.V. Stalin, Some Questions Concerning the History of Bolshevism, Works, vol.XIII, pp.86-104; Dokumente, vol.II, especially the preface; F. Oelssner, Rosa Luxemburg (Berlin, 1956).

(21). V.I. Lenin, Works, vol.XI, p.330.

(22). V.I. Lenin, Works, vol.XI, pp.173-176.

(23). V.I. Lenin, Letter to Shliapnikov, 27 October 1914.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *