الفصل السابع من كتاب “ملخص رأس المال لكارل ماركس” للكاتب الإيطالي الأناركي كارلو كافيرو. كافيرو نشر الكتاب في حزيران عام 1879 باللغة الإيطالية، ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية الكاتب جايمس غيللوم عام 1910. أبدى كارل ماركس، ضمن رسالة بريدية وجهها إلى كارلو كافيرو، إعجابه بالكتاب ورأى فيه أفضل ملخص شعبي لـ”رأس المال”، ومن ثم أعيد نشر الكتاب الصادر عام 2008 في دار نشر “الكلب الأحمر” (Le Chien Rouge)

الفصل السابع من كتاب “ملخص رأس المال لكارل ماركس” للكاتب الإيطالي الأناركي كارلو كافيرو. كافيرو نشر الكتاب في حزيران عام 1879 باللغة الإيطالية، ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية الكاتب جايمس غيللوم عام 1910. أبدى كارل ماركس، ضمن رسالة بريدية وجهها إلى كارلو كافيرو، إعجابه بالكتاب ورأى فيه أفضل ملخص شعبي لـ”رأس المال”، ومن ثم أعيد نشر الكتاب الصادر عام 2008 في دار نشر “الكلب الأحمر” (Le Chien Rouge)

“قال جون ستيوارت ميل في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي: “يمكننا التساؤل إذا كانت كل الاختراعات الميكانيكية حتى يومنا هذا قد خفضت عمل الإنسان اليومي”. ميل يقول: “إن الإنسان لم يتم الحفاظ عليه بواسطة عمل الآخرين”، لأن الآلات من دون شك قد زادت بشكل كبير من عدد العاطلين عن العمل. الهدف من الاعتماد الرأسمالي على الآلات، لم يكن لتخفيف تعب العمال. كما كانت كل التطورات للقوى الانتاجية للعمل، بل إن استخدامها كان بهدف تخفيض أسعار السلع، وذلك لتقصير جزء من يوم العمل الذي يحتاجه العامل حتى يبقى قادرا على العمل، وإطالة الجزء الآخر من هذا اليوم، أي الجزء الذي يعطيه للرأسمالي دون مقابل. هي وسيلة لانتاج  فائض القيمة”.

ولكن من الذي يفكر بالعامل؟ إذا كان الرأسمالي يهتم بنفسه، إنما يفعل ذلك فقط لدراسة الطريقة الأفضل للاستغلال. العامل يبيع قوة عمله، والرأسمالي يشتريها باعتبارها السلعة الوحيدة التي، وبواسطة فائض قيمتها، يمكنه من خلق وزيادة رأس المال. الرأسمالي، إذا، لا يهتم بشيء إلا بانتاج فائض القيمة بكميات أكبر من أي وقت مضى. بعد استنفاد موارد فائض القيمة المطلق، وجد فائض القيمة النسبي. وهو الآن يرى أنه يستطيع، بواسطة الآلات، الحصول في الوقت نفسه على انتاج مضاعف، مرة، ومرتين وخمس مرات أكبر من ذي قبل؛ فيعتمد على الآلات. التعاون، والتصنيع يتحول ليصبح صناعة كبيرة، والمشغَل يصبح صناعة.

الرأسمالي، وبعد أن شوه العامل بواسطة تقسيم العمل، وبعد أن اقتصر ذلك على تنفيذ عملية جزئية واحدة فقط، يحضر لنا مشهدا أكثر حزنا. فينتزع من يدي العامل امتيازه الوحيد الذي كان لا زال يذكره بفنه، حالته السابقة كإنسان كامل، ويعطيه للآلة. بدلا من أن يعطي للآلة القوة الدافعة، تاركا للعامل تنفيذ العمل، فإنه يجعل من الآلة نفسها جهاز التشغيل اليدوي، ولا يترك للعامل وظيفة أخرى سوى الإشراف، وأحيانا التشغيل.

مع استعمال الآلات، فإن الرأسمالي يحقق بداية أرباحا هائلة، كما فهمنا بسهولة إذا تذكرنا ما قلناه عن فائض القيمة النسبي. ولكن مع انتشار نظام الانتاج الميكانيكي، فيتوقف الربح الاستثنائي، وتبقى فقط الزيادة في الانتاج، وذلك بسبب انتشار الآلات، وذلك يقلل من قيمة الأشياء الضرورية للعامل، وبالتالي مدة العمل الضروري، ومعدل الأجور، ويزيد بالتالي من فائض القيمة وفائض العمل.

رأس المال يتميز بكونه يتألف من رأس المال الثابت ورأس المال المتحرك. نسمي رأس المال ثابتا ذلك الذي يمثل وسائل العمل والمواد الأولية. أما الأبنية، وسخانات المياه، والأدوات، والمواد اللازمة كالشحم والفحم والزيت…، والمواد الأولية مثل الحديد والقطن والحرير والخشب…، كل هذه الأشياء تشكل جزءا من رأس المال الثابت. رأس المال المتحرك يتمثل بالأجر، أي سعر قوة العمل. الأول يسمى ثابتا، لأن قيمته تبقى ثابتة في قيمة السلعة التي هي جزء منها؛ في حين الثاني يسمى متحركا، لأن قيمته تزداد عبر دخولها كجزء مكون من قيمة السلعة. رأس المال المتحرك الذي خلقه فائض القيمة؛ والآلة لا يمكن إلا أن تكون جزءا من رأس المال الثابت.

الرأسمالي يعتزم، داخل الصناعة الكبيرة، أن يستفيد من القدر الهائل من العمل الماضي، وفي الوقت عينه الاستفادة من مجموع القوى الطبيعية، أي مجانا. ولتحقيق هذا الهدف، ثمة حاجة إلى تقنية، تتألف من مواد غالية الثمن إلى هذا الحد أو ذاك، وتستوعب كمية معينة من العمل. لكنه لا يحتاج إلى شراء قوة البخار، أو الخصائص الأساسية للمياه والهواء؛ ولا يحتاج لشراء الاكتشافات وتطبيقاتها الميكانيكية، ولا يحتاج لشراء الاختراعات والتحسينات على أدوات المهنة. يمكنه استخدام كل ذلك، كما يريد، دون أي حساب؛ يكفي الحصول على التقنية المناسبة. الآلة، كما قلنا، تشكل جزءا من رأس المال الثابت؛ والنسبة التي تساهم في تكوين قيمة السلعة هي بعلاقة مباشرة باستهلاكها والمواد اللازمة لها كالفحم والشحم…، وبعلاقة عكسية مع قيمة السلعة. وهذا يعني أنه كلما كان استهلاك الآلة كبيرا واستهلاك المواد اللازمة في انتاج سلعة، كلما كانت الآلة مرتبطة بقيمة الأخيرة؛ في حين كلما كانت قيمة السلعة التي تنتجها كبيرة، كلما كان قليلا، بشكل متناسب، الجزء من القيمة المرتبط بالسلعة من استهلاك الآلة. 

“إذا كان الاستهلاك اليومي لمطرقة البخار، واستهلاكها للفحم…، يتوزع على مجموعة كبيرة من الحديد المسحوق، كل قنطار من الحديد لا يشمل إلا جزءا صغيرا من القيمة [قيمة الاستهلاك]؛ هذا الجزء سيكون كبيرا بشكل واضح، إذا كانت هذه الآلة العملاقة [مطرقة البخار] تحطم المسامير الصغيرة”.

عندما تتوقف، عبر تعميم نظام الصناعة الكبيرة، الآلة عن أن تكون مصدرا مباشرا للربح الهائل للرأسمالي، الأخير ينجح في إيجاد طرق عديدة التي تمكنه من الاستمرار بالحصول على فائض القيمة من هذه الطريقة الجديدة للانتاج.

“رأس المال، بمجرد استحواذه على الآلة، يصرخ قائلا: “العمل للنساء، العمل للأطفال!” هذه وسيلة فعالة للحد من عمالة الرجال وبالتالي تتغير عبر زيادة عدد العمال؛ بحيث يضم كل أعضاء الأسرة، دون تمييز على أساس العمر أو الجنس، كلهم تحت عصا رأس المال. العمل القسري لرأس المال لا يسلب فقط ألعاب الطفولة، إنما أيضا العمل الحر داخل العائلة ومن أجلها.

“يتم تحديد قيمة قوة العمل بواسطة الوقت المطلوب ليس فقط للحفاظ على العامل الراشد، إنما أيضا على عائلته. عبر رمي جميع أفراد الأسرة في السوق، الآلة تقسم قيمة قوة عمل الرجل لتوزيعها على جميع أفراد عائلته؛ تخفض بذلك قيمة قوة عمل العامل. شراء أربع قوى عمل التي من خلالها تستطيع الأسرة، على سبيل المثال، أن تكون مجزأة، تكلف أكثر من تكلفة شراء قوة عمل رب الأسرة؛ ولكن كما حلت أربعة أيام عمل مكان يوم عمل واحد، وقيمتها انخفضت بما يتناسب مع الزيادة في فائض عمل أربعة عمال نسبة لفائض عمل عامل واحد. أربعة أشخاص يوفرون الآن لرأس المال ليس فقط العمل، إنما أيضا فائض العمل، لتستطيع عائلة واحدة العيش. الآلة، بزيادة إمكانيات استثمار رأس المال، أي القدرة على الاستثمار في الموارد البشرية، تزيد في الوقت عينه من درجات الاستغلال.

“إن الاستعمال الرأسمالي للآلات يؤثر بشكل كبير في العقد، الذي شرطه الأول كان أن يظهر الرأسمالي والعامل إزاء بعضهما البعض كرجلين حرين، كمالكين مستقلين لسلع، الأول يملك المال ووسائل الانتاج، والثاني قوة العمل. ولكن اليوم يشتري رأس المال من القاصرين وشبه القاصرين. العامل يبيع مسبقا قوة عمله، التي كان يستطيع التصرف بها بشكل حر. اليوم فإنه يبيع زوجته وأولاده. لقد أصبح تاجرا لعبيد.

“إذا كانت الآلة الوسيلة الأقوى لزيادة انتاجية العمل، أي لتقصير وقت العمل الضروري لانتاج سلعة، فقد أصبحت، كسند لرأس المال، ضمن فروع الصناعة التي تتولاها، الوسيلة الأقوى لتمديد يوم العمل أبعد من الحد الطبيعي. وسيلة العمل، التي باتت الآن الآلة، تقوم مستقلة تجاه العمال. شغف وحيد يحرك الرأسمالي: يريد الحد من العقبة التي تواجه الطبيعة الإنسانية- الطبيعة المقاومة، ولكن المرنة- إلى حد أدنى من المقاومة. السهولة الظاهرة للعمل بواسطة الآلة، والعنصر الأكثر قابلية للإدارة والانصياع هم/ن النساء والأولاد، الذين/اللواتي تستعبدهم/ن هذه الآلة.

“إن الاستهلاك المادي للآلات يتمثل بجانبين. فالآلات تستهلك، من جهة، بسبب استخدامها، كقطع من العملة من خلال تداولها؛ ومن جهة ثانية، من خلال عدم استعمالها، كسيف صدئ في غمده؛ هذه هي طرق تدمير الآلة. النوع الأول من الاستهلاك هو بطريقة مباشرة إلى هذا الحد أو ذاك، والنوع الثاني، هو لدرجة معينة، على العكس من طريقة استخدامه. تخضع الآلة لما يمكن تسميته الاستهلاك الأخلاقي. فهي تفقد قيمتها التبادلية إزاء آلات أخرى يمكن أن تكون مصنوعة بسعر أرخض، أو إزاء آلات متطورة تنافسها”.

لإصلاح الأضرار التي أصابت الآلة، يحتاج الرأسمالي إلى تشغيل آلته أكثر ما يمكن، وهو يبدأ، قبل كل شيء، بتمديد يوم العمل، من خلال تشغيل عماله خلال الليل واعتماد نظام المناوبة. والأخير كما يدل اسمه عليه، شبيه باستبدال الخيول التي تنقل البريد، وهذا النظام يعني أن العمل ينفذه فريقين من العمال كل فريق يتغير بعد مرور 12 ساعة، أو بواسطة ثلاث فرق من العمال كل فريق يتغير بعد مرور 8 ساعات، بحيث لا يتوقف العمل طيلة 24 ساعة. هذا النظام، الشديد الربحية، اعتمد لأول مرة عند ظهور الآلات، حيث استعجل الرأسمالي لجمع على أكبر كمية من الأرباح الهائلة، التي تراجعت بعد تعميم استعمال الآلة.

إذا، يزيل الرأسمالي بفضل الآلات جميع عقبات الوقت، وكل حدود يوم العمل، التي فرضت داخل المصنع على العمل. وعندما وصل إلى الحد الطبيعي لليوم، أي إلى استعمال الـ 24 ساعة، فإنه وجد وسيلة لتحويل يوم عمل واحد إلى يومين، ثلاثة، أربعة أيام، وأكثر من ذلك، من خلال تكثيف العمل مرتين وثلاث وأربع مرات. في الواقع، إذا كان خلال يوم عمل وجد وسيلة حتى ينفذ العامل العمل مرتين، أو ثلاث، أو أربع مرات أكثر من السابق، من الواضح أن يوم العمل القديم يمثل يومين، ثلاثة، أربعة أيام عمل. والرأسمالي يجد وسيلة للقيام بذلك، مما يجعل، كما قلنا سابقا، العمل أكثر شدة، من خلال تكثيفه، بعبارة أخرى، في يوم عمل واحد يومين، ثلاثة، أربعة أيام. من خلال الآلات يحقق هذه النتيجة.

“إن تطوير المحرك البخاري قد زاد من عدد ضربات المكبس في الدقيقة، وسمح في الوقت عينه، بتحقيق اقتصاد أكبر للقوة، من خلال الشروع في اعتماد تقنية بشكل فعال مع نفس المحرك، من دون زيادة استهلاك الفحم، وحتى خفضه. تطوير تقنية جهاز نقل الحركة قد خفف من الاحتكاك، وقد خفف من قطر ووزن الأدوات المكونة للآلة…، وبالحد الأدنى المتناقص دائما؛ تمكنا من تسريع القوة المتزايدة للمحرك لكافة فروع الآلة. مع زيادة السرعة وقوة عمل الآلة، تمكنا من تخفيض حجم الآلة، كما هو الحال مع النول الحديث، أو زيادة، عبر تكبير الهيكل، حجم الأدوات في آلة الغزل، او زيادة مرونة الأدوات عن طريق إدخال تعديلات على التفاصيل كتلك، نحو عام 1837، التي زادت خمس مرات تقريبا سرعة المغزل في النول الآلي.

“عام 1836، قال أحد الصناعيين الإنكليزيين: “بالمقارنة مع الماضي، زاد بشكل ملحوظ المجهود المطلوب للقيام بالعمل الصناعي، نتيجة تزايد درجة الانتباه والنشاط المطلوب من العامل بفعل زيادة سرعة الآلات”. عام 1844، قال اللورد آشلي في مجلس العموم: “إن عمل العمال المستخدم في عمليات الصناعة هو اليوم أكبر بثلاث مرات مما كان عليه عندما تم إدخال هذه العمليات. الآلات، مما لا شك فيه، حلت مكان أوتار وعضلات الملايين من الناس الذين خضعوا لحركتها الرهيبة”.

“في المصنع، البراعة في التعامل مع الأدوات تنتقل من العامل إلى الآلة… الفرق الأساسي الذي يصنف الشغيلة كعمال يعملون على الآلات-الأدوات (بصرف النظر عن بعض العمال المسؤولين عن المراقبة وتشغيل المحرك الرئيسي) وإلى مجرد مشغلين خاضعين (بأغلبهم من الأولاد) للأوائل. يخضع لهؤلاء المشغلين الخاضعين ما يمكن أن نسميهم المزودين، المسؤولين عن إحضار المواد الأولية اللازمة للصناعة. إلى جانب هاتين الطبقتين الكبيرتين لدينا عدد قليل من الأشخاص المسؤولين عن مراقبة كل المعدات الميكانيكية وإجراء التصليحات الضرورية، كالمهندسين والميكانيكيين والنجارين… هذه الطبقة هي أعلى من العمال، وبعضهم حصل على تعليم علمي، والبعض الآخر يمارس مهنة: يبقون خارج دائرة عمال المصنع، وهم ليسوا إلا محاذين لهم.

“عمل الآلة يتطلب أن يتفرغ العامل منذ وقت مبكر لهذا النوع من العمل، حتى يتمكن من تنظيم الحركة بشكل مستمر ومنتظم… السرعة التي يتعلم فيها الأولاد عمل الآلة يلغي الحاجة إلى فئة معينة من العمال لهذا النوع من العمل… التخصص الذي كان يتطلب أن تتحول حياة العامل إلى أداة مجزأة، أصبح الآن تخصصا حتى تخدم حياته أداة مجزأة. نسيء استخدام الآلة حتى نحول العامل نفسه، ومنذ طفولته، إلى جزء من آلة مجزأة. لا تنخفض فقط التكاليف اللازمة لإعادة انتاج حياته، ولكن في الوقت عينه تصبح تبعيته كاملة للمصنع، ككل هو جزء منه، وبالتالي للرأسمالي، حيث يتم استهلاكه.

“في المصنع وفي المهنة، يستخدم العامل كآلة؛ في المشغل، يكون هو الآلة. هنا، حركة أداة العمل تنطلق منه؛ وهنا، يجب أن يخضع لهذه الحركة. في المصنع، يشكل العمال أعضاء لآلية حية. في المشغل، هناك آلية ميتة، مستقلة عنهم، وهم بمثابة ملحقات حية لها… سهولة العمل نفسها تصبح أداة تعذيب، لأن الآلة نفسها لا تحرر العامل من العمل، إنما تحرم عمله من مضمونه… بالتحول إلى العمل الآلي، تكون أداة العمل بالنسبة للعامل، خلال العمل نفسه، مثل رأس المال، مثل العمل الميت، مسيطرة وممتصة لقوة العمل الحية.

“الفصل بين القوى الفكرية للانتاج عن العمل اليدوي، وتحويل الأولى إلى قوى هيمنة رأس المال على العمل، يكتمل، كما سبقت الإشارة، في الصناعة الكبيرة القائمة على الآلات. مهارة العامل التفصيلية، بمساعدة الآلة، تختفي وتصبح ملحقا غير مرئي، أمام العلم، والقوى الطبيعية المذهلة، وأمام العمل الاجتماعي الهائل الذي يتم داخل الآلة والذي يشكل إلى جانبها القوة السيدة. هذا السيد داخل عقله حيث الآلة والاحتكار الممارس عليها غير مفصولين، يمكنه أن يقول لعماله، في حالة النزاع، هذه الكلمات المحتقرة: “يجب على عمال المصنع أن يحافظوا على ذاكرة حية لحقيقة أن عملهم هو في الواقع أقل شأنا؛ وليس هناك ما يمكن تعلمه بسهولة أو أن يكون مدفوع الأجر على نحو أفضل، أو من خلال تدريب قصير مقدم إلى من هم أقل حبرة، يمكنهم أن يستوعبوه بسرعة. آلات السيد تمثل في الحقيقة عاملا أكثر أهمية للانتاج من عمل ومهارة العامل، ومن ستة أشهر تعليم، ومما يمكن لأي عامل أن يتعلمه”. (تقرير لجنة صندوق الدفاع عن أصحاب المغازل والمصانع، مانشستر، 1854)

“إن التبعية التقنية للعامل للمسيرة الموحدة لأداة العمل، والتكوين الخاص لعدد من العمال، المؤلفين من الجنسين ومن كل الأعمار، يخلق انضباطا عسكريا ويولد نظام المصانع؛ هنا، نرى وصول هذا التنظيم للمراقبة إلى أعلى درجات تطورها، وكما أشرنا سابقا، تقسيم العمال بين عمال يدويين وعمال مشرفين، إلى جنود عاديين ورتباء في الجيش الصناعي. الدكتور [أندرو] أور، المنشد الشاعري لحسنات نظام المصانع يقول عن ذلك: “إن الصعوبة الرئيسية في المصنع الميكانيكي، تتوقف على الانضباط اللازم لرفض السماح للرجال بعدم انتظام عملهم وملاءمتهم للانتظام غير المتغير للآلة الكبيرة. ابتكار ووضع موضع التنفيذ ناجح لقانون انضباط لتلبية حاجات وسرعة النظام الآلي كمؤسسة جديرة بهرقل”. ضمن نظام المصنع، الرأسمال يصيغ التشريع الخاص، وتحت إرادته، يمارس الاستبداد على العمال، دون الانشغال بمبدأ فصل السلطات، المبدأ العزيز جدا على قلب البرجوازية، ولا يهتم بالنظام التمثيلي التي تدافع عنه كثيرا. يتم استبدال سوط قائد العبيد بكتيب عقوبات مادية على شكل غرامات أو خصومات من الأجر”.

فريدريك إنجلز قال: “العبودية التي تتعرض لها البروليتاريا على يد البرجوازية لا تظهر بشكل واضح بمقدار ظهورها في المصانع. هنا تتوقف الحرية، بقوة القانون والواقع. يجب على العامل أن يكون في المصنع من الساعة 5 ونصف صباحا؛ إذا تأخر بضعة دقائق، فيعاقب؛ إذا تأخر 10 دقائق، فلن يسمحوا له بالدخول حتى الفطور ويخسر ربع راتبه اليومي. يجب أن يأكل ويشرب وينام عندما يطلب منه ذلك… الصانع هو المشرع المطلق. هو الذي يضع القوانين التي تعجبه؛ ويعدل قانونه ويضيف عليه ما يحلو له؛ ويدرج أحكاما فظيعة، والمحاكم لا تقول شيئا للعامل: “منذ كنت قد وافقت بكل حرية على هذا العقد، يجب أن تخضع له”. هؤلاء العمال أرغموا على العيش من عمر 9 سنوات وحتى مماتهم تحت سلطة روحية ومادية”. (حالة الطبقة العاملة في انكلترا، 1845).

“لنأخذ على سبيل المثال حالتين حصلتا في المحاكم. في شفيلد [المملكة المتحدة]، عام 1866، تم التعاقد مع عامل لمدة عامين في مصنع للصناعات المعدنية. وبعد خلاف مع صاحب المصنع، ترك المصنع، معلنا رفضه التام لمواصلة العمل لصالح مديره. فلوحق لخرقه بنود عقد العمل، وحكم عليه بالسجن لمدة شهرين. (إذا خرق صاحب المصنع العقد، فلا يمكن ملاحقته إلا أمام المحاكم المدنية، ولا يعاقب إلا بدفع التعويضات). ما إن خرج العامل من السجن، أمره صاحب المصنع بالعودة إلى العمل بموجب العقد القديم. فرفض العامل، قائلا إنه قضى مدة عقوبته. وجرت ملاحقته والحكم عليه من جديد، على الرغم من أحد القضاة، السيد شي، قد ندد علنا بالقضية محتجا على المبالغة القضائية، والتي بموجبها يمكن الحكم عليه بشكل دوري لمدى حياته لنفس الجنحة. هذا الحكم لم يتخذ من قبل قضاة ريفيين جاهلين، إنما من جانب إحدى أعلى المحاكم في لندن.

“الحالة الثانية حصلت في ويلتشاير [المملكة المتحدة]، في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1863. حوالي 30 عاملة في مصنع للنسيج يملكه رجل من عائلة هاروب، يصنعن فيه قماشا، بدأن إضرابا لأن هاروب اعتاد على الخصم من رواتبهن كلما وصلن بوقت متأخر في الصباح، بقيمة ستة بنس لكل دقيقتين تأخير، وشيلينغ لكل ثلاث دقائق، وشيلينغ وستة بنس لعشر دقائق: لكن معدل أجر هؤلاء العاملات كان حوالي 10 إلى 12 شيلينغ بالأسبوع. هاروب كلف ولدا صغيرا لقرع الجرس في الصباح؛ وهذا الأخير كان يقرعه في بعض الأحيان قبل الساعة السادسة، وبمجرد توقفه، تغلق الأبواب، والعاملات اللواتي لم يدخلن يصبحن عرضة للغرامة؛ وبما أنه لا يوجد ساعة داخل المصنع، فكانت العاملات تحت رحمة قارع الجرس، الذي يعمل بأوامر هاروب. بدأت العاملات إضرابا، أمهات وفتيات، وأعلن أنهن لن يعاودن العمل إلا في حال استبدل قارع الجرس بساعة، وأن تصبح الغرامات بمعدلات معقولة. فلاحق هاروب 19 عاملة أمام القضاء لإخلالهن بشروط العقد. وقد حكمت كل واحدة منهن بغرامة وقدرها ستة بنس و2 شيلينغ وستة بنس كتكاليف، في ظل إدانة الحضور. وقد لاحقت هاروب صفارات الجمهور المستهجن، عندما خرج من المحكمة”. الآثار المحزنة للتصنيع والصناعة الكبيرة كان العمال قد توقعوا حدوثها، كما يتضح من الترحيب الذي أبدوه عند كل ظرف للآلات الأولى:

“في القرن السابع عشر وقعت ثورات في كل أوروبا عند دخول آلة نسج الخيطان والقماش، التي جرى اختراعها في ألمانيا، وقد سميت بـ باندموهل أو بانستوهل. الأب لانشيلوتي ذكر في كتابه الذي ظهر في البندقية عام 1636: “أنطوان مولر، من دانزيغ، قد رأى في هذه المدينة منذ خمسين عاما (لانشيلوتي كتب كتابه عام 1579) آلة بارعة جدا، تنجز 4 إلى 6 أقمشة في وقت واحد؛ ولكن مجلس المدينة، خشي وقتها من أن هذا الاختراع سيدفع العديد من العمال إلى التسول، فمنع الاختراع وخُنِق أو أُغرِق المخترع”.

“عام 1629، الآلة نفسها استعملت للمرة الأولى في لايدن [هولندا]؛ فقام النساجون بأعمال شغب مجبرين البلدية على حظر استعمالها. قال بوكسهورن عن ذلك: “في هذه المدينة، أحدهم اخترع منذ عشرين عاما آلة نسيج يستطيع عامل واحد صناعة الكثير من القماش، وبطريقة سهلة جدا، فيما لو قام العديد من العمال بالعمل نفسه. بدأت المشاكل بين النساجين، حتى جرى منع استعمال هذه الآلة من قبل قاضي التحقيق”. بعد أن صدرت عدة قرارات تمنع استعمال هذه الآلة، عامي 1632 و1639… قررت السلطات العامة السماح باستعمالها، تحت شروط معينة، في 15 كانون الأول/ديسمبر عام 1661.

“جرى حظر استعمال هذه الآلة في كولونيا عام 1676؛ وأثار البدء بالعمل بها في انكلترا في الفترة نفسها الكثير من الاضطرابات بين النساجين. وصدر مرسوما امبراطوريا في 19 شباط/فبراير عام 1685 يحظر استخدامها في جميع أنحاء ألمانيا. في هامبورغ أحرقت علنا بأمر من مجلس المدينة. في شباط عام 1719 جدد الامبراطور شارل السادس مرسوم عام 1685؛ وبقي ذلك حتى عام 1765 حين سمح باستخدامها في ولاية سكسونيا.

“هذه الآلة التي خلقت الكثير من الضجة في العالم كانت الشرارة لاختراع الكثير من الآلات في صناعة النسيج والخيوط، خاصة خلال الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. وقد كان يمكن لصبي صغير لا يعرف شيئا عن مهنة النسيج، بأن يضع في المكان المناسب المكوكات، ويحرك ذراع التدوير ذهابا وإيابا، وتنسج لوحدها، بشكل متقن، 40 إلى 50 قطعة في وقت واحد.

“عند نهاية الثلث الأول من القرن السابع عشر، دمرت جموع من الناس طاحونة رياح التي أنشأها الهولنديون في ضواحي لندن. أيضا عند بداية القرن الثامن عشر، نجت طاحونة مياه بصعوبة في انكلترا من المقاومة الشعبية المدعومة من البرلمان. وعندما بنى إيفيريت عام 1758 أول آلة تعمل على حركة المياه لجز الصوف، فذهب مئة ألف رجل حُرِموا من عملهم بسببها وأحرقوها. وقدم خمسين ألف مواطن يعيشون من تمشيط الصوف عريضة إلى البرلمان ضد آلات أركرايت لتمشيط الصوف. تدمير العديد من الآلات في المناطق الصناعية الانكليزية، خلال بداية القرن التاسع عشر، قدم للحكومة الحجة لأن تصف ذلك بالعنف الرجعي.

“الأمر يتطلب بعض الوقت والتجربة قبل أن يوجه العمال هجماتهم، بعض أن علموا التمييز بين الآلة واستخدامها لصالح الرأسمالية، ليس ضد وسيلة الانتاج نفسها، إنما ضد الشكل الاجتماعي للاستغلال”.

هذه هي نتائج الآلات والصناعة الكبيرة على العمال. الأخيرون، بداية، طردوا بأعداد كبيرة من المصانع، وحلت مكانهم الآلة. العدد القليل من الذين استمروا في العمل تعرضوا للإذلال لأن أيديهم قد جردت من آخر وسيلة عمل، وسخروا لخدمة الآلة؛ يجب أن يتحملوا العبء المتزايد ليوم العمل؛ التخلي عن زوجاتهم وأولادهم، الذين/اللواتي باتوا وبتن عبيدا للرأسمال؛ وأخيرا، تحمل معاناة تفوق الوصف التي يولدها العمل المكثف المدفوع من الشغف المجنون بفائض القيمة الذي أغرى الرأسمالي خلال حقبة الصناعة الكبيرة. ولكن علماء الدين لم يفشلوا في التمجيد لرأس المال-الإله، عبر تفسير وتبرير كل شيء وفق ما يسمونه بـ “القوانين الأزلية”. بمواجهة الصرخة اليائسة للعمال المتعبين من الآلة، يجاوبون بالإعلان عن “قانون التعويض” الغريب من نوعه:

“دعمت كتيبة من الاقتصاديين البرجوازيين، مثل: جايمس ميل، ماك كولوخ، تورينس، سينيور، جون ستيوارت ميل…، فكرة أن الآلة، عندما تطرد العمال من المصنع، تجعل دائما متاحا، في وقت واحد وبالضرورة، لرأس المال إمكانية توفير فرص عمل جديدة لهؤلاء العمال أنفسهم.

“لنفترض أنه في مصنع للسجاد وظف رأسمالي 100 عامل، ويدفع لكل منهم أجرا سنويا بمقدار 30 جنيه استرليني؛ رأس المال المتحرك الذي صرفه يصل إذا إلى 3000 جنيه استرليني. فيصرف 50 عامل، ويوظف 50 عامل جديد لإدارة الآلات التي تكلفه 1500 جنيه استرليني. لتسهيل المثل، سأضع جانبا البناء والفحم… لنفترض أكثر أن المواد الأولية المستخدمة تكلف، كما كان من قبل، 3000 جنيه استرليني. من خلال هذا التحول، هل جرى تحقيق رأس المال المتاح؟ في النمط القديم للاستغلال، كان مجموع المبلغ المستخدم، كرأس مال ثابت ورأس مال متحرك، 6000 جنيه استرليني. اليوم يتألف من 4500 جنيه استرليني من رأس المال الثابت (3000 جنيه استرليني للمواد الأولية، و1500 جنيه استرليني للآلات)، و1500 جنيه استرليني من رأس المال المتحرك (أجور 50 عامل). العنصر المتحرك قد انخفض من نصف إلى ربع مجموع رأس المال. وبعيدا من جعله متاحا، نجد أن رأس المال المتألف من 1500 جنيه استرليني قد كف عن أن يكون تبادليا لقاء قوة العمل، أي تحوله من رأسمال متحرك إلى رأسمال ثابت. في المستقبل، مجموع رأس المال من 6000 جنيه استرليني لا يوظف أبدا أكثر من 50 عامل، إنما يوظف عددا أقل مع تطور للآلة.

“إذا كانت تكلفة الآلات الحديثة المستخدمة تبلغ مجموع قوة العمل المخفضة والوسائل التي كانت تستعملها، على سبيل المثال 1000 جنيه استرليني عوضا عن 1500، فسيتم تحويل رأسمال متحرك من 1000 جنيه استرليني إلى رأسمال ثابت، ورأسمال من 500 جنيه استرليني يصبح متاحا. هذا الأخير، وفي وقت بقي الأجر كما هو، يمكن أن يسمح بتشغيل حوالي 16 عامل، في حين جرى فصل 50 عامل، حتى يتمكن من تحويل ذلك إلى رأسمال، يجب أن يوظف جزء من الـ 500 جنيه استرليني المتاحة كرأسمال ثابت، وسائل عمل، ومواد أولية…، ولا يبقى إلا جزءا يمكن استخدامه، كرأسمال متحرك، لدفع قوة العمل.

“إن صناعة الآلة يوفر عملا لعدد معين من العمال الميكانيكيين الذين ما كانوا ليحصلوا عليه من دونها: ولكن هل ذلك هو تعويض لعمال مصنع السجاد الذين ألقي بهم في الشارع؟ في جميع الحالات، صناعة الآلة تتطلب عددا أقل من العمال من الذين طردوا. مبلغ الـ 1500 جنيه استرليني، الذي يعود إلى عمال المصنع المصروفين، لا يمثل سوى الأجور، ويمثل، بالنسبة إلى الآلة، ثلاثة عناصر مختلفة: القيمة الناتجة من وسائل الانتاج الضرورية للصناعة، وأجر العمال الميكانيكيين، وفائض القيمة التي وضعها صاحب العمل في جيبه. بالإضافة إلى ذلك، متى ما صنعت الآلة لن يتم تكرار صناعتها إلا متى تعطلت عن العمل، ولإشغال العمال الميكانيكيين بشكل دائم التي صنعوها، يجب أن تستبدل بقية المصانع، الواحد تلو الآخر، العمال بالآلات.

“ولكن منظري التعويض لا يريدون في الحقيقة الكلام عن توافر رأس المال الذي تكلمنا عنه للتو. فهم يسعون إلى أمر آخر: سبل العيش المرتبطة بالعمال المطرودين. في الواقع، لا يمكن أن ننكر، أنه في مثالنا، الآلة لم تجعل فقط من خمسين عامل “متاحين”، إنما أيضا كسرت العلاقة بين الأخيرين وسبل العيش بقيمة 1500 جنيه استرليني؛ سبل العيش هذه، التي لن يستهلكها العمال لأنهم فقدوا أجرهم، هي التي باتت “متاحة”.

هذا هو الواقع في قصتنا الحزينة! حرمان العامل من سبل عيشه، وجعل “متاحا” ما كان يجب أن يغذي العامل، هذا الأمر يسمى، بلغة الاقتصاديين، أن يتاح، بواسطة الآلة، لرأس المال المخصص لاستبدال العامل. نراه، يرتبط بطريقة التعبير عنه: من الممكن التغلب على الشر من خلال إعطائه أسماء أخرى”.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *