يجتمع العمال تحت خيمة نصبوها أمام المصنع، لكل واحد منهم حكايته مع المصنع لكن مصابهم واحد، فهم تبلغوا عبر “ليبان بوست” قرار صرفهم الذي نص على التالي:

“الشركة قررت إقفال مصنعها في منطقة القليعات في عكار إقفالاً نهائياً، لأسباب اقتصادية قاهرة، وبالتالي أنهت عقود العمل مع جميع أجرائها اعتباراً من 12/7/2010 مع حفظ حقوقهم القانونية كاملة، ويرجى من الجميع أخذ العلم بذلك والعمل بمقتضاه.”


يجتمع العمال تحت خيمة نصبوها أمام المصنع، لكل واحد منهم حكايته مع المصنع لكن مصابهم واحد، فهم تبلغوا عبر “ليبان بوست” قرار صرفهم الذي نص على التالي:

“الشركة قررت إقفال مصنعها في منطقة القليعات في عكار إقفالاً نهائياً، لأسباب اقتصادية قاهرة، وبالتالي أنهت عقود العمل مع جميع أجرائها اعتباراً من 12/7/2010 مع حفظ حقوقهم القانونية كاملة، ويرجى من الجميع أخذ العلم بذلك والعمل بمقتضاه.”

“يومها ولدى توجهنا إلى المصنع”، يقول أحد العمال: “تفاجأنا بوجود ما يقارب 120 عنصراً أمنياً تابعين لشركة “أمن المستقبل” التي تعود لشقيق صاحب المصنع عماد مخزومي منعونا من دخول المصنع. عندها نصبنا الخيمة وعلى مرأى من الحراس الذين كان بعضهم زملاء لنا في الشركة”.

المفارقة أن الشركة التي صرفت حوالي 160 عاملا ومستخدما ثابتاً لم تتردد في دفع أجور 120 حارس أمني. الهدف من المبيت أمام الشركة هو الحرص على منع إخراج البضائع من المصنع وتصفيته نهائياً، إذ يحق للعمال بموجب المادة 49 من قانون العمل حبس البضاعة التي صنعوها1. يؤكد مايز درويش، رئيس قسم الحمولة والمستودعات، وجود ما يساوي الـ9 مليون دولار من المواد الأوّلية المستعملة في الإنتاج وما يساوي الـ2 مليون دولار من البضاعة الجاهزة للتسليم داخل المصنع.

قرار تسريح العمال وقضم حقوقهم أدى إلى غضبهم. مصطفى حسين أحمد، من مواليد عام 1944، هو من أقدم عمال المصنع. عمل لعشرين سنة في زراعة الأرض التي كان يمتلكها اللواء عبد الكريم إبراهيم. ومع شراء فؤاد المخزومي للأرض وتشييده للمصنع عام 1994، انتقل مصطفى للعمل في الشركة. بعد 15 سنة من العمل بإخلاص تم وضع حد لخدمته مقابل تعويض زهيد لا يكفي لإعالة أولاده العشرة لأكثر من شهرين. يقول مصطفى “لقد عملت وضحّيت من أجل هذا المصنع فقد أصبت إصابة برجلي أقعدتني لفترة طويلة بعدها عاودت العمل على العكازات. كما أن أخي توفي هنا عندما سحقته ماكينة العمل منذ عدة سنوات”. يسكت مصطفى لدقائق وتدمع عيناه ويضيف “رغم ما فعله المخزومي، ما زلت أسقي الزرع في باحة المصنع، لن أدعه يموت لأنني أنا من زرعه”. يؤكد مصطفى على مضيه بالاعتصام إلى جانب زملائه في العمل “فنحن باقون حتى تحقيق كامل مطالبنا. لن نسمح بإخراج البضاعة ولو على أجسادنا وسنُرَمضن (قضاء شهر رمضان) هنا مع بعضنا البعض”.

أصحاب العمل بوجه العمال: انتهاكات بالجملة وقضم للحقوق

عدد الموظفين الثابتين في المصنع 160 عاملا وموظفاً وحوالي 250 عاملاً مياوماً. 80% من مجموع العمال من عكار لا سيما من البلدات المجاورة لبلدة القليعات حيث يقع المصنع وهي تعد من أفقر البلدات العكارية. بالنسبة للعمال المياومين، يتم تشغيلهم وصرفهم حسب الحاجة إليهم والبعض منهم استمر بالعمل طوال سنوات من دون ضمان أو حقوق من إجازات وضمان صحي واجتماعي وبدل نقل ومنح تعليم. بعد تأسيس نقابة عمال ومستخدمي المستقبل لصناعة الأنابيب (وهي اللجنة النقابية داخل المصنع) عام 1997 استطاعت إلزام الشركة بتسجيل العمال المياومين في الضمان وتنظيم عقود عمل محدودة المدة. إلاّ أنه في العام 2004 ابتكرت إدارة الشركة بدعة متعهد العمال واستقدمت المتعهد (شركة International Recruitment Company I.R.C) الذي حُوّلت إليه عقود العمال المؤقتين لديها وتم حرمانهم من مكتسباتهم ولم يبقَ لهم منها سوى الضمان الصحي كما تم حرمانهم من حق الانتساب إلى لنقابة في خطوة أرادت من خلالها الشركة إضعاف النقابة وتوجيه ضربة لوحدة العمال.

خلال الانتخابات لاختيار مجلس للنقابة عام 2007، تحدّى العمال المياومون قرار الشركة وشاركوا في الانتخابات. فما كان من الإدارة إلا أن فصلت رئيس النقابة وأمين الصندوق مع ثلاثة من أعضاء المجلس التنفيذي وسبعة عمال مياومين وثابتين صرفاً تعسفياً، بحجة انتمائهم لتيار المستقبل وتم الضغط على من تبقى من المجلس التنفيذي للنقابة لدفعهم إلى الاستقالة. وجرى تعيين أعضاء مجلس نقابي جديد من قبل الإدارة.

سياسة فصل العمال تعسفياً ليست بجديدة، ففي فرع الشركة المصري تمّ صرف 14 عاملاً بعد اتهامهم بتحريض العمال على الإضراب. كما أجبرت الإدارة بتاريخ 15 حزيران 2010

120 عاملا على الاستقالة مع إعطائهم مبالغ رمزية. ذلك بعدما قضوا في الشركة 11 عاماً، لمشاركتهم باعتصام طالبوا فيه بأجر عادل يوازي المخاطر التي يتعرَّضون لها في العمل. وقد نظم العمال اعتصاماً أمام السفارة اللبنانية في مصر طالبين منها التدخل من أجل إعادتهم إلى العمل.

أما في ما يتعلق بظروف العمل، فقد حُرِم العمال خلال السنوات العشر الماضية من الإجازات والعطل حتى أيام الأعياد الرسمية والعطلة الأسبوعية تحت التهديد بالاستغناء عنهم أو حرمانهم من المكافآت والزيادات السنوية والترقيات. ويشكو العمال من توقف الفحوصات الطبية الدورية والوقائية (خاصة صور للصدر وتخطيط للسمع) منذ عام 2004 على الرغم من مطالبات النقابة المستمرة بإعادة العمل بهذا الإجراء. وقد ظهرت بعض حالات الأمراض السرطانية لدى عدد من العمال نتيجة وجود مواد “الأبوكسي”، و“البروكسيد”، و“الميثلين”، و“أي بي دي” السامة، والتي تعد من المواد المحرّمة دوليًّا، حيث يتم استخدامها في صناعة أنابيب الـ”فايبرغلاس”. وكان عمال فرع الشركة في مصر قد اشتكوا من المواد الكيماوية المستخدمة في صناعة الأنابيب التي أدت إلى وفاة عدد منهم. كما يعاني العمال من إصابات أخرى منها أمراض في العمود الفقري نتيجة الوقوف الدائم وانتعال أحذية سلامة غير مطابقة للمواصفات بالإضافة إلى حمل أوزان ثقيلة. كما فقد عدد كبير من العمال جزءاً من سمعهم بنسبة تتعدى الـ40% بسبب الضجيج الناتج عن تشغيل الآلات.

لذلك ينحو عدد من العمال ومنهم رئيس النقابة عباس البضن إلى اعتبار أن هدف الإقفال ليس لـ”أسباب إقتصادية قاهرة” كما يدّعي المخزومي، بل للتخلص من العمال القدامى والذين تجاوزت أعمارهم 40 سنة وبخاصة من ظهرت عليهم آثار الأمراض السرطانية وغيرها، والتخلص أيضاً، من العمال الثابتين واستبدالهم بعمال مياومين “أقل تكلفة” لصاحب العمل عن طريق متعهد العمال، هذا وعلى الرغم من أن راتب العامل الثابت الذي تخطى 15 سنة من الخدمة لا يتجاوز 700 ألف ليرة لبنانية. يميل العمال إلى الاعتقاد بأن المخزومي سيعمد إلى إعادة تشغيل المصنع بشروطه هو بعد أن يقضي على مكتسبات العمال وحقهم بإنشاء نقابة إذ أن العمال المياومين سيمنعون، كما أسلفنا سابقًا، من الانتساب الى نقابة. وبالتالي فإن ادعاءات الخسارة حسب قول العمال المعتصمين في خيمة الحرية باطلة.

ادعاءات الخسارة باطلة بحسب العمال

بحسب بيانات الشركة التي جرى التصريح بها لوزارة العمل بعد تصديقها من وزارة المالية، يظهر أن الخسائر المتراكمة بين عامي 2005 و2009 تبلغ 8 مليارات ليرة، أي ما يوازي 1,06 مليون دولار سنويا. بناءً عليه عمدت الإدارة إلى إيقاف كل خطوط الإنتاج، وأطلقت عملية صرف جماعية بالتشاور مع وزارة العمل استناداً إلى الفقرة “و” من المادة 250 من قانون العمل.

يُجمع العمال على أن ادعاءات الخسارة باطلة وهم يستندون إلى عدد من المعطيات. فبحسب العمال، البيانات المالية التي قدمت للوزارة وضعها فريق المحاسبة في المصنع لتخفيف الضرائب على الأرباح، وهو أمر اعتادت الكثير من الشركات على فعله للتهرب من دفع الضرائب، مؤكدين أن الاستثمار لم يكن كبيراً، فالمصنع قام على مجموعة شركاء لديهم حصص، فيما أُعطيت الشركات التي قدّمت الآلات حصصاً في أسهم المصنع لسنوات معينة، ما لبث أن استحوذ مخزومي عليها شيئاً فشيئاً. كما أن المصنع شهد توسعاً مضطرداً على مدار السنوات الماضية. فقد بدأ بإنتاج مواسير الفايبر غلاس عام 1994. عام 1995، أضيف مصنع للبلاستيك والبولي-ايثلين. عام 1997 أنشئ مصنع لمواسير الخرسانة. ثم عام 1998 جرى افتتاح مصنعاً للحلقات المطاطية. طوال هذا الوقت وحتى تاريخ الإقفال لم يتوقف العمال عن الإنتاج وعلى مدار 24 ساعة يومياً بحيث قسّم دوام العمال إلى 3 رديات عمل. وترافقت زيادة الإنتاج مع تصحيح للأجور لحوالي 56 عاملاً وموظفاً. بالإضافة إلى منح مكافآت وعلاوات وزيادات سنوية للعمال وكان آخر هذه المكافآت في أول شهر أيار 2010، مع اعتراف إدارة الشركة كل مرة يتم منح فيها العلاوات بتحقيق الأرباح. وبحسب مصادر عمالية تبلغ القدرة الإنتاجية السنوية للمصنع 22 ألف طنا، يُصدَّر معظمه إلى دول الخليج حيث الطلب الأكبر. وبالتالي لا يعتمد المصنع إلاّ بجزء ضئيل على الاستهلاك المحلّي.

ويتساءل العمال عن مبرر شراء ماكينة بـ7 ملايين يورو قبل ستة أشهر من إقفال المصنع، وعن مبرر العمل الإضافي الذي استمرّ حتى آخر نيسان الماضي، إذا ما كان المصنع يخسر! يقول العمال أن ادعاءات الخسارة ليست بالجديدة فهي تعود إلى بدايات تأسيس الشركة رغم التوسع المضطرد الذي شهدته وانفتاحها على أسواق أكبر عبر السنين وزيادة الإنتاج بمعدلات كبيرة. فعندما فُتح المصنع في لبنان لم يكن لفؤاد المخزومي إلا مصنعا واحدا آخر في قطر سرعان ما أصبح يمتلك مجموعة «المستقبل للأنابيب» التي لديها 10 فروع كالآتي: مصنعان في الإمارات العربية المتحدة، مصنعان في الولايات المتحدة الأميركية، وواحد في كل من لبنان وعُمان وقطر وهولندا، ومصر والسعودية. وللشركة مراكز للمبيعات في تركيا وباكستان والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا وتايلاند وسنغافورة والمكسيك.

وزارة أرباب العمل

منذ بداية شهر أيار 2010 بدأ العمال يشعرون أن هناك ما يُدَبّر لهم. أحسوا أن سياسة الصرف التدريجي للعمال المياومين بأعداد كبيرة التي بدأت حينها ما هي إلا مقدمة لتصفية المصنع. صدق حدس العمال. إذ في شهر حزيران وتحديداً في 3-6-2010 تقدمت الشركة بطلب تشاور من وزارة العمل لإنهاء كافة العقود وإقفال المصنع متذرعة بالخسارة. تبين على أثر التشاور أن الشركة لا تنوي دفع أية تعويضات للعمال. وبعد انتهاء فترة التشاور دون التوصل لأي اتفاق، تقدّمت النقابة بطلب وساطة إلى وزارة العمل بتاريخ 5-7-2010. ورغم عدم انتهاء الوساطة، اتخذت الشركة قراراً أحادياً بإقفال المصنع وأنهت جميع العقود المبرمة معها في 12 تموز 2010 مخالفةً بذلك المادة “63” من قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم3. يقول بعض العمال أنه “ليس هناك من داعٍ لسؤال أصحاب الشركة عن قانونية تصرّفهم، لأن قانون الشركة وقانون العمل، مثل سائر الشركات، ليسا من صنع أهل “تل معيان” أو “تل حياة” أو “القليعات”، فهما صُمّما لحمايتهم. ولديهم ما يكفي من النفوذ للتحايل على أبسط حقوق العمال”.

لا يكتفي العمال باتهام قانون العمل وقوانين الشركة بالانحياز لأصحاب العمل، بل يعتبرون وزارة العمل نفسها وزارة لأصحاب العمل. فيدعو في المقابل رئيس النقابة عباس البضن لاستحداث وزارة جديدة للعمال. تواطؤ وزارة العمل كان واضحاً من البداية. ففي لقاء للعمال مع وزير العمل بطرس حرب قال لهم بصريح العبارة: “هيدا مخزومي ما منقدر نعملّو شي”! كما يسرد البعض عدة وقائع تعبر عن انحياز الوزارة لغير مصلحة العمال معتمدةً سياسة التجاهل والتضليل. فمن اللحظة التي عمدت فيها الشركة للتشاور مع وزارة العمل بهدف الإقفال وإنهاء العقود، لم يتم اتباع الأصول القانونية وأهمها التحقيق في مزاعم الشركة بالخسائر. أما مع انتهاء مهلة التشاور وتقدم النقابة بطلب الوساطة كان يفترض بالوسيط حسب نص القانون أن يُحَدَّد خلال 24 ساعة موعدا لأول جلسة وتبليغه للطرفين، إلا أنه لم يلتزم بالمهلة القانونية وتم تجاهل الطلب. وبعد مراجعة وزارة العمل من قبل النقابة، حدد الوسيط أول موعد للجلسة بين الطرفين في 23-7-2010. لكن حتى قبل بدء الجلسة أوعز الوسيط إلى النقابة بأن طلب الوساطة لا تنطبق عليه شروط النزاع الجماعي و“نصحها” بالمسارعة لتقديم استحضارات فردية لدى مجلس العمل التحكيمي لحفظ الحق بتعويض الصرف التعسفي مُتخذاً بالتالي صفة القاضي متجاهلاً القوانين التي تحدد مهمته.

على الرغم من انتهاء الوساطة ورفع العمال لدعاوى فردية أمام مجلس العمل التحكيمي إلا أنهم سيستمرون بالاعتصام مطالبين بإلغاء قرار الصرف والإقفال وإعادة تشغيل المصنع لأن الصرف ليس له مقومات الصرف الإقتصادي. كما يطالبون بدفع رواتبهم ومستحقاتهم كاملة مع الفوائد والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة قرار الصرف الذي جاء مخالفاً للمادة 63 من قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم. كما يطالب العمال باتخاذ التدابير اللازمة بحق الوسيط الذي تآمر على العمال وانحاز الى أصحاب العمل.

“أبو عبد اللطيف والاتحاد العمالي العام اللطيف”

عندما توجه وفد من العمال لمقابلة رئيس الاتحاد العمالي العام لشرح قضيتهم بادرهم بالقول “يا شباب خليكم أبو عبد اللطيف”! بمعنى أنه لا داعي للتصعيد. يتساءل العمال اليوم عن مصيرهم لو كانوا قد التزموا بقول غصن. فالآن على الأقل، نتيجة حركتهم المتجهة نحو التصعيد وجدت قضيتهم طريقها إلى الإعلام وعرفت بها بعض القوى التي سارعت الى إعلان تضامنها ووضع إمكانياتها بتصرفهم. كما أعلنت نقابات عدة في لبنان تضامنها مع العمال منها نقابة موظفي وعمال شركة الترابة اللبنانية “هولسيم” واتحاد نقابات عمال البناء والأخشاب ونقابة مستخدمي وعمال البناء والأخشاب في الجنوب والاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين واتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية للنقل البري. كما أعلن قياديون عماليون ونقابات تضامنها مع عمال أنابيب المستقبل في كل من بريطانيا وباكستان وتركيا وكوريا الجنوبية وفرنسا. كما ينسّق عمال المصنع في فرعي لبنان ومصر خطوات نضالية مشتركة.

لقد وعى العمال أهمية التضامن العمالي المحلي والعابر للحدود. ففي إحدى النقاشات مع عمال أنابيب المستقبل انبرى أحد العمال قائلاً: إدارة شركات المستقبل لصناعة الأنابيب في العالم متشابهة بالممارسات مع عمالها الذين اعطوا حياتهم لتحقيق أرباح خيالية. هنا في لبنان في مصنع الأنابيب في عكار نعاني مثل أهلنا في مصر من ظلم أرباب العمل لعمالهم. فمن مِنَا طفله ليس بحاجة للحليب، من من أبناء العمال المصروفين في مصر أو في لبنان ليس بتلميذ يحلم بمتابعة دروسه؟”

إن العديد من العمال على قناعة أن وضوح الرؤية المقترنة بأشكال نضالية على الأرض هما الكفيلان بإفشال مشروع عصابة أصحاب العمل. ووحدها التجمعات واللقاءات والاعتصامات المستمرة هي الكفيلة بخلق أوسع حالة تضامن تجبر بيروقراطية الاتحاد العمالي إلى تبني موقف فعلي إلى جانب نضال العمال. فالموقف الوحيد الذي صدر عن الاتحاد إلى حين كتابة هذه السطور هو الموقف الذي صدر خلال المؤتمر الصحفي اليتيم الذي دعا إليه الاتحاد حين أعلن غصن “تأييد الاتحاد العمالي العام للتحرك الذي يقوم به المستخدمون والعمال في مصنع شركة أنابيب المستقبل لتحقيق مطالبهم المحقة” لكن هذا التأييد بقي على المستوى الكلامي ولم يترجم أفعالاً. لكن هذا ليس بالأمر المفاجئ. فخلال تجربة العمال النضالية خارج الاتحاد العمالي العام يُظهِر للعلن مدى الفراغ النقابي الحاصل في هذا الاتحاد وهيمنة البيروقراطية النقابية على كل مجريات الشأن النقابي وتحكمها بكل سلطة القرار وارتباط هذه المنظمة بالدولة و“ملاطفتها” لها ووضعها في خدمة الانقسامات السياسية. كلها عوامل أفقدت هذه المنظمة صفتها كممثل نقابي للأجراء وجعلتها تكفّ عن أن تكون إطاراً لعمل نقابي مستقل وديمقراطي ومناضل.

التجربة النضالية التي يخوضها العمال والمستخدمين في مصنع أنابيب المستقبل تُعد نقلة نوعية بشكل الاحتجاج العمالي في لبنان التي اعتدناها قصيرة الأمد والنفس. فعمال الأنابيب واعون إلى أن الاستمرار بالاعتصام والتظاهر المستمر هو الكفيل بإعادة حقوقهم. فحقوقهم لن تُقَدِّم لهم على طبق من ذهب، بل عليهم النضال من أجل انتزاعها. لكن العمال لم يكتفوا بالاعتصام بل استعملوا قوتهم الإقتصادية عبر حجز البضاعة داخل المصنع لمنع أصحاب العمل من تصفيته. أما على مستوى المطالب لم يكتف العمال بالمطالبة بتعويضات صرف بل يطالبون بإعادة تشغيل المصنع وبعودة المصروفين. كما برهنت نقابة عمال المصنع عن درجة عالية من احترام العمال والالتزام بأسس الديموقراطية عبر تنظيمها لاجتماعات عامة دورية للعمال المعتصمين يتم خلالها تقييم الوضع ومناقشة الخطوات المقبلة مع الأخذ باقتراحات العمال. كما لمس العمال أهمية التشبيك مع نقابات في لبنان وخارجه ومراكز حقوقية وعمالية وقوى سياسية من أجل خلق بيئة داعمة وحاضنة للعمال وضاغطة على أصحاب العمل.

إن تجربة عمال مصنع أنابيب المستقبل تجربة رائدة يجب أن تحظى بأقصى الدعم من قبل كل القوى المفترض أن تتضامن مع قضايا العمال والكادحين، ولا سيما من جانب كل القوى اليسارية والديمقراطية في البلد التي لا تزال بمعظمها إلى الآن غائبة عن قصد أو عن غير قصد عن هذه المعركة الأساسية والتي من الممكن، إن تم دعمها بالشكل الكافي، أن تؤسس لمرحلة جديدة من نضال الطبقة العاملة في لبنان.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *