الاعتقال إبّان الحركات الثورية من قبل الفروع الأمنية هو محاولة لتجريد الإنسان من حريته بالدرجة الأولى والضغط على المعتقل للاعتراف بمجموعة من الأقوال التي تدين المعتقل، والتي تجبره على إفشاء أسرار أو معلومات حول النشاط الذي يقوم به. ولسنا ها بصدد تعريف الاعتقال أو شرح الأوجه السيكولوجية والفيزيولوجية له، ولكن هي محاولة لنقل أو توصيل مجموعة من النتائج التي بُنيت على تجربة اعتقال طويلة نسبياً لدى الفروع الأمنية وعلى الإنصات لتجارب العديد من الناشطين الذين تحدثوا عن تجربة اعتقالهم. وقد لا تكون هذه النتائج بالضرورة صحيحة وقد تختلف من حالة إلى أخرى، ولكنه جهد من الممكن الاستئناس به.

الاعتقال إبّان الحركات الثورية من قبل الفروع الأمنية هو محاولة لتجريد الإنسان من حريته بالدرجة الأولى والضغط على المعتقل للاعتراف بمجموعة من الأقوال التي تدين المعتقل، والتي تجبره على إفشاء أسرار أو معلومات حول النشاط الذي يقوم به. ولسنا ها بصدد تعريف الاعتقال أو شرح الأوجه السيكولوجية والفيزيولوجية له، ولكن هي محاولة لنقل أو توصيل مجموعة من النتائج التي بُنيت على تجربة اعتقال طويلة نسبياً لدى الفروع الأمنية وعلى الإنصات لتجارب العديد من الناشطين الذين تحدثوا عن تجربة اعتقالهم. وقد لا تكون هذه النتائج بالضرورة صحيحة وقد تختلف من حالة إلى أخرى، ولكنه جهد من الممكن الاستئناس به. وقد ارتأيت أن أنقل هذه التجربة نتيجة الأخطاء الكثيرة التي يقع فيها الناشطون أو المتظاهرون أثناء اعترافهم لعدم درايتهم بظروف الاعتقال، وهذه أخطاء لا يمكن أن نلومهم عليها لأنّ ظروف الاعتقال وخصوصاً في سورية هي ظروف تفوق احتمال الانسان العادي. وأرجو أن تكون هذه النتائج مفيدة للناشطين في حال تعرضهم للاعتقال مع التمني بأن لا يتعرض أي ناشط لهذه التجربة وأن يتسلح بالحذر والحيطة والفطنة دائما لتجنب الوقوع فيها الضغط النفسي وطرق التعذيب

أولاً الخوف… الخطيئة الأولى
تقوم فكرة الفروع الأمنية على التخويف والترهيب، وخصوصاً أثناء فترة التحقيق، لأنها الوسيلة الأجدى من وجهة نظر هذه الفروع ولأنها لا تمتلك إلا هذه الوسيلة، وبناءً على هذه الفكرة فهي تستخدم جميع الوسائل لتخويف وإرهاب الناشط أو الثوري، فمنذ اللحظة الولى يقوم عناصر الأمن بتقييد المعتقل وتطميشه (وضع قطعة قماش عتلى عينيه) يرافق ذلك ضرب متواصل وشديد ومن ثم يوضع في سيارة أو باص بطريقة الحشر والحشو ليشعروه أنه مقتاد إلى المجهول أو أنه ذاهب إلى الجحيم، وليشعروه أن لا قيمة له، وأنه من الممكن التضحية به على أهون سبب، وقد يكون ذلك صحيحاً قبل الاعتقال، ولكن ما أن يتم الاعتقال حتى يكتسب المعتقل أهمية كبيرة وهذه حقيقة يجب ألا تغيب عن المعتقل، وعلى هذا يجب عليه ألا يفقد رشده بسبب الخوف وأن يظل محافظاً على رباطة جأشه، بالطبع قد يبدو هذا الكلام نظرياً ولكن ما أن يتخطى المعتقل هذه اللحظات العصيبة دون أن ينهار حتى تصبح جميع المراحل التالية أقل خطورة. ولا أعرف حقيقةً طريقة معينة للتعامل مع الضرب، إلا أنني أكاد أجزم أن الشعور بالمهانة والذل هو الأكثر إيلاماً من الضرب بحد ذاته لأن الجسد أثناء الضرب يكون في مرحلة خدر، لذا لا بدّ من التخلص من هذا الشعور والتفكير بشيء ما مختلف تماماً. أذكر مثلاً أنه في اللحظة التي اقتدت فيها إلى مبنى الفرع الأمني كنت أحاول أن أعرف تضاريس المكان وأستشعر أبعاده وعرفت حينها أنني في فرع أمني على تخوم مدينة دمشق، وإن لم تخني الذاكرة فقد كانت رائحة شجر السرو طاغية وثمة هواء منعش وهذا ما بعث نوعاً من الطمأنينة في داخلي لأنني تكهنت بالمكان الذي اقتدت إليه

عدم التفكير بسؤال: ماذا سيحدث لي؟
هذا السؤال يولد خوفاً وقلقاً كبيرين وبالتالي ضغطاً نفسياً أكبر من الممكن أن يعُرض المعتقل للانهيار والاعتراف بالكثير من الأشياء التي يعرفها والتي لا يعرفها! وبالتالي على المعتقل ألا يفكر بهذا السؤال، لأن ما سيحدث سيحدث ومن غير المجدي التفكير فيه وهو في الغالب متوقع، وعليه أن يتعامل مع الحاضر دائماً وألا يفكر كثيراً في المستقبل أو الماضي أو أن يشعر بالسوء نتيجة اعتقاله لأن كل ذلك غير مجدي، وعليه أن يتعلم كيفية التعامل مع المكان الجديد بأسرع وقت ممكن

ثانياً : علبة الكبريت القذرة هي منزلي الجديد
بعد الاعتقال يقتاد المعتقل إلى ديوان الفرع حيث تأخذ معلومات حول سكنه وعمله…. إلخ وغالباً ما يترك فيها المعتقل في ممر يكون عرضة للضرب من العديد من عناصر الفرع الأمني، وهي استمرار لحالة الضغط والترهيب. وثمة طريقة متبعة في الفروع الأمنية وهي ما يسمونه (الاستضافة)، حيث يلقى المعتقل على الأرض وهو مطمش ومقيد ومن ثم يوضع عليه غطاء (بطانية) ويظل في إحدى الممرات لمدة ثلاثة أيام. ولعل وسيلة التعذيب هذه أحد أشد أنواع التعذيب قسوة، لأن المعتقل لا يعرف أين هو وما هو مصيره، ومن ثم تواجده بهذه الطريقة المذلة والقاسية سيوصله إلى حالة نفسية سيئة وستدفعه إلى الانهيار. ولكن على المعتقل أن يعرف أن هذه المدة لن تطول وأنها لن تتجاوز الثلاثة أيام بعدها سيحوّل إلى الزنزانة، وعليه أن يشغل نفسه خلال تلك الفترة بمحاولة التعرف عن طريق حواسه على السجن وعلى السجانة…أسمائهم…. عاداتهم … إلخ

تكون الزنزانة هي المحطة الثانية للمعتقل أو منزله الجديد، والزنزانة هي الوسيلة الثانية للضغط على المعتقل وقد تختلف أحجامها أو شروطها السيئة التي تدفع المعتقل إلى شعور مرير بالاغتراب، وبالتالي على المعتقل أن يجد طرق تواصل مع الزنزانة وأن يخلق جو من الألفة فيها ولعل أحد الطرق الرئيسية في خلق شعور بالألفة هو التعرف على المعتقلين السابقين والاستفادة من تجربتهم والاطلاع على قوانين السجن في الفرع الأمني والتعرف على عادات السجانين والمحققين، ولا شك أن تجربة المعتقلين القدامى تفيد كثيراً في الشعور بالألفة مع الزنزانة. وإذا كان المعتقل في زنزانة منفردة يجب عليه ألا يفكر كثيراً فريما سيحدث كما أسلفت وخصوصاً في اللحظات الأولى لدخوله الزنزانة، بل عليه أن يخلد إلى الراحة إن أمكنه ذلك. وفي الأيام اللاحقة يجب عليه أن يمارس العديد من النشاطات التي تزجي الوقت ويجب أن يبتكرها ابتكاراً … أذكر مثلاً: أنني كنت أقوم بلعب الرياضة في مكاني وكان أحد الأصدقاء يقوم بسرد القصص وثمة صديق آخر استطاع أن يبتكر لعبة تشبه لعبة الداما. وبهذه الطريقة يمر الوقت دون الشعور بوطأته الثقيلة التي تزيد من الضغط النفسي على المعتقل. وثمة العديد من القواعد أو الأنظمة التي يجب أن يعرفها المعتقل والتي تختلف شدتها من فرع إلى آخر

أولاً: بمجرد أن يدخل المعتقل إلى الفرع عليه أن يخلع ثيابه ليصبح عارياً تماماً ومن ثم يأخذ (وضع) ويعني ذلك أن يقرفص ومن ثم ينهض إلى الأعلى ومن ثم يقرفص مرة أخرى وذلك عدة مرات، وهو إجراء ليتأكد السجان بأن المعتقل لا يخفي شيئاً ما في جسده أو تحت ثيابه

ثانياً: على المعتقل ألا ينظر إلى السجان، وإذا نظر إلى السجان ينهال عليه بالضرب، وعليه أن يتذكر هذه القاعدة لكي يتجنب الإهانة

ثالثاً: يخرج المعتقل إلى الحمام ثلاث مرات في اليوم وتتراوح المدة التي يجب أن يقضيها هناك بين 10 ثواني و 30 ثانية

رابعاً: لكل سجن مجموعة من القوانين التي من الممكن أن تزيد مدة بقاء المعتقل ومنها الثرثرة والتي تصل عقوبتها إلى شهر وهي وسيلة غالباً ما يستخدمها الفرع الأمني لإطالة بقاء المعتقل وخاصة بعد رفع حالة الطوارئ

عدم التفكير بسؤال: متى سأخرج؟
لعل هذا السؤال هو الأكثر إلحاحاً على المعتقل، والذي يزيد من شعوره بالإحباط ويشل تفكيره ويجعله عرضة للقلق والتوتر وبالتالي يفكر بجميع الحلول التي تدفعه للخروج خارج الزنزانة، وهذا ما سيستغله المحقق في السجن ويساوم عليه لدفع المعتقل للاعتراف مقابل خروجه… وفي مرحلة ما قد يكون المعتقل في حالة نفسية تدفعه لتصديق هذه الخدعة الماكرة. وعلى المعتقل أن يعرف أن الفرع الأمني يمتلك مدة قانونية لبقائه عقب رفع حالة الطوارئ وهي 60 يوماً، ومن الممكن أن تطول الفترة أكثر عن طريق العقوبات كما أسلفت… أو بالتلاعب بتواريخ الدخول لذا على المعتقل أن يفكر بالفترة الأطول لبقائه في المعتقل والتي من الممكن أن تستمر لثلاثة أشهر

ثالثاً: صوت التعذيب أقسى أنواع التعذيب
تستخدم الفروع الأمنية أحد أقسى أنواع التعذيب وهي إسماع المعتقلين أصوات تعذيب من يحقق معهم وغالباً ما تصمم الزنزانات بطريقة توصل أصوات التعذيب، وهذه الطريقة تجعل المعتقل يعيش في حالة رعب حقيقي لأنه يتوقع نفسه أن يكون التالي، وتجعله يشعر بهول التجربة وتدفعه في كثير من الأحيان إلى فقدان رشده. وغالبا ما يترك المعتقل عدة أيام ليستمع إلى أصوات التعذيب، مما يضخم حالة الخوف من التعذيب ويعطيها ألم أكثر من الألم الحقيقي الذي يرافق التعذيب. وبعد عدة أيام يكون المعتقل بحالة نفسية رديئة تدفعه إلى الاعتراف الفوري ما أن يتم تهديده بالضرب أو ما أن يضرب، عدة ضربات فينهار ويعترف بأشياء قد لا يكون ارتكبها ولعل الوسيلة الأجدى لمقاومة وسيلة التعذيب هذه هي تجاهل صوت التعذيب والانشغال بأشياء أخرى ومن أجدى الوسائل لمقاومة صوت التعذيب هي الضحك…. خلال فترة إعتقالي كان الضحك هو الوسيلة الأجدى لمقاومة الضغط النفسي، وأكاد أجزم أنه في كل معتقل ثمة رجل ذو ظل خفيف مرح وصاحب نكتة، ومن الضروري التواصل مع هؤلاء الأشخاص والانخراط معهم في جو المرح. أذكر أن شاباً كان يستمع إلى صوت التعذيب دائماً ويحاول أن يعرف من يعذب وكان يرى أنه بتعذيب نفسه إنما يتضامن مع من يتعذب، في اليوم الثالث كان يضرب رأسه في الحائط بسبب التوتر والإحباط وكان على إستعداد بأن يعترف بأشياء لم يقم بها مقابل الخروج من الزنزانة

وسائل التعذيب التقليدية
لعل الجميع يعرف وسائل التعذيب التقليدية، ولقد اختلفت هذه الوسائل عن فترة السبعينات والثمانينات التي استخدمت أكثر أنواع التعذيب وحشية… ولم تختلف هذه الوسائل إلا بسبب الضغط الهائل على الفروع الأمنية من قبل الشارع وكثرة عدد المعتقلين مما أدى إلى تخفيف وحشية أساليب التعذيب ومن هذه الأساليب:
الجلد: وهو إما على القدمين أو على الضهر، وأعتقد أن الجلد على الضهر أو القدمين لا يتجاوز 20 ضربة إن تحملها المعتقل يرجع إلى الزنزانة. ولعل القدمين والظهر هما من أكثر أجزاء الجسم تحملاً وعلى المعتقل أن يدرك أن الألم الذي سياعنيه سيكون ألماً آنياً سيتلاشى مساء اليوم الذي سينتهي فيه التحقيق

الدولاب: وهي وسيلة يمزج فيها الضرب على القدمين والرجلين، عن طريق وضع .المعتقل في دولاب بطريقة معينة

الكهرباء: يستخدم حالياً في الفروع الأمنية عصي الكهرباء لتعذيب المعتقلين، والحقيقة أن صيت الكهرباء مخيف أكثر من ألمها

الشبْح: وهي أقسى أنواع التعذيب. يقيد المعتقل إلى شيء مرتفع ويترك لساعات طويلة تتجاوز 10 ساعات، وحقيقة تكاد هذه الوسيلة تكون أقسى أنواع التعذيب ولكن من الممكن التغلب عليها…سأكرر مرة أخرى أنه ثمة أشياء من الممكن التفكير فيها أثناء التعذيب تخفف الألم. قد تكون ذكرى ما… أشخاص نحبهم…. ربما أشياء إيمانية كالصلوات…. كل هذا إن كان حاضرا وفكرنا به سيكون مخففاً. أذكر أنني عندما تعرضت للشبح كنت أقيم حواراً مع العديد من الشخاص الذين أحبهم…أو كنت أحاول أن أنسج .قصة ما… إلخ وهذه الوسائل هي طرق تثير الألم الذي سيزول بعد عدة أيام أو أحيانا في اليوم نفسه، والأقسى هو العذاب النفسي الذي يعول عليه المحقق، وكما أسلفت لا يمكن التعامل مع هذه الطرق إلا بالتخلص من الشعور بالمهانة والذل ومحاولة، التفكير بشيء آخر أثناء التعذيب

أشياء من الممكن أن تخفف شدة التعذيب
إظهار الخوف الشديد
على المعتقل أن يتظاهر بالخوف الشديد دائماً ذلك يخفف من شدة التعذيب كما يعطي شعور للمحقق والسجان بالتفوق والغلبة مما يجعله أقل توتراً وأقل وحشية، وإن أحد أكثر الأشياء التي تثيرر المحقق والسجان هي عدم إظهار الألم وهذا غير مطلوب أبداً وهو نوع من التحدي غير المبرر الصراخ المتواصل بأقصى ما يستطيع المعتقل وذلك أثناء التعذيب فهذا يرسخ فكرة الخوف ويربك المحقق والسجان

أساليب التحقيق وطريقة تصرف المعتقل
أعود وأقول أن هذا الدليل ليس دراسة نفسية ولكنه محاولة لنقل تجربة إلى الأصدقاء الناشطين، وربما يحتاج هذا الموضوع إلى بحث ودراسة لا يسعنا في هذه الظروف التفرغ لها، ومن الممكن أن تتصدى جهة ما للقيام بذلك

أولاً: الاعتراف هو الخطيئة الثانية
على المعتقل أن يعرف أنه سيتعرض لتعذيب سواء اعترف أم لم يعترف إن الهدف الأول للتحقيق هو نزع اعتراف سواء كان الشخص متورطا أم غير متورط، وفي سبيل ذلك تستخدم كل أنواع التعذيب، وبالتالي ينصب إهتمام المحقق على انتزاع ذلك الاعتراف. وعلى المعتقل أن يدرك أنه بمجرد اعترافه لن يتخلص من التحقيق بل سيدفعه إلى التورط أكثر، لأن الاعتراف سيفتح شهية المحقق لطلب المزيد. فمثلاً إن إعترف المعتقل أنه كان في مظاهرة فسيطلب منه المحقق أن يعترف عن أسماء المشاركين في المظاهرة عن مموليهم وعن أهدافهم…. إلخ وكل ذلك سيزيد من فترة الاعتقال. إن لدى كل فرع أمني نظام معين. فترة زمنية تفرد لكل معتقل يتم من خلالها التحقيق معه وذلك كما أسلفت بسبب الضغط، وقد تختلف هذه الفترة من فرع إلى آخر ومهما كانت التهم الموجهة إلى المعتقل فإن فترة التحقيق قد لا تتجاوز 10 أيام ومن بعدها إن لم يعترف فإنه يخلى سبيله… وهذه ليست قاعدة وتعود إلى درجة اقتناع المحقق بأهمية المعتقل والأدلة التي أمسكت معه لذا إذا كانت الأدلة تدين المعتقل ولم يستطع تحمل التعذيب لا بد من وجود خطة بديلة

ثانياً: الخطة البديلة
إن الأساس هو عدم الاعتراف تحت أي ظرف، حتى ولو كانت الأدلة جميعها ضد المعتقل، إلا أن المعتقل قد يجد نفسه غير قادر على تحمل التعذيب، لذا لا بدّ من خطة تحضر مسبقا قبل الاعتقال غالبا ما يقوم محقق معين بالتحقيق مع المعتقل ويوجد إلى جانبه سجان يقوم بالتعذيب، وهناك كاتب يقوم بتسجيل اعترافات المعتقل، ويقوم هذا الكاتب بتسجيل أدق التفاصيل حتى التنهد. ويتوقع أن جلسات التحقيق تصور لأن بعض المعتقلين كانوا يقولون أنهم على استعداد لأن يوقعوا على صفحات فارغة لكن جميع المحققين كانوا يرفضون، وبناءً على ذلك فإن الخطة البديلة يجب أن تكون دقيقة متماسكة وألا تختلف في كل مرة يعاد فيها التحقيق هذه الخطة يجب أن تقوم على الاعتراف على أشخاص لا يمكن الوصول إليهم، أو إعطاء معلومات حقيقية ولكنها لا تدين أحداً وبالطبع كل ناشط أقدر على تحديد خطته البديلة والتي من الممكن أن تخفف عنه الضرب والتعذيب، ولكن أعود وأكرر أن الأساس هو عدم الاعتراف تحت أي ظرف من الممكن إعطاء أسماء شهداء، أو أسماء ناشطين متوارين خارج البلد أو إعطاء معلومات حول تحركات معلنة أو ستعلن ….إلخ

ثالثاً: إقناع المحقق بأنني أبله
إن أحد أكثر الأشياء التي تثير حفيظة المحقق هو أن يكون المعتقل شخص ذكي، وهذا ما يدفعه للضغط عليه أكثر، لذا على المعتقل أن يشعر المحقق بأنه شخص أبله غبي وأن يجيبه بطريقة تنم عن غباء وعدم فهم طبيعة الحراك في الشارع وأن المعتقل مغرر به… وأنه ضحية صدفة ما أو تجربة ما أدت به إلى التورط في الاعتقال…وهذه أيضا ليست قاعدة ولكن تعتمد على فهم نفسية المحقق ومن الممكن فهم نفسية المحقق عن طريق الكثير من التفاصيل مثلاً هل يضرب بنفسه أم يقوم السجان بالضرب, هل يثرثر كثيراً أم يضل صامتاً في انتظار أن تجيب على الأسئلة وكل محقق يعتمد طريقة أو أسلوب في التحقيق سأتحدث عنها لاحقاً تفيد في فهم شخصية المحقق

رابعاً: الشجاعة الخطيئة الثالثة
إن ما يقوم به الناشطون في هذه الثورة يتطلب شجاعة كبيرة، ولكن هذه الشجاعة غير مطلوبة داخل المعتقل، وهي من أشد ما يستفز المحقق والسجان الذي يقوم بالتعذيب، وأنا أقدّر أن بعض الأشخاص تدفعهم عزة نفسهم لأن يقوموا بتحدي السجان أو المحقق وهذا ليس مهماً لأن الأصل أن يخرج من المعتقل من السجن، وشجاعته مثبتة ولا حاجة لأن تثبت، لذا يجب أن يكبح عزة نفسه وأن يظهر الخوف الشديد للمحقق وللسجان، وهذا ما يدفعهما إلى تخفيف التعذيب أو الضغط النفسي

خامساً: أنت ستموت في هذا السجن ولن تخرج
لن ييفوت المحقق أسلوباً للضغط على المعتقل وأكثر هذه الأساليب شيوعا والتي تندرج ضمن فكرة التخويف هو تهديده المستمر بأنه سيبقى في السجن ولن يخرج أبدا،ً وهذا ليس صحيحاً وعلى المعتقل أن يدرك أنه مهما طالت فترة الاعتقال فإنه في النهاية سيخرج، ومن ثم سيستخدم المحقق جميع الوسائل النفسية للضغط عليه كأن يهدده بعائلته وبطرده من عمله ومحاكمته لسنين طويلة …. إلخ… وكل ذلك ما هو إلا نوع من أنواع الضغط النفسي على المعتقل

سادساً: الشد والرخي
لعبة عض الأصابع
سيتعرض المعتقل أثناء التحقيق معه لأكثر من محقق وسيستخدم معه أكثر من أسلوب ويعود ذلك إلى المحقق ورتبته والكثير من العوامل الخرى، وهناك أنواع للمحققين أو الأساليب التي يستخدمونها وعلى المعتقل أن يعي أنها لعبة عض أصابع ومن سيصرخ قبل من هو الخاسر

التحقيق الصارم
أول أساليب التحقيق التي سيتعرض لها المعتقل هي الضغط المتواصل الذي لا يتيح له إلتقاط أنفاسه، وذلك عن طريق استخدام كافة وسائل الضغط من الأسئلة المتكررة والسريعة التي يترافق معها التعذيب المتواصل بشتى أنواعه وغالبا ما يكون المحقق صارم أيضا ودموي ويقوم بالضرب والتعذيب بنفسه

التحقيق المتساهل
بعدها قد يُعرض المعتقل إلى محقق يكون إلى درجة ما لطيفا متساهلاً يشعرك أنك صديقه ويدفعك للوثوق به، وفي كثير من الأحيان ما يلعب على فكرة أنه غير راض عمّا حدث للمعتقل، وأنه يجب أن يتحدث معه من رجل إلى رجل أو أنه مقتنع بمطالب المعتقل وأنه هنا ليساعده، وغالباً ما يشعر المعتقل بالراحة لهذا المحقق ويشعر بأنه محل ثقة فيزلق بمعلومة ما تدفعه للتورط أكثر فأكثر أو تدفعه للبوح بكل المعلومات التي لديه

التحقيق الحيادي:
وهذا المحقق يأخذ مسافة متساوية من قبل النظام والمتظاهر وغالبا ما يكون منطقياً وحاذقاً إلى درجة معينة ، مع العلم أنه على المعتقل أن يعي أنه أذكى من المحقق بكثير وأن تظل هذه الفكرة ماثلة أمامه، وغالباً ما يحاول أن يوهم المعتقل بأنه مكشوف له ولكنه يريد من المعتقل أن يتحدث وهو طويل البال ويسأل أسئلة دقيقة وكثيرة ومتضاربة قد توقع المعتقل في تناقضات قد تجعله في النهاية يعترف إن هذه الاساليب في التحقيق تمتزج ببعضها البعض وفي كل مرة يعرض فيها المعتقل على محقق جديد تكون إضبارة المعتقل قد عرضت على المحقق الجديد، ويكون قد تباحث مع المحقق القديم، وغالباً ما يجتمع كل من حقق مع المعتقل في النهاية للتباحث في إفرادته، لذا يجب أن تكون الإفادة دقيقة لا تتغير في المضمون ولكن من الممكن أن تتغير في الوصف والسرد، فإن كان الاعتراف يتضمن تواريخ وأسماء مثلاً يجب أن يحافظ على هذه التواريخ والاسماء ولكن من الممكن أن يتغير تسلسل الاعتراف ومن الممكن أن يتغير ترتيب القصة أو السيناريو لكي لا يشعر المحقق بأن الخطة معدة مسبقاً وعلى المعتقل وهو في الزنزانة أن يضع نفسه مكان المحقق وأن يتوقع الأسئلة التي ستخطر على باله وأن يجيب على هذه الأسئلة لا تنس فأنت في فرع أمني لذا يجب ألا تركن لشيئ هناك

سادساً: إشعار المعتقل أن التحقيق قد انتهى
يلجأ المحقق إلى إشعار المعتقل بأن التحقيق معه قد انتهى فيتركه لأيام طويلة قد تتجاوز الأسابيع، وذلك ليشعر المعتقل بأن قصته قد صدقت، وبالتالي نسيان تفاصيل الاعتراف أو القصة التي اعترف بها المعتقل أو الأقوال التي أفاد بها… وبعد انقضاء فترة طويلة على التحقيق يعاود التحقيق مع المعتقل بأسلوب يختلف عن الأسلوب السابق، ومن الضروري أن يتذكر المعتقل أقواله وأن يظل يراجعها كل يوم أو يومين وأن يدرك بأن أسلوب التحقيق معه في المرة القادمة سيكون مختلفاً، وأنه يدرك تماماً أنه في أية لحظة من الممكن أن يستدعى للتحقيق لذا يجب أن يكون فطناً حاضر الذهن وأن ينتبه إلى التفاصيل دائماً

خاتمة
الاعتقال أحد أسوأ التجارب التي من الممكن أن يعيشها الانسان، وهي تجربة ستحفر أبدا في وجدان المعتقل، و تستهدف أن تنال من عزيمته وإصراره وانتزاع حريته وثنيه عن مواصلة الطريق التي بدأ، وإذا إستطاع السجان الوصول إلى هذه النتيجة فيكون
انتصر في النهاية

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *