يارا نحلة‬: 1- كيف تصنّفن دور المرأة ومشاركتها في هذا الحراك مقارنة بالتحركات السابقة في لبنان؟‬

يارا نحلة‬: 1- كيف تصنّفن دور المرأة ومشاركتها في هذا الحراك مقارنة بالتحركات السابقة في لبنان؟‬

صوت النسوة: يتمحور هذا الحراك حول مطالب اجتماعية-سياسية عامة. وقد بدأ يظهر فيه حضور لنساء يطالبن بتغيير جذري ونسوي يربط بين هذه المطالب والنظام الأبوي الذكوري اللبناني. قد شاركت النساء تاريخياً في العديد من الحراكات والنضالات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية وقد ناضلن كي يُسمع صوتهن وحقوقهن. رصدنا استعمال النساء في الحراك الحالي بطريقة أكثر رمزية، كوجود نسائي، في العديد من المجموعات التي بدأت تتشكل. لا تشغل النساء حاليا العديد من المواقع القيادية، وكما لا يبدو لنا أن تجاربهن ومساهمتهن قد أخذت إلى الآن على محمل الجدّ. كما لمسنا وجود أجواء غير مرحبة وآمنة في بعض الأحيان خلال المظاهرات والاجتماعات التحضيرية٫ الأمر الذي يقلل من عدد النساء ومشاركتهن. النساء ما زلن يناضلن لمساحة وصوت كما في السابق، وما زال حضورهن ومطالبهن ثانوياً.‬

2- ما أهمية طرح الخطاب النسوي في حراك مطلبي من هذا النوع؟ هل حدث هذا سابقاً؟‬

قدم الخطاب النسوي قراءة للحراك وللمطالب من خلال منظور جندري، وهو لا يُعنى فقط بالنساء (رغم أننا في صوت النسوة نركز اهتمامنا على النساء)، بل ينتقد الرجولية المسيطرة واللغة الذكورية المستعملة، وعنف السلطة والسياسات التي تعتمدها مع الشرائح المهمّشة. يفسر الخطاب النسوي الديناميات الجندرية في تقاطعها مع الطبقة الاجتماعية والاقتصادية، والجنسانية، والإثنية والعوامل الأخرى، لأنّ تجربة الفرد في ساحة الاعتصام، وتمكنه\ها من إيصال صوته\ها بشكل يختلف بفعل تباين العوامل التي ذكرناها. لذا يركز الخطاب النسوي على علاقات القوى من خلال إطار تقاطعي وعميق. إنّ الحراك النسوي وانخراط النساء في الحراكات المطلبية ليس جديداً، لكن هذه التجارب لم تُوثَق بشكل كاف، وما حصل هو أنه تم إدراج وامتصاص أصوات وتجارب النساء ضمن حراكات “أوسع”، مما أدى إلى طمسها وذوبانها، وبالتالي لم يبقَ منها إلا تجارب الرجال التي يتم تداولها وتذكّرها. إنّ طرح الخطاب النسوي كخطاب وموقف مستقل غير تابع لأي من الحملات الموجودة في الحراك يؤدي إلى إظهار العوامل والعلاقات المباشرة بين المطالب الشعبية وذكورية السلطة. أهمية هذه الخطوة تكمن في مقاربة الموقع المطلبي العام نسويا والاستفادة من جو الحراك للمساهمة في إشراك النساء في القرار وفرض معايير نسوية للمستقبل. تكمن قوة الخطاب النسوي في اعتماده وتقديره للتجربة الشخصية فهو لا يخاف الاختلاف ولا يعمم التجربة بل يسعى إلى التشجيع على التحليل والتساؤل حول ما يبدو بديهيا في الوهلة الأولى، كما يركز على أولئك الذين يُستغلّون من قبل السلطة دون أن يمثلهم الخطاب بطريقة مثالية ايضا.‬

3- ما علاقة النظام السياسي القائم والعنف الذي استخدمته أجهزة الدولة بالنظام الأبوي؟‬

إنّ العنف المباشر من أجهزة الدولة يقع ضمن العنف البنيوي للنظام الأبوي القمعي والعنصري. هذا النظام هو ذاته الذي تشكل على مبدأ اقصاء النساء وعلى قمع جنسانيات وهويات جندرية معينة وعلى تخصيص أدوار ضيقة (يعتبرها المجتمع ثانوية/غير أساسية) للنساء. هو نفسه الذي يعاقب كل من يخرج عن هذه المنظومة المعتمدة من خلال العنف أو سحب الامتيازات والتهميش والتخجيل. يعيد النظام انتاج نفسه من خلال العنف البنيوي (القوانين والممارسات التمييزية) وعبر العنف المباشر. النظام القائم هو نظام أبوي وأجهزته أثبتت ذلك بالعنف الممارس خلال الاعتقالات الأخيرة، تماما كما أثبت زعماء هذا النظام أبويّتهم من خلال تشويه القوانين والتعتيم على القضايا النسوية وتجاهلها، كما في نظام التوريث السياسي.‬

4- في المظاهرة الأخيرة التي شاركت فيها النسويات عبر بلوك واحد وتحت عنوان “النظام الأبوي قاتل”، هل استقطب البلوك النسوي متظاهرين/ات من خارج الدائرة النسوية؟ بمعنى آخر، هل ساهمت اللافتة بفتح نقاش بهذا الخصوص مع أشخاص غير ضليعين في النسوية؟‬

لفت الظهور العلني للبلوك النسوي تحت راية “النظام الأبوي قاتل” انتباه الكثيرين، واستقطب متظاهرات ومتظاهرين، من بينهن مثلاً أشخاص قد لا يعرّفن عن أنفسهن كنسويات لكنهن معنيات بمحاربة النظام الأبوي وعنفه وتمييزه. وحصلت أيضا نقاشات مباشرة حول اليافطة معنا في أوقات متعددة من الاعتصام في ساحة الشهداء ولحظنا مناقشات جانبية بين أشخاص حين لمحوها. وقد بدأ البلوك النسوي يستقطب العديد من الأشخاص اللواتي يردن المشاركة في الاعتصامات والاحتجاجات ولم يجدن مكانا مناسبا لهن في المجموعات التي تشكلت.‬

5- هل تلقيتن نقدا بسبب طرحكن للخطاب النسوي؟‬

تمحور النقد من خلال التعامل مع المطالب النسوية كقضايا ثانوية أو فرعية ضمن قضية أكبر، كمطالب ليس لها أي صلة أو علاقة بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية المطروحة من كهرباء أو ماء أو نفايات. كما ظهر أخيرا الكثير من النقد الساخر على توثيقنا لشهادات التحرش التي حصلت خلال المظاهرات، وذلك عبر التهجم والتشكيك والاستهتار بتجارب النساء، أو الطلب منهن “عدم المبالغة” في سرد تجاربهن. وقد تصاعد النقد الساخر والرافض لطرح الخطاب النسوي عندما أصبح البلوك النسوي، والوجود النسوي ككل، أكثر مرئية وتأثيرا فتحول العديد من المشجعين والداعمين إلى منتقدين لشرعية الخطاب ككل، كخطاب مبالغ فيه وثانوي، أو يسبب الانشقاق في صفوف الحراك، حسب قولهم.‬

لكن تجدر الإشارة إلى أن عملنا وتواجدنا في المظاهرات ينتج أيضاً نقداً مهماً هو عبارة عن تساؤلات عن قراءتنا للوضع في لبنان، هذا عدا عن ترحيبنا بكل الاقتراحات٫ ونعتبر ذلك أمرا إيجابيا لناحية تبادل الآراء والنقاشات النسوية.‬

 

6- ما هي الأسباب الكامنة وراء حوادث التحرش التي حدثت خصوصاً خلال التحركات الأخيرة؟ وهل يمكن مقارنتها بالتجربة المصرية في هذا الخصوص؟‬

الحراك في مصر يختلف عما يجري في لبنان، وتجربة التحرش تختلف كذلك. نسعى إلى التعامل مع كل حالة تحرش تصلنا بجدية ولا نبتعد عن المقارنة التلقائية مع حالات أخرى. ومع أننا نستفيد من خبرات النسويات في مصر والموارد التي أنتجنها ومن دعمهن، لكننا نفضل التعامل مع موضوع التحرش في لبنان كإشكالية لبنانية، وهي تتمثل بسلوكيات سلطوية بنيوية لطالما كانت منتشرة بطبيعة الحال، ولطالما ألقينا الضوء عليها كإحدى مظاهر العنف اليومي ضد النساء. ‬

إن سبب التحرش في الحراك هو نفسه الكامن وراء التحرش اليومي الحاصل خارج الحراك، الذي هو النظام الأبوي الذي يحمي المتحرش ويعطيه شرعية، في وقت يتم التشكيك فيه بالنساء اللواتي يتعرضن للتحرش والمضايقة والتهميش وذلك عقابا للنساء اللواتي يخرجن عن الدور التقليدي المرسوم لهن. التحرش هو إحدى أشكال الأبوية الذكورية التي لا ترى القهر في استباحة جسد ومشاعر وخصوصية الأخريات انطلاقا من قيمة أبوية تتعاطى مع الجسد الأنثوي وغير المحدد جندريا كموضوع دوني. ‬

الرفيقات والمناضلات في مصر قد ذقن المرار في مواجهة العنف الجنسي الموجه ضدهن في المجال العام، ومقارنة التحرش في لبنان مع ذلك الحاصل في مصر؛ أولاً، يفرغ الوقائع من مضمونها، أي يحولها إلى موضوع للمقارنة، وثانياً، يهدف إلى تسخيف الوقائع في البلدين، وثالثا، يحول دون ممارسة التضامن مع النساء في البلدين. إن أي رد فعل على التحرش في أي مكان من العالم، يجب أن يقابل عبر التضامن مع النساء وفتح سبل مواجهة التحرش، لا التفكير في أي شكل من التحرش الحاصل وإذا كان أكثر أو أقل عنفا من ذلك الحاصل في مكان آخر، أو ما هي أسبابه. إن التحرش الجنسي لا يقارن ولا يبرر، بل يتم التعاطي معه والتفكير به كاستراتيجية ممنهجة. من المهم أيضا أن نفهم أن النظام الأبوي ليس نظاما مستقلا له بنية مميزة عن المجتمع، ولكنه نظام قيم وممارسات تعيد تعزيز نفسها من خلال السلوكيات والمظاهر الفردية والجماعية والمجتمعية. ‬

وفي التظاهرة كان هناك عدد كبير من الأشخاص في مساحة واحدة. لكننا لا نستطيع المقارنة مع مصر لأن التحرش لا يأخذ الشكل ذاته، وفي مصر كان هناك تحرش قبل المظاهرات (مثلاً في احتفالات العيد والمناسبات الكبيرة). كذلك لا نستطيع أن نحسم بعد إن كان هناك استراتيجية واضحة ممنهجة لمنع النساء من الوجود في المساحات العامة في لبنان. ثم لا يمكننا الجزم بأن التحرش حصل فقط في تحرك واحد. ما نعرفه هو أنّ النساء جئن إلينا للتبليغ عن التحرش في المظاهرة الأخيرة (٢٠ أيلول )، لكن من المعقول أن يكون هناك حالات أخرى من التحرش حصلت في التحركات السابقة. أسباب التحرش هي الأبوية، وهي تحصل في الأمكنة العامة والخاصة كل يوم وليس في المظاهرة فقط ولا يمكن مقارنتها بالتجربة المصرية لاختلاف الواقعين واختلاف طبيعة التحرّش. ‬

في الختام، نود التأكيد على تضامننا المطلق مع النساء في مصر ولبنان.‬

* صوت النسوة: مجموعة مهتمة بانتاج المعرفة النسوية وبناء حركة نسوية قادرة على خلق مساحة لنساء عابرة للأجيال والجماعات. ونحن نؤمن أن النساء قادرات على خلق مجتمعات أكثر انسانية وعدالة، وأن أدوات الترهيب لن تردع النساء من رفع الصوت والانخراط في الحراك الشعبي كشريكات متساويات قادرات على التغيير وعلى تحقيق العدالة الجندرية والاجتماعية. ‬

صفحة صوت النسوة على الفايسبوك

موقع صوت النسوة الالكتروني

 
Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *