أزمة النظام اللبناني تتصاعد باضطراد. احتمال سقوط آخر المؤسسات الدستورية يهدّد بانهيار اقتصادي واجتماعي شامل. التناقضات الموضوعية التي تحكم هذا النظام، والتي تصل إلى حد الإنفجار كل بضعة أعوام، سوف تفرض في أي لحظة على الفئات الأكثر تضرّراً النزول إلى الشارع من تلقاء نفسها، حتى ولو كانت غير مدركة لطبيعة تلك التناقضات وآفاق تطورها. ولكن أشكال تعبير تلك الفئات، لن تعكس في أحسن الأحوال مضمون انتمائها الطبقي في الصراع بقدر ما ستعبّر عن وعيها المشوّه له، وعن رفضها المباشر لنتائج مأساتها الاجتماعية والكارثة البيئية – الصحية المتفاقمة دون ادراك وبالتالي رفض أسبابها الموضوعية.

أزمة النظام اللبناني تتصاعد باضطراد. احتمال سقوط آخر المؤسسات الدستورية يهدّد بانهيار اقتصادي واجتماعي شامل. التناقضات الموضوعية التي تحكم هذا النظام، والتي تصل إلى حد الإنفجار كل بضعة أعوام، سوف تفرض في أي لحظة على الفئات الأكثر تضرّراً النزول إلى الشارع من تلقاء نفسها، حتى ولو كانت غير مدركة لطبيعة تلك التناقضات وآفاق تطورها. ولكن أشكال تعبير تلك الفئات، لن تعكس في أحسن الأحوال مضمون انتمائها الطبقي في الصراع بقدر ما ستعبّر عن وعيها المشوّه له، وعن رفضها المباشر لنتائج مأساتها الاجتماعية والكارثة البيئية – الصحية المتفاقمة دون ادراك وبالتالي رفض أسبابها الموضوعية. لذلك سيكون من السهل استغلال أشكال السخط والغضب المختلفة، طائفياً ومناطقياً، من قبل تنظيمات الطبقة الحاكمة بغية إعادة إنتاج نظامها السياسي.

قوى التغيير السياسية ضعيفةٌ ومرتبكة. فمن جهة، هي تريد وبكل شغفٍ إحداث إصلاحاتٍ جوهرية في النظام السياسي، ولكن المنظومة الاجتماعية الزبائنية القائمة تحرمها من قاعدتها الأساسية: الفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً التي تعيش على فتات الخبز الذي ترميه لها الأحزاب والقوى المسيطرة، وهي أصبحت أكثريةً عددية من مجموع السكان. تلك الفئات الاجتماعية غير الواعية لذاتها، والمحرومة من أدنى متطلبات الحياة الكريمة، والتي لا تملك الامتيازات والحوافز الاجتماعية، تختار مرغمة في معظم الأحيان أن تكون طرفاً في علاقة من التبعية السياسية الطائفية التي تربطها بعدوها الطبقي، ضمن شبكة المحسوبيات، مقابل القليل من الخدمات الزبائنية، على أن تموت جوعاً مقابل رفض هذه العلاقة.

ومن جهة أخرى، الوقت ليس في صالح قوى التغيير، فالظروف التي تمرّ بها المنطقة تشكّل عاملاً أساسياً في إضعاف قدرتها على التصعيد الحقيقي، وبالتالي إمكانيات تشكّلها ونموّها الذاتي، حتى في أكثر الأوقات حرجاً بالنسبة للسلطة الحاكمة. بالإضافة إلى أنها تخاف تطور أزمة النظام إلى حربٍ أهلية/اجتماعية، تُفجّرها الطبقة الحاكمة انطلاقاً من سلوكها التاريخي، لإنقاذ نظامها الطائفي وإعادة فرض سيطرتها الطبقية.

يبدو مشهد غياب قوى التغيير السياسية وارتباكها، وبالتالي ضعف تأثيرها السياسي والايديولوجي، مضحكاً مبكياً عندما تختار أكثر الفئات تضرّراً الارتماء في عرض البحر والموت غرقاً، هرباً من الجحيم اللبناني، على أن تخوض معركة تحرّرها. 

ولكن إذا كانت الطبقة الحاكمة، عبر تنظيماتها وأحزابها ومؤسساتها الدينية والاجتماعية وشبكاتها الزبائنية، قادرة على السيطرة على قواعدها الشعبية الخائفة من الجوع، فهي ستكون عاجزةً تماماً أمام كارثة النفايات وعواقبها البيئية والصحية والاقتصادية الوخيمة، بحيث ترتفع احتمالات فقدان سيطرتها على قواعدها الخائفة من الموت مرضاً. والأمراض التي تنتشر على مستوى البلد لا يمكن إسكات المصابين بها بسهولة وبفتات الخبز، ولا ببطاقات الاستشفاء، ولا بلغة التحريض والتجييش الطائفي. غير أن غياب قوى التغيير السياسية المنظّمة، والواعية، والقادرة على إدارة الصراع وتنظيم القوى الاجتماعية المتضرّرة، من شأنه أن يسهم في إفشال انتفاضةٍ بدأت تلوحُ في الأفق مجدداً. نحن إذاً أمام أزمة نظامٍ مستمرة منذ عدة عقود، وأزمة بديلٍ غائب متى تمكّن من تسجيل حضوره قلبَ موازين القوى رأساً على عقب!

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *