السبت في 25 تموز 2015، الساعة الخامسة مساءً. سحابات سوداء تغطّي سماء بيروت المختنقة برائحة النفايات وحريقها. عشرات الشبّان ينتظرون بإحباط وغضب مقابل السراي الحكومي في ساحة رياض الصلح، يصمتون قليلاً قبل أن يعودوا إلى الهتاف بشعارات معبّرة عن بؤسهم علّهم يفرغون بعضاً من غضبهم المتراكم. 

السبت في 25 تموز 2015، الساعة الخامسة مساءً. سحابات سوداء تغطّي سماء بيروت المختنقة برائحة النفايات وحريقها. عشرات الشبّان ينتظرون بإحباط وغضب مقابل السراي الحكومي في ساحة رياض الصلح، يصمتون قليلاً قبل أن يعودوا إلى الهتاف بشعارات معبّرة عن بؤسهم علّهم يفرغون بعضاً من غضبهم المتراكم. 

لا كهرباء، لا مياه، لا نقل مشترك، لا تعليم رسمي لائق، لا تنظيم مدني، لا ضمان صحي، لا ضمان شيخوخة، غلاء معيشة، سكن بأسعار خيالية، بطالة متزايدة، أجور منخفضة وغير منطقية. لم يكونوا قد توقّعوا أن يضاف إلى هذه اللائحة (التي لا تنتهي في سطرين) أزمة نفايات، لها ما لها من تبعات بيئية وصحية خطيرة ومدمّرة.

دقائق وتبدأ الأعداد بالتزايد بسرعة، العشرات أصبحوا مئات. حوالي 800 متظاهر ومتظاهرة فقط، الأغلبية الساحقة منهم من الشباب والطلاب، مع تسجيل مشاركة بعض الكبار في السن، ورجلٍ مقعَد أبى إلّا أن “يسير” في طريقٍ مختلف – هو يسيرُ إلى الأمام، فيما الملايين ما زالوا يسيرون إلى الوراء، تحت سطوة الثقافة المهيمنة/الطائفية والعلاقات الزبائنية/التبعية التي يجدون صعوبةً على ما يبدو في نبذها والتحرّر منها. ولكن الثمن الذي سيدفعه أولئك العاجزون عن كسر هذه العلاقات التبعية بـ “زعيم الطائفة” وبمافياته، سيكون كبيراً ومدمّراً، إلى حد الاختناق والموت، حرفياً، إن لم يعملوا على فكّ هذه العلاقات والارتباطات المذلّة.

لبّى مئات الشباب الدعوة إلى الإعتصام إذاً. اعتصام مطلبي بيئي ما لبث أن تحوّل إلى مظاهرة سياسية تطالب بـ “إسقاط النظام”. أثبت مئات الشباب، بالرغم من قلّة عددهم وضعف حماسهم، إدراكهم لمصدر كل الأزمات الحقيقي، أي النظام السياسي الطائفي، القائم على الفساد والمحاصصة وإعادة إنتاج سيطرة طبقةٍ من الملّاكين الكبار والسماسرة وأصحاب المصارف والشركات الكبرى، طبقة “الهيئات الاقتصادية” وأخواتها، طبقة “سوكلين” و”سوليدير”، النظام الذي أصبح متخصّصاً في سحق وتشتيت العمال والطلاب والفقراء في لعبة ميزان “التوازنات الطائفية”.

“الشعب يريد إسقاط النظام”، “ثورة ثورة ثورة… الشعب بدو ثورة”… شعارات تدعو إلى الثورة، رفعها الشباب رغماً عن إرادة المنظّمين الذين أبدى بعضهم تفاجئه للوهلة الأولى، فيما حاول قلّة من المشاركين تشويه مضمون الشعار فحاولوا الصراخ “الشعب يريد تغيير النظام”، بدلاً عن لـ “إسقاط”، بعد كل جولة، ولكن من دون نتيجة تُذكَر. فيما حاول بعض “البيئيين” المنتمين إلى الجمعيات غير الحكومية، أن يحرفوا أنظار الشباب عن الدعوة إلى المواجهة السياسية، عبر تعميم شعارات متعلّقة بـ “نضالهم” الجزئي – والقول الأصحّ أنه “مجتزأ”. ولكن الشباب مصمّمون على تأكيد طموحاتهم، وإظهار إدراكهم لطبيعة الصراع وأبعاده الحقيقية. طوال ساعتين بحّت فيها حناجرهم، لم يكفّوا عن الصراخ بشعار إسقاط النظام والدعوة إلى الثورة.

خطورة وجمالية هذا الشعار الذي استُخدِمَ في العام 2011 خلال حراك “إسقاط النظام الطائفي” بشكلٍ عفويٍ وتلقائي بعد تفجّر انتفاضتي تونس ومصر، تكمن في أن ظروف الواقع المأساوي في لبنان هي التي تقوم بإنتاجه اليوم، ولا يمكن لأيٍ كان أن يمنع الشباب عن التعبير عما في داخلهم، فالنظام السياسي مهترئ، وكل آفاق الإصلاح مسدودة، ولم تعد مشاكل الناس محصورة بمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية بل أصبح وجودهم بحد ذاته مهدداً بفعل تفجّر الأزمة البيئية والصحية الراهنة. لم يعد هذا الشعار مستورداً “من خارج” إذاً، بل هو الآن نتاجُ ظروف الداخل اللبناني.

الساعة الثامنة مساءً. ثلاث ساعات مرّت على بدء الإعتصام – المظاهرة، بقي قلّة من الشباب على الأرض، ناشطون “بيئيون” وغيرهم، بعد انسحاب العدد الأكبر من المتظاهرين. وسائل الإعلام ما زالت على الأرض تواكب “الحدث”! “أل بي سي”، “أم تي في”… والساعة الثامنة يعني وقت النقل المباشر. تمرّ فجأة وبشكل “عفوي غير مخطّط له مسبقاً سيارة “مفيّمة”، في وقتٍ لم تمرّ فيه أي سيارة طوال فترة الثلاث ساعات. اعتقد المتظاهرون أنها لسياسيٍ ما فبدأوا برمي عبوات المياه عليها وأغلقوا الطريق بوجهها، ليخرج منها العميد في الجيش اللبناني شامل روكز، ويلقي التحية على المتظاهرين، الأمر الذي تفاعل معه ما تبقّى من المتظاهرين “الغاضبين” على الطبقة الحاكمة، بشكلٍ طفولي يبرز مخاوفاً كامنة وضعفاً بقوة الشعب على التغيير – فدعوةٌ ضمنية إلى المنطق الإنقلابي واختصار القضية ببعض الرجالات العسكرية، من خلال التصفيق الحارّ والشعارات المغالية – على طريقة استقبال “المخلّص”. ألم يتبادر إلى أذهان المتظاهرين سؤال حول طبيعة هذه “الصدفة”، وكيف واكبت وسائل الإعلام هذه اللحظة، لتصنع “حدثاً” مناقضاً للحدث الحقيقي، حدثاً مصطنعاً يخدم طموحات سياسية ضيّقة على حساب قضية شعب يموت فقراً وذلاً واختناقاً؟ لا بأس، لن نركّز على هذه المسألة أكثر، كما فعلت وسائل الإعلام، لكي لا نشارك في صناعة وترويج المهزلة.

تحركات الشباب في بيروت وضواحيها ستستمرّ، فيما الأزمة ستتفاقم أكثر مع منطق الترقيع والهرب إلى الأمام المتّبع من قبل “المسؤولين”. شباب طرابلس وعكّار يتحضرون لخوض معركة منع طمر مناطقهم الفقيرة والمنكوبة بفعل إهمال الدولة بالنفايات، ولا مفرّ من المواجهة بالنسبة إليهم. شباب برجا وإقليم الخروب تصدّوا بشجاعةٍ لشاحنة نفايات “مموّهة” أرادت أن تطمر قراهم، فاستولوا عليها ورشوا عليها بالسبراي “رقم 1″، محذّرين أي شاحنات جديدة من الاقتراب. شباب صيدا أصدروا بياناً يتوعدون فيه بالتصدي لأي محاولات طمرٍ لمناطقهم: “جبل النفايات لن يمرّ إلا عبر أجسادنا”، قالوا.

منظّمو الإعتصام في بيروت وعدوا بالدعوة إلى تحرّكات أقرب إلى الناس، في مناطق وأحياء سكنية، في طريق الجديدة والضاحية الجنوبية والأشرفية وكل الأحياء المتضرّرة. في نفس اللحظة، كانت مكبّات النفايات الممتلئة في بيروت وضواحيها تحترق، وكان عدد من الأهالي يقطعون الطريق على أوتوستراد سليم سلام بالنفايات ويقومون بحرقها على بعد أمتار من مكان الإعتصام “السلمي”، كما في طريق الجديدة وكورنيش المزرعة وغيرها من المناطق. أما الضاحية الجنوبية، فما زالت النار فيها تشتعل تحت الرماد منبئة بانفجار شعبي.

تختلط مشاعر الإحباط مع الغضب في الشارع، كما يختلط الدخان الأسود مع الهواء. الشعب يريد إسقاط النظام، حقاً يريد ذلك هذه المرة، ولكنه بحاجة لدفعة إلى الأمام، لا أكثر!

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *