ألقِ/ي نظرة خاطفة على أغلب القنوات التلفزيونية، تجول/ي على الصحف والمجلات، استمع/ي إلى أغلب الأغاني في قائمة أفضل 100 أغنية على الراديو وستعرف/ين الحقيقة: هناك مشكلة كبيرة ومخيفة في العالم اليوم. المشكلة هي النساء الغاضبات.

ألقِ/ي نظرة خاطفة على أغلب القنوات التلفزيونية، تجول/ي على الصحف والمجلات، استمع/ي إلى أغلب الأغاني في قائمة أفضل 100 أغنية على الراديو وستعرف/ين الحقيقة: هناك مشكلة كبيرة ومخيفة في العالم اليوم. المشكلة هي النساء الغاضبات.

مواقع الإنترنت مليئة بالعديد من النصائح للمغلوب على أمرهم، الذين أجبروا على التعامل بشكل مباشر مع هذه الظاهرة المقلقة. إذا بحثت في محرك البحث “غوغل” عن “المرأة الغاضبة”، أول نتيجة تظهر هي مقالة عن “صحّة الرجال”، يشرح المقال عن كيفية التعاطي مع هذا العدو المخيف، وينصح في حال الإضطرار إلى المواجهة، أنه “ما عليك سوى النظر إلى عينيها بشكل مباشر وعدم تزويدها بأي معلومات إضافية وهذا كفيل بإيقاف غضبها المتصاعد الذي لا يمكن السيطرة عليه”.

النساء يشعرن بأنهن خلقن ليتصرفن بلطف طوال الوقت، غضبنا غير جذاب وغير محبب، ومن المفروض أيضاً أن نشعر بالحظ لكوننا نعيش في عالم تتوفر فيه جميع المنتجات، سواء كانت موسيقى مصورة، مشروبا غازيا او نوعا جديدا من الفوط، لملامح امرأة شبه عارية تحدق إلينا بتعابير بلهاء. امرأة تمتلك حياتنا الجنسية، تعيد تجميعها ثم تبيعها لنا مرّة أخرى.

في الوقت الذّي تتغلغل الجنسانية في كل جوانب حياتنا، وبدلاً من أن تكون الحياة الجنسية مصدراً للمتعة والسعادة للمرأة، تكون في أغلب الوقت مصدراً للقلق. حيث أظهرت دراسة للمجلس الوطني للبحوث عام 2011 أن 41 بالمائة فقط من النساء راضيات عن حياتهن الجنسية. في الحقيقة عندما يتوقع أو يراد منّا أن نشعر بأننا نمسك بزمام حياتنا في ظل الأحكام المسبقة على نوعنا الجنسي يصعب على النتيجة أن تكون مفاجئة.

مساواة؟

في الوقت الذي ينظر فيه إلى الآباء العاملين على أنهم عماد العائلة المستقرة، يتم اتهام النساء بـ “محاولة الحصول على كل شيء”. إننا مجبورات على عيش التناقض في الأدوار التي ينتظر منّا تأديتها، فالأدوار متناقضة وغير قابلة للتحقق على حد سواء، حيث يتوجب علينا أن نكون نساء واثقات وناجحات في المجال العملي و”مارثا ستيوارت” في المطبخ ونجمات أفلام إباحية في غرف النوم.

لا يتوقع من النساء الجلوس في المنزل لرعاية أطفالهن، ولكن المفارقة تكمن بأنه لايزال يتوقع منهن القيام بالقسم الأكبر من مهمة الرعاية. ومن الهام الإشارة إلى أن النساء لا يفعلن ذلك بسبب الضغط الإيديولوجي المجرد- مع العلم أن هكذا ضغوطات موجودة بشكل واضح-. فقد أظهرت دراسة اللجنة الإنتاجية لعام 2012 أن أستراليا تمتلك واحدة من أدنى مستويات الإنفاق العام على خدمات رعاية الطفولة المبكرة. 19 بالمئة فقط من الأمهات غير العاملات قالوا انهن سيبقين في المنزل حتى لو سنحت لهنّ فرصة الحصول على رعاية مناسبة لأطفالهن بأسعار معقولة.

كما تستخدم الصورة النمطية للأم العطوفة القادرة على الرعاية والتغذية كعذر إيديولوجي لتبرير عدم تواجد المرأة في الميدان العملي. في الوقت الذي تتقاضى فيه المرأة في استراليا 67 سنتا لقاء ساعة العمل الواحدة بينما يتقاضى الرجل دولار كاملا لقاء الساعة لأداء العمل ذاته.هذا إلى جانب الصعوبة التي تواجه الرجال للحصول على إجازة أبوة مدفوعة الأجر، مما يجبر النساء في العلاقات بين مغايري الجنس لتكون هي مقدمة الرعاية الأولية.

في الواقع كثيراً ما نسمع اللازمة التي تلقي باللوم على التعليم فقط، ويقول أصحاب هذه النظرية، أنه من خلال التعليم بإمكاننا أن نوصل رسالة المساواة بين الجنسين. ولكن المشكلة ليست في التعليم. المشكلة الحقيقية هي أنه ليس بالإمكان تلقين النّاس واجبارهم على الإعتقاد بأنهم متساوون وهم في الحقيقة أبعد شيء عن ذلك. المشكلة ليست أن النساء والرجال قد قيل لهم أن النساء غير متساويات لهم المشكلة الحقيقة أنهن غير متساويات بالفعل.  

من هو الجيد؟

الكذبة التي تقول “اننا اليوم بحال أفضل من قبل” هي حقيقة لأقلية ضئيلة من النساء في استراليا. فمن الواضح أنّ نساء الطبقة الحاكمة بأفضل حالتهنّ الآن. الرئيسة التنفيذية لشركة وستباك، جيل كيلي، على سبيل المثال جنت 9.6 مليون دولار العام الماضي، وهو ثاني أعلى أجر يعطى لمنصب رئيس تنفيذي في استراليا! لنساء مثل كيلي تجربة خاصة في الحياة لا علاقة لها بتجارب نساء الطبقة العاملة.

وفي حال قررت كيلي يوماً ما أن تنجب أطفالا فلن تضطر أبداً للتفكير فيما اذ كانت قادرة على تحمل النفقات، او اذا ما كانت قادرة من الناحية المالية على ترك عملها، لن تضطر أبداً إلى الاعتماد على الخدمات الإجتماعية أو البحث عن مركز او بيت لرعاية أطفالها بأسعار معقولة. ما الذّي تفعله لتكسب كل هذا المال؟ في الحقيقة قامت كيلي بالتخلص من 565 فرصة عمل في ويستباك. كما أنها قامت بحملة ضد معدلات العقوبة. في العالم المثالي لجيل كيلي، على العجلة الإقتصادية ان لا تتوقف وان تعمل على مدار الساعة طوال أيام الإسبوع، بالإضافة إلى عدم أحقيّة العمال بالمطالبة بزيادة أجورهم حتى لوعملوا لساعات اضافية طويلة في أجواء عمل منعزلة.

تمّ استخدام التحيز الجنسي بطريقة ممنهجة تجاه جوليا جيلارد، ولكن بالطّبع هذا لا يجعل منها شقيقة او رفيقةً لنا.

جيلارد التي قامت باستغلال وافقار عشرات الألوف من الأمهات العزباوات من خلال إجبارهم على تسديد نفقات الأمومة.

كما تتحمل مسؤولية سجن اللاجئات- الأمهات وأطفالهن- في معسكرات الاعتقال. بالإضافة إلى اشرافها المباشر على احتلال أراضي نساء الشعوب الأصلية، وإقامة نظام على غرار نظام الفصل العنصري في الإقليم الشمالي. وفي الوقت الذّي سمحت فيه جوليا لشركات التعدين العملاقة من تجميع مليارات الدولارات رفضت خطة رعاية الطفل العالمي بالمجان. من الجّلي أنها جزء من المشكلة.

غضب النساء اليوم جراء التحيز الجنسي الممنهج تجاههن ليس المشكلة بالمطلق. المشكلة تكمن في استمرار انتشار التمييز على أساس الجنس. ما نحتاجه اليوم هو المزيد من النساء -والرجال أيضاً- الذّين واللواتي يشعرون/ن بالغضب حيال ذلك، فقط من خلال وجود أصوات مقاتلين/ات ومدافعين/ات واثقين/ات من أحقية مطالبهم/ن سنكون قادرين/ات على تحدي الوضع الراهن الذّي يولّد الظلم وعدم المساواة.

^ نشر النص في موقع الراية الحمراء في ٢٦ حزيران/يونيو عام ٢٠١٣

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *