نقرأ في ايامنا هذه، العديد من المقالات التي تتكلم عن مسألة تحرر المرأة العربية، وتختلف النظرة ما بين كاتب/ة وآخر/أخرى، في النظر إلى هذه المسألة.

نقرأ في ايامنا هذه، العديد من المقالات التي تتكلم عن مسألة تحرر المرأة العربية، وتختلف النظرة ما بين كاتب/ة وآخر/أخرى، في النظر إلى هذه المسألة. فالثورات العربية بمجرّد حدوثها، أضافت إلى فضاء حركة الشارع العربي، مساحات سياسية جديدة، لم تكن فعلياً متوافرة في الفترة التي سبقت، ومن ضمن هذه المساحات السياسية، رأينا جميعاً، أو فعلياً أعدنا اكتشاف الدور الريادي التي تلعبه المرأة العربية، ليس فقط في مسار المعترك الثوري الذي يجتاح المدن العربية، بل اكتشفنا أيضاً من ضمن هذه السيرورة، الدور الريادي الذي تلعبه المرأة العربية في مجتمعنا العربي بمجمله.

وأقول هنا: أعدنا اكتشاف هذا الدور، لأن دور المرأة هذا ليس بجديد على مجتمعاتنا العربية، بل هو فعلياً مغيّب عنّا، أو مخفي عن المساحة العامة، نتيجة لثقافة مهيمنة ولنظام حكم طبقي يستمد قوته وسيطرته على المجتمعات بفعل فرض تراتبيات، وعلاقات قوة، توزّع من خلالها الامتيازات على أعضاء المجتمع حسب تراتبية جندرية، وإثنية، وعرقية، وطائفية، وغيرها من معايير التفرقة والتمييز.

يظن البعض أن مسألة التمييز الجندري والجنسي هي فعلياً خاصية ثقافية، ومن خلال هذه المقاربة تعرّف الذكورية، فقط في حيزها السلوكي؛ وعبر هذا التعريف، تصبح مسألة محاربة الثقافة الذكورية، عملية تأديب للذكور والإناث على حد سواء، لتخطّي تلك الأنماط السلوكية.

بالطبع لا أنكر هنا أهمية هذا الحيّز، وضرورته في العمل النضالي اليومي، ولكن الإشكالية التي تطرحها هذه المقاربة، هي في أنها تختصر المسألة باعتبارها مسألة ثقافية، نتخطاها عندما نستطيع تخطّي تلك “العادات” و”التقاليد”. وامتداداً لهذه المقاربة، نرى أن معظم المبادرات القائمة اليوم، وعلى الرغم من أهميتها، وضرورتها، تختصر مسألة التحرر فقط في حيزها الخاص، أي داخل المنزل، أو في كفن المؤسسة الزوجية. فمطالب الحركة النسوية والنسائية اليوم، التي تتخذ الحيّز الأوسع من المطالب، هما إقرار قانون حماية المرأة من العنف الاسري، وقانون حق المرأة بإعطاء الجنسية لزوجها واولادها.

لا أسعى هنا للتقليل من ضرورة البت بهاتين المسألتين، أو من أهميتهما في ضمان وقف مسلسل العنف والتمييز اليومي ضد النساء في لبنان، ولكن ما أسعى إليه هو التفكير بصوتٍ عالٍ، وطرح سؤالين على الشكل التالي: هل هذه القضايا كافية فعلياً لبناء مساحة نضال نسوي ونسائي جماهيري في لبنان؟ أو إذا ما كانت المقاربات القائمة اليوم لهاتين المسألتين، بالتحديد، تربطان مع أشكال العنف والتمييز الأخرى التي تعاني منها المرأة في لبنان؟

فالمسألتان تتناولان فقط المرأة كفرد في علاقتها مع الرجل، في وقت تغفلان ارتباطها كفرد مستقلّ عن الرجل ومرتبطة بشكل مباشر بالمجتمع، وبذلك تتم إعادة انتاج هوية المرأة فقط في الحيّز الخاص، والذي هو الحيّز المقبول ضمن النظام الطبقي والاجتماعي والسياسي القائم.

يمكن ملاحظة مقاربتين لمعالجة مسألة العنف الأسري، اللتين تختلفان تكتيكياً فيما بينهما، ولكنهما، في نفس الوقت ترتبطان بمنهجية مشتركة: 

– فحملة جمعية أبعاد مثلاً، بنت ثقلها الدعائي على إعطاء المساحة لرجال الدين، الذين هم أنفسهم من أشدّ المعارضين لإقرار قانون حماية المرأة من العنف الاسري، ليقنعوا الرجل من منطلق ديني بعدم تعنيف المرأة. المنطق الديني نفسه الذي يقول أن “الرجل رأس المرأة”، وأن “الرجال قوامون على النساء”، فالمسألة لم تعد مسألة خطوة على طريق اكتساب الحقوق الكاملة، أو المساواة الكاملة، بل أصبح الهدف من ضمن هذه المنهجية، “حماية المرأة”، ليس كفرد مستقلّ في المجتمع، بل من ضمن مكانتها “تحت سلطة الرجل”، وهنا خطورة المسألة، لكون هذه المقاربة تحافظ على نظام العلاقات التمييزية وعلاقات الهيمنة القائمة أصلاً ضمن المجتمع، وتعرّف المرأة فقط في كونها ضحية “قلّة الدين” أو “قلّة المنطق”، أو ضحية “لؤم بعض الرجال”، أو “لعدم انصياع بعض الرجال لأقوال يسوع”، وهذا بالضبط ما تقوم به حملة “نؤمن”.

– أما حملة كفى عنف واستغلال، التي دعت في عدة مناسبات الكتل النيابية للتظاهر من اجل مطالبة مجلس النواب بإقرار مشروع القانون المحال إلى المجلس عينه. لربما يعتبر الكثيرون/ات أن دعوة هذه الاحزاب هذه ليست بالمشكلة الكبيرة، وأنها ضرورية للضغط على رئيس مجلس النواب، نبيه بري، ولكن المشكلة تكمن هنا، بتعرية الخطاب المواجه للعنف ضد المرأة من قدرته على إحاطة مسألة العنف من كل جوانبها. فلا يجب مثلاً أن ننسى أن هذه الأحزاب، بمجملها، كانت قد شاركت مثلاً في الحرب الاهلية، وان الكثير من النساء عنّفن على أيدي مقاتليها، أو من جراء حالات الاغتصاب الجماعية التي كانت تحدث بشكل دوري، إذا لم نقل بشكل يومي في فترات مختلفة من الحرب الاهلية. أيضاً، دعونا لا ننسى ايضاً شراكة هذه الأحزاب في حجب الحقوق الانسانية والاقتصادية والاجتماعية عن المرأة في لبنان، من قوانين المساواة في التعويضات الاجتماعية، والمساواة في الأجر، والمشاركة السياسية، كما مسألة الإرث، وقوانين الجنسية، والزواج، وغيرها من الأمور. فما يتمّ فعلياً من خلال هذه المقاربة هو معالجة مسألة العنف، فقط، في حيزها الجسدي، رغم أهميتها، لكنها تخفي أشكال العنف المختلفة، التي ذكرت أعلاه، والتي تتعرض لها المرأة بشكل ممنهج في لبنان. من هنا، ومن خلال مشاركة احزاب السلطة، تُصوَّر مسألة العنف الاسري للرأي العام على أنها حالة شاذة، أو مسألة سلوكية فقط، وليس في واقع الأمر، عقدة واحدة من نظام متكامل يشجّع لا بل يشرّع العنف واضطهاد والتمييز ضد النساء.

المقاربتان، تسعيان، بشكل واع أو غير واع، إلى تجزئة النضال النسوي والنسائي من أجل الحقوق الكاملة، وبدل أن تطالب بالحماية كحق بديهي، كحق إنساني أولاً وأخيراً، وكونه حق مرتبط عضوياً بالحقوق الاخرى للنساء في لبنان، التي لا تقلّ أهمية عن مسألة الحماية من العنف الاسري، نراها تطالب بالاعتراف بشرعية هذا الحق، ليس من خلال استقطاب جماهير النساء التي تعاني من هذا التمييز والاضطهاد، بل على العكس تماماً، نرى تلك المبادرات تلتمس هذه الشرعية، من السلطة السياسية والدينية، التي هي ضمن عملها وحكمها تشرّع هذا التمييز والاضطهاد.

وهنا السؤال الاساسي الذي ينبغي طرحه، ألم يحن الوقت لتشكّل الحركة النسائية والنسوية في لبنان خطاباً مستقلّاً عن السلطة القائمة في حيزها الديني، والسياسي والاقتصادي؟ ألا يجب أن تكون شرعية الحركة مكتسبة فعلياً من مناصرة جماهير النساء في لبنان لها، بدل السعي إلى اكتساب هذه الشرعية من السلطات القائمة؟ بالإضافة إلى ذلك، أليست مسألة العنف معقّدة أكثر من كونها فقط مسألة سلوكية؟ أوليست “شرعية” هذا العنف والاضطهاد، مستمدة فعلياً من نظام الحكم القائم، ونظم الهيمنة الأيدولوجية، العنصرية والطائفية، والذكورية والدينية؟

فالذكورية ليست تصرّفاً شاذاً ضمن نظام عادل، بل هي فعلياً انعكاس لنظام الاضطهاد الطبقي والاجتماعي والسياسي القائم أصلاً، فالأطفال الذكور لا يخلقون بجينات تجعلهم ذكوريين، بل يتعلّمون الذكورية، في المنزل، والحيّ، والمدرسة، والجامعة، وتصاريح الزعماء، وتصاريح رجال الدين، ومن خلال العمل الحزبي التقليدي، والاعلانات التجارية اليومية، ومن النشيد الوطني، والمسلسلات التلفزيونية، والأفلام العربية والهوليودية، وغيرها، كلّ هذه الأمور هي التي تخلق تلك الثقافة الذكورية التي ينتسب اليها جزء كبير من الذكور.

فبالنسبة للإعلام السائد، صورة الذكر المثالي، هي صورة ذلك الرجل ذي العضلات المفتولة، ذلك الرجل التي تلتفّ حوله النساء، ذلك الرجل الذي يملك الشقة والسيارة، ذلك الرجل ذات المدخول العالي، الذي يلبس البذلة المرتفعة الثمن؛ وبالمقابل صورة المرأة المثالية هي تلك المرأة الرشيقة، الأنيقة، التي تحب الذهاب إلى السوق، والأم الصالحة، والزوجة الوفية، هي تلك المرأة التي تتعذب، والتي تضحي في سبيل الرجل والعائلة.

فإذا نظرنا فعلياً على معظم المسلسلات التلفزيونية الرائجة اليوم، نرى تكرار هذه الصورة بشكل هستيري، فدائماً نرى المرأة من خلال المسلسلات الغربية والعربية والتركية والمكسيكية وكلّها، على أنها على علاقة مع رجل، أو بانتظار علاقة مع رجل، فالنهاية السعيدة، دائماً تتمثل في اللقاء، أو في الزواج، وبالطبع فإن ذلك اللقاء أو العلاقة التي تنتج عنه، أو الزواج، تشترط نمط “بطولة” و”خشونة” الرجل بمقابل “رقّة” أو “ضعف” المرأة، فالرجل في هذه الحالة يصبح هو المخلّص، هو من يُشعر المرأة بالأمان، بالمقابل، تعطي المرأة نفسها، في معظم الأحيان وخاصة في ذروة القصة، تعطي جسدها كعربون “شكر” أو كمدخل لقبولها به كرجلها و”حاميها”.

ولكن هل الواقع الفعلي الذي نعيشه يومياً في علاقاتنا الانسانية المباشرة، يتماثل مع هذه الصور، أو أنه على علاقة تناقض معها، وإن كانت تسعى إلى الامتثال له في معظم الاحيان، ولكنها تفشل لكون هذه الصورة، أي صورة المرأة والرجل “المثاليتين”، في الشكل والمضمون، هما فعلياً أقرب إلى الخيال من الواقع الفعلي؟

فالمرأة  والرجل، منه/ا من هو/هي ضعيف/ة أو ضخم/ة أو طويل/ة أو قصير/ة البنية، أو سمين/ة أو رشيق/ة، كلّنا لدينا أشكال وخاصيات جسدية مختلفة، ولكن بمقاربة أنفسنا اليومية مع هاتين الصورتين المثاليتين، العضلات المفتولة والرشاقة، نخلق لأنفسنا هوية تتناقض مع طبيعتنا الفعلية، ومن خلال هذا الضغط الصوري الممنهج، نتعلّم أن نرى مدى “واقعيتنا” من خلال مدى قربنا من هذه الصور النمطية، فنرى أجسادنا عل أنها ناقصة أو تملأها العيوب، ونتعلّم أن تجذبنا سمات جسدية معيّنة، ليست بالضرورة تعكس حقيقة الانجذاب الذي نشعر به، بل تعكس ما يجب أن ننجذب إليه بفعل الضغوطات الصورية التي تجتاح عقولنا يومياً.

ومن جهة أخرى، في المضمون، أيضاً نتعلّم كنساء ورجال أنه علينا البحث عن “القوة” و”الأمان” في الرجل، وعن “الرقةّ”، و”الضعف” في المرأة، ولكن من قال أنه على جميع الرجال أن يكونوا أقوياء، وأن على جميع النساء أن يكن ضعيفات؟ في واقع الامور، ومن التجارب الانسانية التي لا تحصى الموجودة في مجتمعنا، هناك نساء كثيرات اللواتي يعكسن القوة والأمان أكثر من الرجال، وهناك الكثير من الرجال الذين يعكسون الرقّة والضعف أكثر من النساء، ولكن المسألة الأهم أيضاً، هل من المنطق أن نختزل الانسان، سواء كان ذكراً أو انثى فقط في هذه الخاصيات؟ وهل فعلاً الانسان، في هوياته/ها الجندرية والجنسية المختلفة، وهوياته/ها الفكرية، والعملية، هو/ي تعبير عن هاتين الهويتين المتصارعتين، ما بين الخشونة والرقة، وما بين الضعف والقوة؟ وهل فعلاً علينا ان نلتزم بمنطق صراع الجنسين المفترض الذي حسب الأفكار التي تتحكم بمجتمعاتنا، علينا كرجال ونساء أن نخوض هذا الصراع بشكل يومي، وعلى ذاتنا أن تتحقق من خلال إحكام انتصار ما على الجنس الآخر؟

أما صراعنا ضد التمييز، والاضطهاد، هو صراع، في نفس الوقت، ضد منطق العنف الاجتماعي، وضد منطق الفصل الجندري والجنسي، ومنطق التمييز السائد، الذي يحاول إلباس المرأة كما الرجل هويات تتناقض موضوعياً مع طبائعهما المختلفة والمتشعبة الفعلية. المسألة ليست بما يجب ان نكون، بل المسألة هي انه لا يجب ان يكون هناك قالبا يحدد ما نكون. ورفض الذكورية، عليه أن يبدأ بكونه مسعى ليس فقط لحرية وتحرر المرأة، بل بكونه ايضاً وعلى نفس القدر من الأهمية، مساراً لتحرر الرجل أيضاً من القوالب الذكورية التي “يجب” أو “مفروض” أن يمتثل بها.

من هنا، فإن مسألة تحرر النساء، لا تنفصل عن مسألة تحرر المجتمع، ولكن ارتباطها هذا لا يجعل من مسألة تحرر النساء كنتيجة لتحرر المجتمع، بل على العكس تماماً، فتحرر المرأة هو شرط مسبق لتحرر المجتمع ككل. لذا فإن تحرر المرأة اليوم، وخاصة في ظلّ الثورات العربية المستمرّة، يقف على نفس المستوى من الأهمية مع مسائل أساسية ومركزية أخرى كالعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، والحرية، ومناهضة الطائفية والعلمانية.

١٩ حزيران ٢٠١٣

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *