ما معنى أن تكون يسارياً في لبنان؟ سؤال طرح في الندوة التي أقامها النادي العلماني في الجامعة الأميركية، يوم الثلاثاء، ١٧ كانون الثاني، بعنوان “نظرة إلى اليسار في لبنان، اليوم”؛ التي شارك فيها كل من: فواز طرابلسي، الياس خوري وبشار حيدر.

المحاضرون الثلاثة أجابوا على السؤال بمصطلحات عامة جدا. فيما خصص الوقت الأكبر للسجال على الفرق بين مفهوم الديمقراطية والليبرالية. تناسى المحاضرون وجود يسار في لبنان، له تجربته الناجحة والفاشلة. غابت هذه التحربة عن التقييم وتطرقوا إليها بشكل بسيط وخجول.

ما معنى أن تكون يسارياً في لبنان؟ سؤال طرح في الندوة التي أقامها النادي العلماني في الجامعة الأميركية، يوم الثلاثاء، ١٧ كانون الثاني، بعنوان “نظرة إلى اليسار في لبنان، اليوم”؛ التي شارك فيها كل من: فواز طرابلسي، الياس خوري وبشار حيدر.

المحاضرون الثلاثة أجابوا على السؤال بمصطلحات عامة جدا. فيما خصص الوقت الأكبر للسجال على الفرق بين مفهوم الديمقراطية والليبرالية. تناسى المحاضرون وجود يسار في لبنان، له تجربته الناجحة والفاشلة. غابت هذه التحربة عن التقييم وتطرقوا إليها بشكل بسيط وخجول.

وانهمك المثقفون في إيجاد تعريف لليسار، من دون التطرق إلى جوهر الأزمة التي يعاني منها اليسار. كان الأجدر أن يكون السؤال كيف يجب ان يتعاطى اليسار مع الجماهير لتثويرها؟ أو  مثلا، كيف يمكننا ان نقيم تجربة الحزب الشيوعي السابقة، ومناقشة اسباب الفشل؟ 

البداية كانت مع الأستاذ الجامعي والكاتب السياسي فواز طرابلسي، الذي استهل حديثه بتعريف اليسار. ورأى أنه “تيار يعتبر أن المساوة بين البشر، ليست أمرا إلهيا أو طبيعيا. كما أن كل أشكال الفروقات الإجتماعية هي من صنع الإنسان. وبالتالي يمكنه التحرر منها. كما أكد أن اليسار لا يزال علماً للرأسمالية التي تحيطنا. ووصفها بالتراث الفكري الذي اتجه بتنوعه لمعرفة قوانين الرأسمالية في السابق كما الآن في طورها الأخير النيوليبرالي. 

ركز طرابلسي في النقطة الثانية، من حديثه، على التفريق بين الديمقراطية والليبرالية. ثم تطرق للعلمانية وفصل الدين عن الدولة. ووصف النظام اللبناني بأنه طائفي، ولكنه شدد على أنه رأسمالي في المقام الأول. ومر طرابلسي بشكل عابر على تجربته كيساري ورأى أن اليسار في لبنان أخفق، عندما انغرس في الحرب الأهلية، وتخلى عن علاقته مع قاعدته الشعبية ومطالبها الاقتصادية والإجتماعية؛ إلى أن انقسم بين قطبين. الأول ليبرالي ينتظر الديمقراطية من أميركا، وآخر قومي إسلامي يعتبر الديمقراطية مؤامرة أميركية. الانقسام هذا، برأي طرابلسي، هو دليل على أن اليسار فقد استقلاله الفكري.  

من جهة أخرى، بدأ الروائي والكاتب السياسي، وأحد مؤسسي حركة اليسار الديمقراطي، الياس خوري، مداخلته بالتساؤل عن الوضع الحالي خلال غياب اليسار في لبنان. وأعطى مثلاً عن الزبائنية الطائفية واتفق مع طرابلسي فيما يخص سلعنة السلطة لحقوق الشعب الإقتصادية والاجتماعية، كالكهرباء والمياه والتعليم الخ.. 

كما اتفق خوري مع طرابلسي أيضاً، على ضرورة وجود الحرية والمساواة في لبنان، والمنطقة العربية. فمن دون المساواة لا وجود للحرية، وبدون الحرية نصبح في نظام دكتاتوري. كما شددا على أن غياب المساواة هو السبب الأول لانتاج التنظيمات “الإرهابية” الحالية. التي غالبا ما تكون إنتاجا لأنظمة الاستبداد نفسها. 

فالتيارات المتطرفة عادة ما تأخذ مكان اليسار الذي غاب عن الثورات العربية. لتعود وتقمع الشعوب من جديد. 

وبهذا الصدد أكد طرابلسي على ضرورة تحالف اليسار. من أجل البدء في خطة عمل مشتركة في لبنان والمنطقة. “ان لم نمتلك المقدرة على التحاور بسبب داعش، هذا يعني أننا لسنا يسار”. إلا أن طرابلسي لم يحدد الأسس التي يجب أن يتفق عليها اليسار. فهل بالامكان فعلا أن تتحالف الاحزاب اليسارية الثورية في سورية ومصر ولبنان، مع الأحزاب اليسارية التقليدية؟ هل بالامكان أن يتناسى الثوريون المواقف المخزية لليسار التقليدي من دعم الأنظمة الفاشية كنظام البعث في سورية أو قادة الثورة المضادة في مصر؟ هل يمكن التحالف مع حزب يفاضل بين الدكتاتوريات؟ هل يجب التحالف مع الحزب الشيوعي اللبناني الذي تناسى قصدا هوية “القوى الظلامية” التي اغتالت أهم مفكريه، وبات يعتبر هذه القوى الوسيلة الوحيدة لمقاومة إسرائيل؟

كان لفواز والياس، الأفضلية في الحديث عن موضوع اليسار اللبناني بشكل نقدي، نظراً لتجربتهما. فطرابلسي كان من أبرز قادته، يوم كان للحركة الوطنية وزنها خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وهنا كان من الأفضل الدخول في نقد الأخطاء التي ارتكبها اليسار وقتها. ففضل الياس خوري التشديد على إيمان اليسار بفكرة الالحاد. مشيرا إلى عدم وجود مقابر علمانية. كما سخر من المؤمنين الذين ينتظرون قدوم أنبياء من الماضي. وهنا أيضا يبدو الإلتباس الواضح حول جملة “الدين افيون الشعوب”، الجملة التي تُرمى دائما كفكرة مستقلة، فتجتزأ ولا توضع في سياقها. في حين أن العبارة الماركسية هي التالية: “المعاناة الدينية هي، في آن واحد وفي الوقت عينه، تعبير عن معاناة حقيقية واحتجاج على معاناة حقيقية. إن الدين هو تنهيدة الكائن المقهور، وهو القلب في عالم بلا قلب، وهو الروح في محنة بلا روح. إنه أفيون الشعوب”. وهنا السؤال، هل نسخر من المؤمنين الذين لجأوا إلى الدين بسبب معاناتهم؟ أليس الأجدر بنا تحليل كيف ولماذا يستخدم النظام الرأسمالي الدين لتفريق الطبقة العاملة وخصوصا في المنطقة العربية؟

جرى الحديث أيضا، عن العنصرية ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين والعمال الاجانب، وعن التمييز الذي يتعرض له اللبنانيين الفقراء. إلا أن مسألة التضامن بين هذه الفئات المضطهدة لم تطرح. وفي معرض حديثهم أِشاروا إلى حراك هيئة التنسيق النقابية وكيف تم محاربتها من قبل السلطة. ولكن أحدا، من المحاضرين، لم يذكر كيف تعاطى اليسار مع الحراك. وكيف تعاطت هيئة التنسيق نفسها مع هذا الحراك حين لجأت القيادة في العديد من المحطات للتنازل عن مطالبها، على الرغم من كون حنا غريب عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني. وكما العادة، غاب موضوع المرأة ودورها في تغيير المجتمع، وكل لأشكال التمييز الذي تتعرض له من قبل السلطة وعدم مواجهة اليسار لهذا الموضوع. 

المداخلة الاخيرة، كانت لرئيس قسم الفلسفة في كليّة العلوم والفنون في الجامعة الأميركية سابقا، بشار حيدر، الذي كما يظهر من حديثه أنه لا يحب الثورات. والتغيير، بالنسبة إليه، يمر عبر المؤسسات القانونية والدستورية. ويرى حيدر أن أي تمرد على السلطة يؤدي إلى الفوضى. كما اعتبر أن حزب الله جزء من المتمردين على السلطة، وليس جزءا أساسيا منها.

بدأ بشار حديثه، عن اليسار غير الليبرالي، الذي ضم إليه كل من الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية السابقة أو الحالية والتي أثبت فشلها في تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية كـ”الإتحاد السوفياتي بقيادة ستالين ونظام صدام حسين وحافظ الأسد وغيرها”. هذه الأنظمة التي لم تؤمن بضرورة وجود المؤسسات الدستورية والرسمية، بعكس حيدر الذي يؤمن أن هذه المؤسسات هي التي تؤدي إلى التغيير الحتمي. ثم انتقل إلى الحديث عن اليسار الليبرالي، بحسب زعمه، وأعطى أمثلة لبلدان يمكننا، على حد قوله، استيراد انظمتها وتطبيقها في لبنان. أما الحل لمشكلة الطائفية في لبنان، كما يراه بشار، فيكمن بتحقيق الإستقرار الإقتصادي أولاً.

مداخلة حيدر، اتاحت المجال لفواز وإلياس، للغوص في التمييز بين الليبرالية والديمقراطية. ثم ما لبث أن تحول النقاش إلى المفاضلة بين  اليسار والليبرالية. 

الخاتمة خصصت من جديد لتعريف اليسار بشكل عام. في حين أن المداخلات جميعها، لم تتطرق للحديث حول إذا كان اليسار قد تعلم من تجارب الماضي. ولم يتم الحديث أيضا عن مسألة التحرر الوطني قبل التحرر من الراسمالية. هذه القضية التي تعد من الأسباب الرئيسية لاخفاق اليسار التقليدي. والأخير حتى يومنا هذا ما زال يفاضل، بين التحالف مع الرأس المال الوطني لمحاربة الاحتلال أو التكفيريين كما يسمونهم الآن، وبين النضال من أجل التحرر من الاثنين معا. لا يزال اليسار التقليدي يدعم انظمة استبدادية لمحاربة أخرى ويفاضل بين امبريالية واخرى. مبررا هذا الدعم بالافتراض ان الشعوب غير واعية طبقيا ويساريا بقدر يسمح لها ان تقوم بثورات. 

في الختام، يجدر بنا أن نسأل، هل فعلا لا صوت لليسار في لبنان؟ هل يمكن الاتكال على اليسار التقليدي ومواقفه المناقِضة للماركسية، وهو الذي لم يواكب ثورات الشعوب ولم يسع، معها، وإلى جانبها، إلى التقدم والتحرر؟  

الأمر المؤكد أنه ما زال بإمكاننا التحدث عن يسار. وبامكاننا أيضا التحدث عن تغيير، وعن ثورات. فالأنظمة الرأسمالية ما زالت قائمة، والتناقضات الناتجة عن هذه الأنظمة المأزومة ما زالت موجودة في المجتمع. والأهم من ذلك كلّه، أن الشعوب بعكس الأحزاب اليساريّة التقليديّة ما زالت تخوض معاركها، لا لتستبدل دكتاتور بآخر، بل لتصنع مستقبلا أفضل، بيدها.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *