لم تفلح دعوات وزير التربية الياس بو صعب للأهالي هذا العام إلى الانخراط في انتخابات لجان الأهل في المدارس الخاصة ترشحاً واقتراعاً، من باب تحمّل المسؤولية في قضية زيادة الأقساط. إذ لا يزال معظم أولياء التلامذة يتقاعسون عن واجب المشاركة في اختيار لجان تمثلهم فعلياً وتدافع عن مصالحهم وحقوق أولادهم

لم تفلح دعوات وزير التربية الياس بو صعب للأهالي هذا العام إلى الانخراط في انتخابات لجان الأهل في المدارس الخاصة ترشحاً واقتراعاً، من باب تحمّل المسؤولية في قضية زيادة الأقساط. إذ لا يزال معظم أولياء التلامذة يتقاعسون عن واجب المشاركة في اختيار لجان تمثلهم فعلياً وتدافع عن مصالحهم وحقوق أولادهم

للجان الأهل في المدارس الخاصة دور تمثيلي قيادي لا يدركه أولياء التلامذة. يظن كثيرون أن النظام الداخلي للمدرسة هو المرجع القانوني الوحيد، فيما اللجان معنية، بحسب القانون 515/1996 الخاص بتنظيم الموازنة المدرسية، ومراقبة الموازنة السنوية للمدرسة ومناقشتها والتدقيق فيها لجهة المصاريف والدخل، والموافقة عليها، ومواكبة الحياة المدرسية ونوعية التعليم والتعاون مع إدارة المدرسة لتحسينها. بمعنى ما، تؤدي لجان الأهل دوراً محورياً وحاسماً في أي مدرسة.

القانون يحدد آليات انتخابات لجان الأهل في كل مدرسة، التي تجري في الفصل الدراسي الأول. تكون مدة العضوية 3 سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط، ويشترط في عضو اللجنة أن يكون له ولد في المدرسة منذ سنتين دراسيتين متتاليتين على الأقل، وأن يكون موافقاً على نظامها الداخلي وقابلاً أحكامه وشروط تطبيقه. أما عدد الأعضاء، فيكون بمعدل ممثل واحد على الأقل عن كل صف، على ألا ينقص عدد الممثلين عن خمسة ولا يزيد على سبعة عشر. اللافت هو أن المشاركة واجب على الأهالي تحت طائلة إسقاط الحق نهائياً بالطعن في نتائج هذه العملية، ويكون النصاب قانونياً بحضور الأكثرية المطلقة من أولياء التلامذة (أي نصف عددهم زائداً واحداً). وإذا لم يكتمل النصاب يكون الاجتماع الثاني، في المكان واليوم والساعة نفسها من الأسبوع اللاحق، قانونياً بمن حضر.

ماذا يحصل في الواقع؟ يروي بعض ممن اختبروا هذه الانتخابات أنّه نادراً ما يكتمل النصاب من الجلسة الأولى، إذ لا تتجاوز نسبة المشاركة 10% إلّا في بعض الاستثناءات، لذا فيرجأ الاجتماع أسبوعاً كاملاً. خلال هذا الأسبوع، تتصل إدارة المدرسة بأصدقائها من الأهل وتقترح تعيينهم في اللجنة، ولا سيما الرئيس وعضوا الهيئة المالية، فيحضر من يحضر في الأسبوع التالي وتجري عملية الانتخاب أو التعيين أو التزكية وتصبح اللجنة التي حددتها إدارة المدرسة من «عضام الرقبة»، لكون الأهل الباقين لم يتسنّ لهم تأليف لوائح منافسة لغياب آلية تسمح بأن يعلن الراغب في الترشح ترشّحه أو يعلن برنامجه الانتخابي، ولا تسمح المدرسة للأهل بالتواصل في ما بينهم لعرض البرنامج في اجتماعات عامة. بذلك تكون إدارة المدرسة قد ضمنت توقيع الموافقة على موازنتها من دون رقابة فعلية من الأهل أو اللجان، لأن آليات الانتخاب فيها خلل وضعف في التمثيل، إن لم يكن تواطؤ تصوغه إدارة المدرسة ومصالح أصحابها.

وعلى الرغم من تدخل إدارات المدارس المباشر أو غير المباشر في اختيار وتحديد أو تسهيل انتخاب الرئيس والهيئة المالية، تبقى هناك مخاوف وشكوك لديها بشأن إمرار الموازنة. لذا يلجأ معظمها إلى ممارسة نوع من الضغوط النفسية على الهيئة المالية، إذ يدخل المجتمعون غرفة شبه مظلمة، حيث توزع الموازنات بنحو شخصي مع مراقبة مشددة، ولا يسمح طبعاً للهيئة المالية بأخذها خارج المدرسة لدراستها في مهلة لـ10 أيام التي تنص عليها المادة 10 البند 7، ولا يمكنها الاستعانة بمدقق أو محاسب للتدقيق في الحسابات من خارج الهيئة المالية لمراجعة الموازنات، بل غالباً ما تُختار الهيئة المالية من خارج المتخصصين في المحاسبة والإدارة.

في هذه الأجواء، يشعر عضوا الهيئة بأنّهما مجبران على التوقيع، علماً بأن القانون ينصّ على حقهم في دراسة الموازنة لمدة 10 أيام وعرض تقريرهم أمام كل أعضاء لجنة الأهل للموافقة عليه في مهلة 15 يوماً، بحسب البند 8 من المادة نفسها. لكن ما يحصل غالباً أن إدارة المدرسة ورئيس لجنة الأهل لا يعرضان الموازنة على لجنة الأهل، بل يلجآن إلى الخيار الثاني، وهو التوقيع دون إطلاع لجنة الأهل على تفاصيلها التي تكون تقنية في العادة، وتحتاج إلى أشخاص لهم باع في المحاسبة أو الأمور الإدارية والميزانيات لشرحها وكشف القطب المخفية فيها. وإذا قرر أي عضو أن يطلب تفسيراً من الإدارة، فهو يحصل على تفسير معقّد أكثر من الموازنة نفسها.

غالباً ما يتساهل الأهل في هذا الموضوع، فجزء منهم يوقّع لأنه أتى بالتوافق مع إدارة المدرسة، وبالتالي يخدم مصالحها، وجزء ثانٍ منهم يخضع لإغراءات إدارة المدرسة مثل إعفائه من كامل القسط أو من جزء منه، ويخشى بعض الأهل الضغوط التي يمكن أن تمارسها الإدارة على أبنائهم، وهناك جزء ثالث يوقع لأنه لا يملك المعرفة المالية والحسابية للتدقيق في الموازنة ويتأثر بكلام الإدارة وحساباتها والتهويل والأجواء المرافقة. ولو كان هناك تمثيل فعلي، لكانت المعركة الحقيقية التي يخوضها الأهل هي ضد زيادة الأقساط وليس ضد رواتب المعلمين.

من يعترض من الهيئة المالية، فإنه يخضع لضغوط من الأعضاء الآخرين، ومن بعض أعضاء لجان الأهل، ومن الإدارة، ومن خوفه على أولاده وبناته، ومحيطه العائلي، ومن ضعف آليات التشكي والتظلّم عبر المحاكم والمجالس التحكيمية، وضغوط الجهات الدينية أو السياسية الراعية للمؤسسة، ومن «تقاعس» بعض موظفي وزارة التربية، فيجد نفسه وحيداً في مواجهة الضغوط. فإما أن يخنع فيوقّع، وإما أن يستقيل ويُكلَّف شخص آخر من لجنة الأهل بمهماته.

في النهاية، توقع الهيئة المالية ورئيس لجنة الأهل على محضر الاجتماع وعلى 3 أوراق هي الموازنة من دون تفاصيلها. أما الملف كاملاً، فيوقعه لاحقاً الرئيس منفرداً أو عضو من الهيئة المالية، وتتضمن بيانات تفصيلية لرواتب المعلمين/ات في الملاك وخارجه وجداول رواتب الهيئة الإدارية وبيانات صندوق التعويضات للأساتذة ووثائق أخرى.

المفارقة هي ما حصل هذا العام مع أحد أولياء التلامذة في إحدى المدارس، الذي استدعته إدارة المدرسة وحاولت ثنيه عن المشاركة، باعتبار أنّه ناشط، وقد شهّر في السابق بالإدارة على مواقع التواصل الاجتماعي. المرشح كان يقول إن رئيس اللجنة فاقد للصلاحية وليس لديه صفة ولا يحق له توقيع الموازنة، لأنه ليس لديه أولاد في المدرسة. ومع ذلك لم تستطع الإدارة ثني الرجل عن الترشح. يقول إنّه سيسعى إلى طلب الفواتير التفصيلية لمصاريف المدرسة، متسلحاً بالمادة 19 من القانون 11/81 الخاص بمراقبة زيادة الأقساط والرسوم المدرسية التي لم يلغها القانون 515 وتنص على الآتي: «تمسك الإدارة المدرسية قيوداً لمداخيلها ولمصروفاتها وتحتفظ لديها بالمستندات والوثائق الثبوتية لهذه القيود، ويعود للهيئة المالية ولجنة الأهل عند الاقتضاء ولوزارة التربية وقاضي الأمور المستعجلة الكشف على هذه القيود والمستندات والوثائق في الإطار الذي يحدده القانون». كذلك تستغرب إحدى الأمهات تقاعس مدرسة أبنائها عن تحديد موعد لانتخابات لجنة الأهل، رغم انقضاء مدة ولاية اللجنة الحالية. وتلفت إلى أن اللجنة السابقة لم تجتمع طوال السنوات الثلاث الماضية، فيما عينت رئيستها عضوة في الهيئة الإدارية للمدرسة!

حق اعتراض الأهل ولجان الأهل على الميزانية مكفول بالقانون 515 أيضاً، ولا سيما في المادتين 12 و 15، فالأولى تنص على أنه «باستثناء التزوير في الكشوفات والبيانات الذي يبقى من صلاحيات المحاكم الجزائية، تنظر مجالس تحكيمية خاصة تنشأ بمعدل مجلس واحد لكل منطقة تربوية: ـ بالمخالفات لأحكام هذا القانون والنزاعات الناشئة عن تطبيقه. ومراجعات أولياء التلامذة المتعلقة بالتدابير المتخذة من إدارة المدرسة بحق أولادهم فيها (..)». أما المادة 15 فتنص في البند (أ) على الآتي: «بالإضافة إلى وزير التربية ولجان الأهل، لكل متضرر حق مراجعة المجلس التحكيمي. وهذه المراجعة معفاة من الرسوم القضائية ومن واجب الاستعانة بمحام». وفي البند (ج): «إذا كان مدّعي الضرر من عدم مشروعية القسط المدرسي أو الزيادة عليه هو ولي تلميذ، وجب عليه أن يثبت، تحت طائلة عدم قبول المراجعة أمام المجلس التحكيمي، أنه تقدم من لجنة الأهل بمراجعة منذ أكثر من 15 يوماً لم تؤد إلى رفع الضرر عنه أو إلى اتخاذ أي قرار من قبل اللجنة المذكورة.

أما المادة 17 فتنص على أنه «عندما يتبين للمجلس التحكيمي أن الزيادة على الأقساط المدرسية غير مشروعة يحكم بردّ هذه الزيادة إلى أصحابها. وإذا تبين أنها متعمدة أو عن سوء نيّة يحكم بغرامة تراوح بين 10% و50% من قيمة مجموع الزيادة على الأقساط المستوفاة من دون وجه حقّ».

بمعنى آخر، يحق لكل ولي أمر أو عضو في لجنة الأهل التقدم بطلب خطّي إلى لجنة الأهل، مع وصل استلام، لحل شكواه وخلال 15 يوماً، إذا لم تُحلّ مشكلته، يتقدم بشكوى إلى المجلس التحكيمي. أما الشكوى فيمكن أن تراوح بين رفض تبرير زيادة الأقساط واستعادة الفائض في الميزانية إلى الاعتراض على تطبيق بنود القانون 515، وصولاً إلى إعادة درس الموازنة. المجلس التحكيمي مؤلف من قاضٍ رئيساً ومستشارين اثنين، أحدهما يمثل أصحاب المدارس، والثاني لجان الأهل أو أولياء التلامذة في المنطقة التربوية ومندوب عن وزارة التربية وكاتب. لكن من المفيد الإشارة إلى أن هذه المجالس لم يتم تشكيلها بموجب مرسوم في أي من المحافظات اللبنانية، فتُحوَّل الشكاوى الخاصة بالقانون 515 إلى قاضي الأمور المستعجلة في كل محافظة.

تجارب بديلة

هي المرة الأولى التي تفوز فيها لائحة للجنة الأهل بالتزكية في الليسيه الكبرى التابعة للبعثة العلمانية الفرنسية. قطع الطريق على أي تدخلات والحماسة للتغيير دفعا بعض الأهالي إلى الانسحاب لمصلحة التوافق على برنامج انتخابي استطاع أن يوحّد لائحتين. أعضاء اللائحة الائتلافية يعدون بالتزام مبدأ الشفافية من أجل مشاركة فعالة ومسؤولة للأهل في الحياة الأكاديمية والحفاظ على الاختلاط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في المدرسة. البرنامج يؤمن التفاعل بين عناصر العملية التعليمية: الإدارة والأساتذة والأهل والتلامذة. ويقوم على أربعة محاور تتركز على التلميذ: ففي المحور المالي، ستراقب اللجنة الجديدة، كما تقول في برنامجها، الأقساط والمصاريف. وتعد في المحور التربوي بالإسهام في تحسين نوعية التربية وتمهين الأساتذة وتعزيز كفاءاتهم الوظيفية. وفي محور التواصل، تؤكد الحوار المستمر بين الأهالي والإدارة وبين الأهالي أنفسهم. وستعمل كما تؤكد على تطوير الحياة المدرسية.

المصدر: الأخبار

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *