الوقوف في طوابير لتعبئة المياه في السطول والغالونات بات أمرا مألوفا في لبنان. وبات مألوفا أيضا أن يجلس على كراسي مجلس النواب، “سطول” من طراز مختلف، يهملون -دائماً وأبداً- تلبية أدنى احتياجات الشعب في لبنان. فتقطع الكهرباء لساعات طويلة، ويتغاضون عن تنظيم قطاع المواصلات، ويحاربون سلسلة رتب ورواتب عادلة لموظفي الدولة، ويمنعون العمال من التثبيت في القطاع العام، وينطبق هذا أيضا على المياه، التي يُحرَمُ منها المواطنون..

الوقوف في طوابير لتعبئة المياه في السطول والغالونات بات أمرا مألوفا في لبنان. وبات مألوفا أيضا أن يجلس على كراسي مجلس النواب، “سطول” من طراز مختلف، يهملون -دائماً وأبداً- تلبية أدنى احتياجات الشعب في لبنان. فتقطع الكهرباء لساعات طويلة، ويتغاضون عن تنظيم قطاع المواصلات، ويحاربون سلسلة رتب ورواتب عادلة لموظفي الدولة، ويمنعون العمال من التثبيت في القطاع العام، وينطبق هذا أيضا على المياه، التي يُحرَمُ منها المواطنون..

في هذه الفترة تبدو مسألة المياه من أهم المسائل الحياتية في لبنان، خاصةً بعد انخفاض معدل هطول المتساقطات، وهنا يجدر بنا السؤال، هل هناك فعلاً شح في المياه؟

الباحث والمحاضر في الجامعة الأميركية في بيروت، رولان رياشي، يؤكد أنّ “تساقط الأمطار انخفض، فالمعدل العام للمتساقطات يتراوح بين 800 و900 ميليمترا في المتر المربع.  وفي هذه السنة بلغ معدل تساقط الأمطار 450 ميليمترا في المتر المربع”. ولكن رياشي لا يحصر المشكلة فقط بانخفاض معدّل هطول الأمطار، فهو أيضا يردّها إلى “الفساد الإداري للموارد المائية، بالإضافة إلى الكم الهائل للوظائف الشاغرة لموظفي المياه، وأيضا إيقاف محطات التكرير عن العمل؛ وسوء توزيع المياه كل ذلك بهدف الدفع إلى خصخصة هذا القطاع” كل هذه الأسباب، بحسب رياشي، تشكّل عائقا أمام وصول المياه إلى جميع المواطنين.

يوجد في لبنان ثمان محطات تكرير، عاطلة عن العمل، طبعاً كلفتها تدخل في الشق المخصص لمجلس الإنماء والإعمار، من الموازنة. والجدير بالذكر أن هذا المجلس يتحمل مسؤولية 20% من الدين العام اللبناني. ثمان محطات تكرير لا تعمل لأنه ليس هناك من يشغلها. والسبب يعود إلى الشغور في الوظائف بقطاع المياه، فالنسبة تصل إلى حد الثمانين في المئة. أمّا نسبة الـ 20 المئة المتبقيّة فهي مخصصة للوظائف المتعلقة بإدارة المياه ومواردها. ولكن، السؤال هنا، ما فائدة إعطاء المدراء رواتب لإدارة ماكينات متوقفة عن العمل؟ لماذا لا تصرف الأموال على رواتب من يشغلها؟ العمال مثلاً؟  الذين يعملون مع أصحاب الخزانات المتنقلة، حيث يتقاضون أجراً منخفضاً، ألا يوجد لهم وظيفة ضمن نسبة الشواغر البالغة 80%؟  

وجود نسبة ضئيلة جداً من العمال في قطاع المياه، يفسر عدم توفر المياه بشكل منتظم، فمنذ السبعينات حتى يومنا هذا، نرى انخفاضا بكمية المياه التي تضخ إلى المنازل فمن تغطية تصل إلى 90% منها، إلى تغطية تصل إلى 80 بالمئة، هذا وتصل المياه إلى البيوت بشكل غير منتظم، أي غير يومي وبشكل ضئيل جداً. فيتهافت أصحاب البيوت إلى حفر الآبار بجانب منازلهم لكي يحصلوا من خلالها على المياه من دون تعب، ويصل عدد الآبار الإرتوازية إلى ما يقارب 50 ألف بئر إرتوازي خاص، و650 بئرا للدولة ومصالح المياه، فتنفد المياه الجوفية، التي يفترض أن تكون احتياطية.

هذا ولم نذكر بعد دور شركات المياه الكبرى التي، وبموافقة السلطة، تسيطر على المياه الجوفية لتبيعنا اياها وتصدرها للخارج. فبحسب قانون صدر منذ زمن السلطنة العثمانية، سمح بحفر الأبار لتشجيع الفلاحين على الزراعة وقتها، وظل يتجدد حتى بات اليوم معروفا بالمرسوم التنظيمي الرقم 14438 الصادر بتاريخ 2/5/1970 من حيث العمق وطاقة التصريف اليومية. وهناك تراخيص وشروط لسحب المياه أيضا. فعلى المنتفع منها ان يدفع رسوما معينة (آخر تعديلات على الرسوم حسب المرسوم الرقم 13034 تاريخ 11/9/1998 يحدد رسوم الرخصة في الأملاك العمومية بمليون ليرة لبنانية وفي الأملاك الخاصة نصف مليون ورسم الاستعمال للري مئة ليرة على المتر المكعب و600 ليرة لحاجات الصناعة والسياحة). والأحدث من ذلك القرار 118/2088 سنة 2008 الذي يسمح بحفر الآبار التي عمقها لا يتجاوز الـ150 مترا بتقديم طلب حفر ودفع مبلغ  قدره 1,275,000 ل.ل للخدمتين المتعلقتين بطلبات الحفر والاستعمال مجتمعتين. 

أما في حال عدم ظهور المياه عند الاقتراب من عمق 150 مترا، عليه أن يتوقف فورا عن الحفر والتقدّم بطلب مشروع مرسوم لحفر بئر يتعدّى عمقها 150م.

إلا ان الادارة الرسمية المعنية بتطبيق هذه المراسيم والقرارات، لا تأبه لهذه التقنيات، وتجدها ثانوية وغير مهمة، لذلك فهي تعفو نفسها من هذه المهمة وتصبح الآبار غير المرخصة أكثر من تلك المرخصة وطبعاً شركات المياه غير متضررة من كلفة الرخصة لأنها تجني أرباحاً أكثر بأضعاف، من كلفة رسوم الترخيص.

من جهة أخرى، ونظرا لشح المياه، أصبح المواطنون مضطرين إلى الاقتناع بهذه الكذبة، في الوقت الذي تصل فيه المياه إلى بيوتهم عن طريق الشركات والموزعين غير الحاملين لتراخيص توزيع المياه أو حتى لاستخراجها. مما يعني أن هناك مياها لا تريد السلطة استخراجها. والمياه التي توزع وتباع هي ليست “هبة من الله تعالى”. لذا أتت محاولة خصخصة الموارد المائية، عبر مشروع الـ”بلو غولد” لتغرف من النفط الأزرق ما يسيل اللعاب.

لذلك، النظام اللبناني هو المسؤول الأول والأخير عن الفساد في إدارة الموارد المائية، من هدر، وسوء توزيع ووقف توظيف. واستغلال هذا النظام لحاجات الناس الأساسية بغية الحصول على المال والأرباح لصالح رموزه، هو أمر يجب وضع حد له.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *