محاصصة القوى الطائفية في ملف تعيينات العمداء لم تضرب الامل بتحقيق استقلالية الجامعة اللبنانية فحسب، بل أطاحت أيضاً الحد الادنى من المعايير الأكاديمية والقانونية في الاختيار. داس السياسيون وبعض «أهل الجامعة» القوانين التي ترعى ترشيح العمداء وتفريغ الأساتذة المتعاقدين، فأسماء الأساتذة المطروحين على مجلس الوزراء لعمادات الكليات لم تخضع الا للمعايير الطائفية والحزبية، بمعزل عن اي تقويم للكفاءة والاهلية

محاصصة القوى الطائفية في ملف تعيينات العمداء لم تضرب الامل بتحقيق استقلالية الجامعة اللبنانية فحسب، بل أطاحت أيضاً الحد الادنى من المعايير الأكاديمية والقانونية في الاختيار. داس السياسيون وبعض «أهل الجامعة» القوانين التي ترعى ترشيح العمداء وتفريغ الأساتذة المتعاقدين، فأسماء الأساتذة المطروحين على مجلس الوزراء لعمادات الكليات لم تخضع الا للمعايير الطائفية والحزبية، بمعزل عن اي تقويم للكفاءة والاهلية

منذ التسعينيات من القرن الماضي، تتعرض الجامعة اللبنانية لمحاولات متكررة لضرب مستواها وتهجير طلابها لمصلحة «الدكاكين» الجامعية الخاصة. توقف تعيين العمداء بمرسوم في مجلس الوزراء منذ 10 سنوات، وسُحبت صلاحيات عدّة من الجامعة الى مجلس الوزراء، أبرزها ابرام عقود تفرغ الأساتذة. كذلك تجميد تعيين موظفين جدد منذ 17 عاما، وسُحبت من الجامعة صلاحية اجراء المباريات لتعيين الموظفين. الحكومات التي سحبت هذه الصلاحيات قدمت إلى الجامعة في المقابل سياسة تقشف مالية نتيجة تقليص ميزانية الجامعة، وتقاعست عن اقرار العديد من ملفاتها لاعتبارات متعددة، تبدأ بالمحاصصة الطائفية والمذهبية، ولا تنتهي بترجمة أهداف مبطنة لضرب مستواها لمصلحة الجامعات الخاصة، ولم تكن الحكومات منفردةً في هذه القرارات، فالجامعة برئيسها وبعض عمدائها كانوا شركاء اساسيين في الجريمة المرتكبة بحق جامعة الوطن.

اذاً، الحرب على الجامعة اللبنانية تمتد الى عقود، وبالتالي ليست المحطتان الأخيرتان الا فصلا من هذا المسار التدميري.

المحطة الأولى كانت هذا العام، عندما كلّف رئيس الجامعة عدنان السيد حسين ثمانية عمداء جدد، عن طريق المداورة الطائفية، تولي عمادات الكليات، وذلك لتتاح الفرصة أمام رئيس المكتب التربوي في حركة أمل حسن زين الدين ليصبح عميدا لكلية العلوم. متذرعاً حينها بالقانون 66 وبضرورات تأمين حسن سير المرفق العام.

المحطة الثانية بدأت في عهد وزير التربية الياس بو صعب، الذي افتتح بورصة ترشيح الأساتذة المتعاقدين للتفرغ مرّات عدّة، الملف يضم في أخر صيغه نحو 960 أستاذا، الا أن مفاوضات بو صعب مع القوى السياسية رفعت الرقم الى ما يزيد على 1100 استاذ، ما يدل على تدخل «وقح» من قبل السياسيين تحت ذريعة «دراسة الملفات»، جرى ذلك في ظل تغطية من رئيس الجامعة، الذي رأى أن الحاجة تفوق الرقم المطروح. ليس هذا فحسب، بل إن العديد من اساتذة الجامعة الصامتين في العلن بدأوا يهمسون في السر عن وجود شوائب كثيرة في ملفات بعض العمداء المرشحين، اذ إن الشروط الأكاديمية والقانونية لم تُحترم في عملية اختيارهم، وهم مقتنعون بأن حصيلة «البازار» المفتوح مهما كانت ستحول مجلس العمداء من مجلس أكاديمي لادارة شؤون الفروع والوحدات في الجامعة اللبنانية الى ما يشبه مجلس «الملالي»، الذي تتقاسمه الطوائف والأحزاب السياسية، فاللائحة المقترحة على مجلس الوزراء، التي حصلت عليها «الأخبار» تضم 5 أساتذة على الأقل تشوب ملفاتهم بعض الخروق للقانون 66، الذي ينظم آلية ترشيح الأساتذة لعمادات الكليات، وهم: رفيق يونس (كلية الصيدلة)، كميل حبيب (كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية) محمد حسني الحاج (معهد الفنون الجميلة).

هؤلاء الثلاثة سبق أن قضوا أكثر من 4 سنوات في منصبهم كعمداء، بخلاف القانون 66، ومادته السابعة التي تنص على أن «يعين العميد لمدة أربع سنوات غير قابلة للتجديد الا بعد انقضاء ولاية كاملة…»، يتذرع وزير التربية ورئيس الجامعة، اللذان يمثلان معا مجلس الجامعة في غيابه، بأنهم عمداء مكلفون لا أُصلاء. الا ان الاساتذة المعترضين سرا يشيرون الى ان «أهل الجامعة» انفسهم، من رئيس وعمداء ومديرين، رأوا سابقا أن العميد المكلف يمارس مهمات العميد الأصيل نفسها، وذلك في بيان اجتماعهم الأخير الذي حاولوا خلاله الدفع نحو خيار إنشاء مجلس العمداء من المكلّفين، فضلا عن ان قرار تكليف العمداء في السابق جاء سندا للقانون 66 وروحيته، وبالتالي فان المكلفين كان عليهم أن يقضوا الفترة القانونية (4 سنوات) ثم يجري استبدالهم، ولا يحق لهم اعادة الترشح الى مناصبهم لولاية جديدة متصلة.

أما نبيل الخطيب (كلية الآداب والعلوم الانسانية)، فجرى اختياره من خارج الأسماء الخمسة المنتخبة من قبل المجالس الأكاديمية، لأنه «السني» الوحيد المتوافر بين من تقدموا بترشيحاتهم، اذ رفض ترشيحه حينها بما أنه استاذ متفرغ، لكن ليس من ضمن الملاك، وخصوصا أن المرشحين الباقين كانوا من الملاك، ولهم الأولوية بحسب القانون. وكذلك فهد نصر (كلية السياحة)، فهو أستاذ في ملاك كلية العلوم لا في ملاك كلية السياحة، بخلاف القوانين التي تعطي الأولوية لأساتذة الملاك في الكلية نفسها (المادة السابعة تنص على أنه يجري اختيار المرشحين من بين أساتذة الوحدة الداخلين في ملاك الكلية).

الأسماء الاخرى المرشحة تستوفي الشروط القانونية، الا ان الاعتقاد سائد بانها تحظى برضى الاحزاب السياسية، وهم: حسن زين الدين (كلية العلوم)، وفاء بواب (كلية الصيدلة)، سمير مدور (كلية الزراعة)، غسان شلوق (كلية ادارة الاعمال والعلوم الاقتصادية)، مينا زيدان (كلية الصحة العامة)، فؤاد أيوب (كلية طب الأسنان)، يوسف كفروني (معهد العلوم الاجتماعية)، محمد حجار (المعهد العالي للدكتوره في العلوم والتكنولوجيا)، طلال عتريسي (المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية)، طوني عطالله (المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية)، جورج روحانا (كلية العلوم الطبية).

في ظل هذا المشهد، اعلن النائب وليد جنبلاط نيته التخلي عن حصة «الدروز» (عميد واحد) في مجلس عمداء الجامعة اللبنانية، مقابل ابقاء بيار يارد (كاثوليكي) عميدا لكلية الطب بدلا من جورج روحانا (ماروني)، بحسب وليد صافي الأستاذ المتابع للملف لدى الحزب التقدمي الاشتراكي، فما الذي يقف وراء تمسك الاشتراكي بيارد، هل هو الحرص على كفاءة المرشحين؟ أم ان هناك قطبة مخفية؟

جنبلاط أوصل رسالته الى رئيس الحكومة تمام سلام، ووزير التربية عبر الوزير وائل أبو فاعور، ويقول صافي إن تمسكهم بيارد ينبع من «عدم تعاطي جنبلاط مع مجلس الجامعة على أنه مجلس ملّة، برغم كفاءة العميد الدرزي المقترح». أما بو صعب، فأعرب لـ«الأخبار» عن أنه منفتح على الطروحات الايجابية المقدمة، وعلمت «الأخبار» أيضا أنه ينتظر جوابا من النائب ميشال عون حول طرح جنبلاط.

امس، نفذ الأساتذة المتعاقدون اعتصاما في ساحة رياض الصلح، مطالبين باعتبار ملفات الجامعة اللبنانية ملفات وطنية لا ملفات سياسية. أما رابطة الأساتذة المتفرغين، فتعقد هيئتها التنفيذية مؤتمراً صحافياً اليوم عند الثانية عشرة في مقرها، تشرح فيه الوضع الراهن للجامعة، وتعلن فيه موقفها على ضوء التطورات في الملفات المرفوعة إلى مجلس الوزراء.

المصدر: الأخبار

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *