في الخريف الماضي أصدرت مجموعة “ماييرا سوسياليستا” (المد الاشتراكي) في فنزويلا بياناً تدعو فيه اليسار العالمي للوقوف إلى جانب الثورة في سوريا، وضد التدخل الإمبريالي وضد الببغاوات الذين يرددون دعاية وأكاذيب نظام الأسد.

في الخريف الماضي أصدرت مجموعة “ماييرا سوسياليستا” (المد الاشتراكي) في فنزويلا بياناً تدعو فيه اليسار العالمي للوقوف إلى جانب الثورة في سوريا، وضد التدخل الإمبريالي وضد الببغاوات الذين يرددون دعاية وأكاذيب نظام الأسد.

وللأسف فإن العديد من المنظمات اليسارية تقع ضمن الفئة الأخيرة من المدافعين عن النظام – على الرغم من كون جزء كبير من هذه الحركات تتزعم حركة “مناهضة الحرب” وحركات “التضامن” في الغرب (نضع هذه العبارات بين مزدوجين بهدف التشكيك بهؤلاء الذين يقفون بوجه ثورة حيّة).

هذه التناقضات الظاهرة تبيّن عن خلافات نظرية عميقة حول طبيعة الأنظمة “المناهضة للامبريالية”، والتي تعيدنا إلى خلافات حول مفهوم الثورة الدائمة، أي امكانية أن تستولي الطبقة العاملة في الدول المستعمَرة على الحكم، واستحالة أن تقوم الحكومات البرجوازية، مهما كان خطابها، بإخراج تلك البلاد من تحت براثن الامبريالية.

في مقالة لاحقة سنتعمق في هذه المسائل النظرية، ولكننا اليوم بحاجة إلى التعرف على هذه الأطراف والحجج التي يستخدمونها.

العمل الأكثر إلفاتا للنظر والاكثر ضرراً من اليسار المناهض للثورة هو إنكارهم لانخراط الملايين من السوريين في التعبئة المستمرة وفي اللجان القاعدية في المئات من المدن والقرى، والتي تنظم التحركات والنضال من اجل تأمين الحاجات اليومية للمقيمين من الصحة والتعليم، والثقافة، والطعام، والأمن الخ. 

بدلاً من ذلك، يقوم هؤلاء المنكرين (للثورة) بترديد والمساهمة بنشر دعاية النظام، من ضمنها مقاطع الفيديو الملفقة، ويلفقون – أو يبالغون – باتهام المعارضة بالاعمال الوحشية، بالإضافة إلى تضخيم حجم وأثر الجهاديين (بالطبع ينكرون في الوقت عينه تواطؤ نظام الأسد مع بعض الجهاديين).

وعلى رأس هؤلاء المنكرين الحركات المناهضة للحرب في الولايات المتحدة وبريطانيا. في الولايات المتحدة هناك “الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب” (UNAC) حيث يشارك فيها بشكل بارز تياران يساريان: من جهة، الستالينيون الجدد في حزب الاشتراكية والتحرير (PSL) وحزب العمال العالمي (WWP) ومنظمة الطريق الحر الاشتراكية (FRSO). من جهة أخرى، هناك منظمة العمل الاشتراكي (SA)، والتي تتفرع من الحركة التروتسكية. منظمة العمل الاشتراكي تبنت موقفاً ضيقاً من تاريخها، فقد رددت شعارات الحركة المناهضة للحرب على فيتنام “أميركا أخرجي من فيتنام الآن”، والتي اعتمدته باعتباره، بحسب رأيها، الموقف الوحيد الذي يمكن أن يضمن وحدة الحركة. واعتبرت أن التضامن مع أولئك الذين يحاربون الإمبريالية أو الأنظمة العميلة من شأنه أن يقسم الحركة أو أن يضعفها. والمفارقة في هذا الموقف الميكانيكي أنه يتناقض مع موقف المنظمة نفسها عام ١٩٩٩ حين دعمت استقلال كوسوفو عن صربيا في حين عارضت التدخل الأميركي. كما يتناقض مع موقف المنظمة التي تفرعت منها خلال الثلاثينيات من القرن الماضي حين تضامنت مع الثوار ضد حكم فرانكو في اسبانيا، فضلاً عن العمل البطولي لمفكريها في فرنسا الذين أمنوا الدعم المادي والسياسي لجبهة التحرير الوطني في الجزائر خلال حرب التحرير.

ولكن اليوم، ولضمان التزامها لفهمها المشوه للجبهة الموحدة المبنية على قضية واحدة، تساند منظمة العمل الاشتراكي مطلب الستالينيين الجدد ضمن الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب في عدم دعم الثورة في سوريا.

وهذا الموقف يشكل دعماً ضمنياً للأسد. فبيان الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب حول سوريا يقول إن “حكومة الولايات المتحدة تصدر الأسلحة وتقدم دعماً لوجستياً للميليشيات السورية (…) تصدير الأسلحة إلى الميليشيات المعارضة في سوريا يساهم في تزايد العنف، ويزيد من احتمالات نشوب حرب أهلية و/أو حصول تدخل عسكري مباشر، وزعزعة الاستقرار. ومن يعانون دائماً هم أولئك الذين لم يشاركوا في النزاع المسلح”.

ولكن البيان لم يتحدث عن أسلحة الأسد ومن يزوده بها. لذلك فإن رسالة البيان الضمنية تعتبر أن المعارضة هي الوحيدة التي أخطأت في تأمينها واستخدامها السلاح. وعلى الرغم من اعتراضاتهم ومطالبتهم بتصويب نيرانهم على “العدو في الداخل” (اي الإدارة الاميركية)، لكنهم لم يتحدثوا عن ترسانة الأسد الهائلة (بالمقارنة مع المعارضة)، وطريقته الوحشية في استخدامها، الأمر الذي يشير إلى موافقة الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب على النهج الذي يسلكه النظام.

البيان نفسه يضيف: “على الرغم من أن الناشطين قد يحملون وجهات نظر مختلفة من النظام السياسي الداخلي في سوريا، يجب أن نتفق على أن حكومة الولايات المتحدة لا تملك الحق في فرض إرادتها على الدول الأخرى…”. ولكن البيان لم يتحدث عن انتهاك هذا الحق من جانب روسيا والصين، أو حزب الله، فضلاً عن حرمان الأسد للشعب السوري من أبسط حقوقه.

في منتصف شهر أيلول الماضي، أرسلت عدة منظمات ممثلين عنها – من بينها قيادات ضمن الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب (UNAC) – للقاء بشار الاسد في دمشق، وقد شاركت الأطراف عينها في الجولة التي قامت بها الراهبة أغنيس مريم الصليب، المدافعة عن النظام السوري، في الولايات المتحدة.

ويصف إريك رودر في مقاله “معاً ضد الحرب والديكتاتورية” عن المظاهرات التي دعت إليها الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب والمنظمات التابعة لها، بأنها اتسمت برفع المتظاهرين صور الأسد وأعلام النظام، فضلاً عن إلقاء خطب لمؤيدين للنظام السوري تطالب بشن المزيد من الهجمات المسببة للإبادة الجماعية، ووزعّ الستالينيون الجدد بيانات تردد أكاذيب النظام.

ويقول رودر: “إن أولئك الذين يدافعون عن الأسد، يصرون على أن اتخاذ أي موقف آخر سيساعد الولايات المتحدة أن تبني حجتها من أجل الحرب”، وبالتالي بالنسبة إلى الستالينيين الجدد، “إن أي نقد لنظام الأسد في مثل هذا الوقت هو مساندة للحرب الأميركية على سوريا”.

“ولكن في الحقيقة هذه المنظمات تدعم الأسد حتى عندما لا يواجه نظامه أي تهديد بالهجوم”.

ومعظم الذين يسمون أنفسهم “مناهضين للإمبريالية”، أولئك الذين يدافعون عن نظام الأسد يساعدون الولايات المتحدة على تحقيق إحدى أهدافها من خلال دعم ديكتاتور يشاركهم هدف ضرب الثورات في المنطقة بأسرها.

رودر يشير إلى أن بعض القوى المعارضة للأسد تدعو الولايات المتحدة إلى شن ضربات على قواعد النظام العسكرية. هذا الأمر دفع المدافعين عن النظام السوري إلى القول إن المعارضين السوريين هم عملاء للإمبريالية. ولكن رودر يقول، وبشكل صحيح: “هذا الأمر لا ينبغي له أن يفاجئنا لأن الأسد المجرم استعمل كل أنواع الأسلحة ضد المدنيين العزل… وربما تكون وجهة النظر هذه قصيرة النظر… لكنهم ليسوا بالتأكيد مجرد دمى في يد الإمبريالية لمجرد أنهم يريدون رؤية النظام القاتل معاقباً”.

ويعتبر رودر في مقال آخر أن: “المسؤولين الأميركيين من الواضح تماماً أنهم لا يريدون أن تصل القوى الشعبية إلى السلطة في سوريا، أياً كان موقفها من الضربة العسكرية. فالمحلل العسكري المخضرم إدوارد لوتواك، على سبيل المثال، لخص الاتفاق المعقود الشهر الماضي عندما أشار إلى أن الولايات المتحدة هددت برد عسكري بهدف التوصل إلى حالة من “الجمود الطويل الأمد” كنتيجة “وحيدة لا تضر بالمصالح الأميركية””.

احتضان الأسد من قبل منظمة الطريق الحر الاشتراكي وحزب العمال العالمي وحزب الاشتراكية والتحرير- بمساعدة وتحريض عبر الموافقة الصامتة لمنظمة العمل الاشتراكي- أدى إلى إبعاد الناس الذين يودون معارضة حرب أميركية اخرى، ولكنهم لا يريدون أن يترافق ذلك مع دعم الحكام المستبدين.

لكن موقف الستالينيين الجدد من الأسد يتماشى مع سجلهم التاريخي الحافل. منهم من أتى من الاتجاهات الماوية، وخرج آخرون من الحركة التروتسكية من أجل دعم أعمال قام بها الاتحاد السوفياتي عندما سحق الثورة المجرية عام ١٩٥٦. وخلال العقود الماضية دعموا الطغاة المعادين للثورة كمعمر القذافي، وصدام حسين، وسلوبودان ميلوسيفيتش، كيم إيل سونغ وسلالته، وروبرت موغابي… كما يؤيدون تحالف “بريكس” (الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) باعتباره يشكل “ثقلاً تقدمياً موازياً” للإمبريالية الغربية- في حين يتجاهلون حقيقة أن كل دولة من دول البريكس هي دولة رأسمالية. كما يؤيدون أيضاً الأنظمة اليسارية البرجوازية الشعبوية في أميركا الجنوبية- وهو أمر يكشف خلفيتهم الليبرالية- حين دعموا مراراً الحزب الديمقراطي. تظهر كل هذه الحالات موقفهم السياسي الذي ينطلق من موقف الطبقة الوسطى، بحيث ينفون قدرة وحق العمال في القيام بالثورة وإرادة المجتمع تبعاً لمصالحهم.

وهذا الأمر يقودنا من جديد إلى سوريا، حيث سعى وتقرب ستالينيو المنطقة لعقود من أي نظام موجود في السلطة، أيا كانت طبيعته، حتى تلك الأنظمة التي حظرت أحزابهم وسجنت وعذبت وأعدمت أعضاءهم – كل ذلك باسم “مناهضة الإمبريالية” وباسم الطبيعة “الاشتراكية” المفترضة للنظام. وهذه التحليلات تجاهلت دائماً أن حقيقة هذا الاتجاه المتزايد نحو الأنظمة الرجعية كان نتاجاً لسحق واشنطن لليسار. لذلك فإن دعم الأسد هو يتماشى تماماً مع المسار التاريخي لهذا الاتجاه.

وهذا الدعم يقوم على مجموعة من الأكاذيب، مثل كذبة الإمدادات العسكرية الأميركية للمعارضة السورية. فأغلب الصحفيين التقدميين وغيرهم من صحافيي الاعلام السائد أوضحوا مراراً وتكراراً أن الوعود بتقديم الأسلحة لم تنفذ، ولكن إذا اعتبر الأسد أن ذلك حصل، فهذا كاف بالنسبة للمدافعين عنه!

أكثر من ذلك، وبما خص طلب المعارضة السلاح من الدول الرأسمالية، استشهد يوسف خليل بالكاتب اللبناني فواز طرابلسي: “من عاش الظروف التي عاشها المواطنون/ات السوريين/ات، وشهدوا كل هذا القهر والقتل فاضطر إلى حمل السلاح، يعرف انهم سيبحثون عن السلاح من أي مكان. والنظام الذي دفع السوريين إلى حمل السلاح هو من دفعهم إلى القبول بتمويل العمل المسلّح. وليس سراً أن الثورات المسلحة تلزمها كلفة مالية لا علاقة لها بالإمكانات الداخلية للشعب المعني”.

(دون أن ننسى، في هذا السياق، موقف لينين وتروتسكي بما يتعلق القبول أو رفض السلاح من “قطاع الطرق الإمبرياليين”، بحسب وصف لينين لهم).

الموقف المؤسف للهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب هو انعكاس لموقف تحالف أوقفوا الحرب في بريطانيا.

فعلى سبيل المثال في رسالة تحالف أوقفوا الحرب في بريطانيا إلى رئيس وزراء بريطانيا، دايفيد كاميرون، عنوانها: “لا لتدخل المملكة المتحدة في سوريا”، كرر التحالف ادعاءات الأسد التي تقول إن المعارضة المسلحة هي التي شنت الهجوم الكيمائي على الغوطة.

وأضاف التحالف في رسالته: “إن رفع الاتحاد الأوروبي لحظر الاسلحة، عن التسليح المباشر للجماعات المعارضة يصب الزيت على نار الحرب الأهلية الدامية التي تسببت بأضرار هائلة للعديد من السوريين، ومن شأن ذلك أن يزعزع استقرار المنطقة بأسرها”. ولكن من هو الذي يسبب “هذه الأضرار الهائلة”؟.

“الهدف من التدخل”، تقول رسالة التحالف، “هو تغيير النظام، وهو أمر غير قانوني بحسب القانون الدولي”. ولكن ماذا عن حق الشعب السوري بطلب “تغيير النظام”؟.

دعا التحالف في بيان آخر له: “حكومتي بريطانيا وفرنسا إلى بذل جهودهما للتوصل إلى حل بقيادة سورية يساعد على وقف الحرب الأهلية”. وحث “الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه على الابقاء على الحظر السلاح المفروض”. بالنسبة لهؤلاء الذين يعارضون التدخل الإمبريالي، تراهم يسارعون ليطالبوا الثوار السوريين بالانصياع لمخططات ورغبات الإمبرياليين حول طاولة المفاوضات!

كما هو موقف الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب، فإن تحالف أوقفوا الحرب يوافق مواربة على مطالب السوريين: “معظم الشعب السوري، عندما يطالب بحقوقه الديمقراطية سيعارض أي تدخل [إمبريالي]”.

وكما هو الحال بالنسبة إلى الهيئة الوطنية المتحدة لمناهضة الحرب (والأطراف الداعمة لها)، فإن تحاف أوقفوا الحرب يصر على أن أولئك الذين يشيرون إلى تراجع قوة الإمبريالية الأميركية على نطاق عالمي يقللون من احتمالات التدخل، ويبالغون في تقدير أهمية التدخل الروسي. ولكن هذا الموقف يشكل ذرا للرماد في العيون: على الرغم من صحة أن الولايات المتحدة لا تشعر بأنها تستطيع التدخل بسبب ضعفها المتزايد اقتصادياً، وسياسياً وعسكرياً، خلال العقود الاخيرة، فالقوة النسبية للامبريالية الاميركية بالمقارنة مع الامبريالية الروسية، ليست هي المسألة، ولا يمكن لها أن تكون العامل الحاسم في دعم أو عدم دعم الثوار الذين يواجهون أي من أنظمة العالم العربي.

في شهر آب عام ٢٠١٢، اعتبر أحد قادة تحالف أوقفوا الحرب، جون ريس، في محاولة منه لتبرير رفض التضامن مع الثورة في سوريا، أن الطبقة العاملة العربية لا يمكن لها أن تتولى زمام المبادرة في المنطقة بأسرها. ويشير بدلاً من ذلك إلى الدور المركزي المفترض للطبقات الوسطى العربية – وهي حجة تناسب ادعاءات أولئك الذين يعتبرون أن الإسلاميين هم القوة المعارضة الرئيسية للأنظمة القائمة في المنطقة.

إن رفض ريس الاعتراف بمشاركة الملايين من السوريين العاديين في الثورة، يسمح له، في سياق تحليله، انكار دور الطبقة العاملة في الثورة، حتى لو كانت حتى الآن، هذه المشاركة، لا تتسم بعد بالوضوح الطبقي بشكل مباشر بالنسبة إلى هؤلاء العمال والعاملات. (ولكن ريس أيضاً قلل من أهمية دور ثورة الطبقة العاملة في  مصر، حيث يبرز البعد الطبقي للحراك بشكل واضح وصريح وعلى نحو متزايد).

كما يدين ريس تلك القوى داخل الثورة السورية التي تفضّل الحصول على أسلحة من الامبريالية أو التي تطالب بالتدخل المباشر. بالتالي ريس يتجنب بسهولة الإجابة عن عدم دعمه للثورة السورية لأنها لا تطالب بطرد القوى المؤيدة للتدخل من داخلها. إلى أن يحصل ذلك، فإن ريس لا مصلحة له بهذا الشأن. وبدلاً من ذلك، يقول إن: “الناشطين في الغرب لهم أولوية رئيسية: إضعاف القوى الإمبريالية التي تدفع الثورة إلى أحضان الرجعية وذلك عن طريق دعم المعارضة الداخلية لمخططاتهم”. لكنه لم يتحدث كلمة واحدة عن الأولويات الأخرى: مساعدة القاعدة الشعبية على الاستمرار في ثورتها عبر توفير الدعم السياسي والمادي، ومن خلال دحض أكاذيب الموالين للأسد داخل تحالف أوقفوا الحرب، وكسب ثقة الحركة العمالية المشمئزة من جرائم الأسد.

بالاضافة الى ذلك، يحرص هذا “اليسار” على مساعدة الخطط الإمبريالية للتوصل إلى حل ديبلوماسي في سوريا.

في شهر كانون الثاني من العام الحالي، رعت منظمة الأمم المتحدة مؤتمراً حضرته مجموعة مختارة من النساء لمناقشة كيفية زيادة مشاركة الإناث في مؤتمر جنيف ٢. وفي البيانات الصادرة عن هذا المؤتمر لم ترد أي إشارة عن أولئك الساعين إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وينتقدون المهمة الرئيسية لمؤتمر جنيف ٢: السماح للقوى الإمبريالية إملاء شروط “السلام” على الثوار السوريين. فنتج عن مؤتمر الأمم المتحدة إرسال وفد “محايد” إلى جنيف مع نفس الأهداف، وبقيادة الليبراليات مثل كود بينك [نساء من أجل السلام].

هذه القوى تتعارض مع حق الشعب السوري في تقرير مصيره- الوحيد الذي يملك الحق المشروع في تعريف ما يعني له التحرر. وهي إهانة لصمود الشعب السوري، الذي على الرغم من الخسائر البشرية المروعة والتجويع والتعذيب والقتل والإبادة الجماعية، لا يظهر أي علامة للتخلي عن ثورته، حيث رفض بأغلبيته الوقوع بفخ مؤتمر جنيف.

بعض المتضامنين مع القضية الفلسطينية هم أيضا من بين أولئك الذين يطالبون بـ”حل ديبلوماسي”، هذا وعلى الرغم من أنهم رفضوا بشدة، وعلى نحو صحيح، جهود إمبريالية مماثلة لفرض “عملية السلام” مع الكيان الصهيوني. وقد اقترن ذلك مع مواقف مخزية لهذه القوى بشأن التجويع المفروض على الفلسطينيين والسوريين في مخيم اليرموك للاجئين، عندما طالبوا بـ”الحياد”، وأصروا على زيادة جهود الإغاثة الإنسانية دون لوم النظام على الحصار المفروض. حتى أن بعضهم، ردد دون خجل، أن حصار النظام للمخيم كان مبرراً لأن الجهاديين يسيطرون على المخيم.

النهج المعاكس لموقف هذا “اليسار” يكمن في مثل موقف المنظمة المشار إليها في بداية هذا المقال، منظمة المد الاشتراكي في فنزويلا. هذه المنظمة تعمل على تجذير السيرورة الثورية في فنزويلا وللتعجيل في ظهور نظام ديمقراطي اشتراكي، وبالتالي فإن دعوتها الملحة لليسار العالمي لدعم الثورة السورية تتخذ أهمية مضاعفة. وموقف المنظمة يشكل نموذجاً يحتذى به للتحليل الذي يتضمنه والتضامن الذي يقدمه. والجدير بالذكر أن دعوات منظمة المد الاشتراكي للتضامن والدعم وجدت الصدى المطلوب من تنسيقية النضالات الوطنية؛ كونفيدرالية يسارية لاتحادات لنقابية في البرازيل.

في ٨ أيلول عام ٢٠١٣، كتبت منظمة المد الاشتراكي: “أزمة نظام الهيمنة الرأسمالية، التي بدأت مع الأزمة المالية عام ٢٠٠٧ وما بعدها، أطلقت مرحلة جديدة من التمرد… ونحن في خضم هذه المرحلة الجديدة على المستوى العالمي وعلى المستوى العربي… التي هي أول مختبر إقليمي للمواجهة بين الثورة والثورة المضادة…”.

المنظمة تدعونا إلى “التعرف على الأسباب الجذرية للصراع الحالي، وتحديد الأطراف المشاركة فيه ودور كل قوة دافعة فيه، وفهم الديناميات الداخلية لهذه القوى، وبناء التضامن الفعال من أجل دعم الثوار الذين يناضلون هناك: كل ذلك ضروري لتبديد الظلمة الناجمة عن وسائل إعلام الإمبريالية والديكتاتورية الوراثية السورية وحلفائها”.

وأشارت المنظمة إلى أن “المعارضة شبه الرسمية، التي تتسامح عصابة الأسد معها، هرعت لمساعدته، ونسقت مع النظام، الذي يتلاعب بها، عبر تقديم دستور جديد يقدم للنظام واجهة ديمقراطية”.

كما انتقدت المنظمة الجيش السوري الحر لافتقاره للتماسك والفعالية. ولكنها لم تستخدم ذلك كذريعة لاعتبار الثورة حرباً أهلية بين النظام والجهاديين، كما يفعل الستالينيون الجدد، وقد فسرت كيف حصل الجهاديون على موطئ قدم داخل البلاد: “من دون قيادة مركزية موحدة للثورة داخل البلاد، ومع قيادة سياسية خارجية مشلولة بسبب الخلافات السياسية والتكتيكية التي لا يمكن تجاوزها، مع وجود كل هذه القوى العسكرية التي تعمل دون أدنى اتصال ودون سيطرة مركزية، مثل هذا الوضع يصبح تدخل الميليشيات الطائفية والمتطرفة الأجنبية أكثر سهولة لكونهم يستجيبون لشروط مموليهم ومسلحيهم وينتهجون برنامجاً سياسياً وأيديولوجياً يتوافق مع مصالحهم الخاصة”.

وبمواجهة مباشرة مع ادعاءات مؤيدي الأسد، كتبت المنظمة: “وبما أن القوة الرئيسية المضادة للثورة: الولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح بتطور السيرورة الثورية الجارية في المنطقة… فمن المؤكد أن ما يخشاه أوباما ليس ما يسمى بـ”مناهضة النظام السوري للإمبريالية”. او بما يسمى زوراً النظام الاشتراكي الحاكم في سوريا، البلد، حيث عاش أربعين بالمئة من شعبه، قبل نشوب الثورة، تحت خط الفقر… إنما على العكس من ذلك، بل هي القناعة أن امتداد الحراك الثوري الذي بدأ في تونس بنهاية عام ٢٠١٠، والذي انتشر في هذه المنطقة المضطربة تاريخيا من العالم، يمكن له، أي للحراك الثوري، أن يضع حداً للأنظمة الشمولية التابعة التي تضطهد هذه الشعوب ويبدأ في تحريك الأسئلة حول استمرار وجود دولة إسرائيل الإجرامية”.

وأشارت المنظمة إلى أنه: “بالنسبة للرفاق الذين يرون دموية إمبريالية الولايات المتحدة فقط، فإنهم يرون العالم بشكل مبسط ويمكن التنبؤ بمجرياته، حيث التاريخ يعيد نفسه وكأنه عجلة لا نهاية لها. ويرون الواقع الدولي عبارة عن صورة بالأبيض والأسود، من جهة هناك نوايا وآمال وسياسات أوباما- أو أي رئيس أميركي آخر- ومن جهة أخرى هناك بقية البشر. لا يبدو أنهم تعلموا بعد من سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، وإصلاح النظام الرأسمالي في روسيا والصين، أو من الأزمة المالية التي بدأت عام ٢٠٠٧ وهي الأزمة الأخطر للنظام الرأسمالي خلال قرن من الزمن. فهم يغضون الطرف عن السيرورة الثورية الجارية في المنطقة المستمرة [منذ ثلاث سنوات]. وعندما يتحدثون عنها، فإنهم يصفونها بأنها خطة أعدتها الولايات المتحدة بعناية، بحيث يعتبرون هذا البلد عالم كلي القدرة والمعرفة، وبالتالي يحتقرون الثورات الشعبية”.

واعتبرت أن: “الحجج التي يقدمونها تعتمد بشكل أساسي على إنكار الحقائق والوقائع. بالنسبة إليهم، ليس هناك حرب أهلية حقيقية في سوريا، لكنهم ينشرون صور كثيرة لمعارضين يقتلون جنوداً سوريين. لم يكن هناك أي استخدام للأسلحة الكيميائية، ولكنهم في الوقت عينه يؤكدون أن المتمردين وحدهم من استخدم هذا السلاح. يطابقون بين الألوية الجهادية الأجنبية والقوى المضطهدة التي تتصرف ضد أهداف الثورة، وبين الشعب السوري الثائر، وبالتالي يبررون قمع الأسد لهذا الشعب”.

وأضافت: “نحن نعتقد أنه يجب علينا احترام وجهة نظر أولئك الذين، في سياق السيرورة الثورية الجارية في المنطقة، يدافعون عن الأهداف الثورية. لذلك ندعو إلى ضرورة نشر البيان الذي وقعته المنظمات الاشتراكية الثورية في المنطقة، ومن بينها سوريا، على نطاق واسع”. [البيان المشار إليه هو “رهاننا على الشعب السوري الثائر لا على التدخل الخارجي!“، وقد رفضت قيادة منظمة العمل الاشتراكي توقيعه كجزء من معارضتها لقيام أي عمل تضامني مع الثورات العربية، السورية من ضمنها وغيرها].

ومع ذلك، تقول منظمة المد الاشتراكي إنه: “لا يمكن أن يقتصر عملنا على التعبير عن رفضنا للتدخل الإمبريالي والتضامن مع الشعب السوري في نضاله. هناك العديد منا في هذا العالم الذين، ومن بداية الربيع العربي، دعم الثورات دون قيد أو شرط. لكننا قمنا بذلك على نحو منفصل عن بعضنا البعض، كل منا في بلده، حيث نعيش. بالنسبة لنا، نحن الذين نناضل ضد النظام الرأسمالي، إعادة إحياء التقاليد الأممية هو مهمة أساسية من أجل مواجهة المشاكل التي نعيشها اليوم. والخطوة الأولى لإحياء هذا التقليد هو في الحاجة إلى خلق مساحات للنقاش والعمل المشترك والتضامن على نطاق عالمي”.

وأضافت: “إذا لم نتصرف على هذا النحو، فإن موقف اليسار المؤيد للنظام السوري سيشكل ديناً سترغم الحركة الجماهيرية كل من يصنف نفسه يسارياً على دفعه، دون تمييز”.

المنظمة تختم: “خلف الغيوم السامة التي تغطي الحياة اليومية، والمسببة لموت الشعب السوري الثائر، واجبنا هو دفع خطواتنا قدماً، نحو أممية اليسار الراديكالي، الذي يعمل كمكبر صوت لصرخة الحرية والكرامة التي تأتي من أعماق الذاكرة الجماعية للشعوب المناضلة”.

لحسن الحظ هناك بعض القوى التي سمعت بالفعل نداء منظمة المد الاشتراكي. وهي تشمل الناشطين الشجعان، والكتاب والمدونين من جميع أنحاء العالم، وبشكل ملحوظ، وربما في أغلبيتهم نساء شابات عربيات. يمكن مشاهدة بعضهم/ن في مقاطع الفيديو التي تظهر النشاطات التي نظمتها ائتلافات شكلت لدعم الثورة، وهي ائتلافات تضم اشتراكيين ثوريين وأناركيين يعملون بطريقة رفاقية ويناقشون خلافاتهم بطريقة ودية. (للمزيد اضغط/ي على هذا الرابط، وهنا، وهنا).

هؤلاء الناشطين/ات الشباب هم جزء من اتجاه سياسي متنامٍ يعمل في سياق السيرورة الثورية الجارية في المنطقة. استمرار وانتشار هذا التيار أمر ضروري لنجاح هذه الثورة. (وللحصول على قراءة تميز بين اليسار الجديد وبين اليسار الستاليني القديم، إقرأ/ي مقالة ريما ماجد المنشورة على موقع الجزيرة الالكتروني).

قدم الشعب السوري ولاءه وحياته لاستمرار الثورة ونحن ندين ليس أقل من “اخلاصنا الكامل” له. 

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *