السؤال الذي يُطرح حول تواجد “اليسار” في الحركة الثورية العربية هو سؤال أساسي ليس بالنسبة إلى اليساريين فقط، بل بالنسبة إلى مجمل الحركات الشعبية العربية الاعتراضية، وبالنسبة إلى أي متابع أيضاً. إنه سؤال أساسي، أحياناً بالحق ليراد به حق، وأحياناً بالحق ليراد به باطل.

السؤال الذي يُطرح حول تواجد “اليسار” في الحركة الثورية العربية هو سؤال أساسي ليس بالنسبة إلى اليساريين فقط، بل بالنسبة إلى مجمل الحركات الشعبية العربية الاعتراضية، وبالنسبة إلى أي متابع أيضاً. إنه سؤال أساسي، أحياناً بالحق ليراد به حق، وأحياناً بالحق ليراد به باطل. هذه المشكلة أخذت وقتها في الأخذ والرد، وفي الكلام وفي الكلام المباشر، لا بل وصلت إلى حد التفكير النظري في هذه الأزمة، وكأن أزمة اليسار الموجودة في الأحزاب التقليدية تشمل كل اليسار، وفق قاعدة أن الأحزاب الشيوعية في العالم العربي هي العامود الفقري للحركات اليسارية سواء أكانت منبثقة عنها أو أكانت من إطار نظري ممارسي آخر، ما يعني أن أزمتها هي من أزمة تلك الحركات وأن خلاصها لا يعني تلك الحركات بل يتعلق بها وحدها، مما ينسحب أيضاً على تواجد تلك القوى في قلب المعركة، فيبدو غياب الأحزاب الشيوعية غياباً لكل اليسار ويبدو حضورها هو حضور كل اليسار لكن إلى جانب الأنظمة. 

إنها معركة بين عدة توجهات، أولاً مع السلطة، بغض النظر عن كمية الشعارات التي تطرحها، ليس بداية من الاشتراكية وليس وصولا إلى الحرية، لا بل هي أبعد من ذلك بالكامل. هي معركة مع شعارات لا دخل لها بالممارسة. ذلك أن الممارسة القائمة تظهر النقيض التام، وتستند في معظمها إلى أدوات ورؤية ليست فقط بيروقراطية، بل أمنية استخباراتية عنفية قمعية برجوازية. 

وفي هذا السياق، ينقسم السؤال عن وجود اليسار في الحراك الثوري العربي إلى توجهين. توجه أول هو في مواجهة السلطات التسلطية الفاسدة القائمة، وسؤال ثاني هو في مواجهة مباشرة بين نظرية ثورية ديناميكية بدايةً، ونظرية ايديولوجية دغمائية لا تستطيع هضم الحركات الاعتراضية التغييرية إلا إذا انبثقت عنها بشكل أو بآخر.

هي تلك المعركة النهائية بين نظرية ايديولوجية دغمائية مسقطة لا تستطيع الحراك وتفتقد كل إمكانياتها الديناميكية، وبين نظرية لا تقوم إلا على محاولة تفسير الحراك وتوظيفه في طياتها، محاولةً هضمه من أجل تصويبه حين تقتضي الحاجة، وحين توجد الإمكانية. فالدمج بين الأول والثاني، هو التأسيس الذي يقوم عليه السؤال حول وجود اليسار في السيرورة الثورية العربية. 

يعود التأسيس الأخير، وفق أي قارئ لألفبائيات العمل السياسي، إلى عدم استطاعة الأحزاب اليسارية التقليدية الانفصال عن السلطات التي هجنتها وصبغتها بصبغتها، بعد أن تركت لها إمكانية الحركة في هامش توافق عليه ولا يهدد هيمنتها. ولذلك، يمكن تلقف موقف الأحزاب اليسارية التقليدية المحافظة على الكيانات القائمة خوفاً من الآتي الذي لا تعلم عنه شيئاً، حيث أنها تتناسى أن السلطات القائمة نفسها أنتجت هذا الواقع، وأن ممارستها لسلطة القمع والإفقار انتج التوجهات المتطرفة التي لم تجد مكان آخر يعبّر عن مطامحها، فلجأت إلى أقرب الأمكنة التي لا تحتاج إلى كثير من البناء، بل تقوم على تراكم الأعداد دون أي إطار نظري إلا وفق معيار كره الآخر لأنه يقف في وجه ازدهارها المزعوم. 

وبالرغم من هذا، وإذا ما عدنا إلى العناوين العريضة للحركات الاعتراضية الأساسية، سرعان ما نجد أن شعار العدالة الاجتماعية كان متواجداً في مجمل ساحات الاعتراض العربية، بدايةً من تونس وصولاً إلى سوريا، مروراً بكافة الحركات “الثورية” التي قامت، سواءً انطفأت أو ما زالت تناضل بأبسط الشروط والإمكانيات الموجودة. فمجرد وجود شعار العدالة الاجتماعية لا يعني إلا وجود الطرح اليساري ولو على مساحة بسيطة، بغض النظر إذا ما كانت الاحزاب اليسارية مشاركة في هذا أم لا، خصوصاً وأن حركات الاسلام السياسي، التي تقوم على نظرة يمينية برجوازية تنطلق من رؤية أساسية تعتبر أن العدالة لا يمكن أن تقوم على هذه الأرض بل فقط في العالم الآخر. 

هذا بدوره، لا يعكس إلا وجود الطرح اليساري، وإن كان بتوجهات أولية بدائية عند الناس المنتفضة، ودون أي تأطير أو سياق تنظيمي مسبق. وهو ما يمكن ملاحظته، وبشكل سريع، إذا ما نظرنا إلى مجمل الساحة بوجهة نظر فاحصة بدايةً. من هذا المنطلق، يتبلور السؤال حول الوجود القوي مثلاً لحركة الاشتراكيين الثوريين في مصر، والحركات اليسارية الثورية على الساحة السورية والتونسية، وإن كانت بشكل نواة تعمل قدر المستطاع. 

من هذا المنطلق، نصل إلى النقطة المحورية التي تتعارض مع الأحكام الكلية الشمولية وفق نظرة ايديولوجية ترى الواقع من خارج، فتحيل كل شيء إلى بنية متماسكة تعبّر عن وجهة نظر الطبقة الحاكمة المهيمنة التي تحيل كل مختلف إلى شواذ، وتحيل كل إمكانية للمقاومة إلى طرح يوطوبي منفصل عن الواقع، واقع الحركات الاعتراضية وإن كانت صغيرة نسبياً والتي تتطور ولو بشكل متسارع. لذلك، يمكن القول إن تلك القراءة تقوم على رؤية خاطئة تتأسس على أحكام تشيعها السلطة ويقع فيها من لا ينظر إلى الواقع بوجهة نظر ناقدة، أو لا ينظر إلى ايديولوجيات الأنظمة على سبيل الشك، بعد أن اعتاد النظر إليها بأسلوب تلقيني حاولت السلطة تطبيعه منذ بداية حكمها أي منذ عشرات السنوات. 

كل هذا الكلام لا يأتي في إطار تأكيد المؤكد، فالمؤكد أن القضايا الوجودية أو تلك التي تطرح في سبيل إثبات وجود هذا الطرف أو ذاك في مثل هذه الصيرورة هو كلام عقيم تعوزه العديد من التقنيات النظرية والممارسية، ليس بدايةً من عقم ممارسي قائم، وليس نهاية بعقم نظري مهيمن. انه المنهج العقيم الذي مارسته الأحزاب “التغييرية” منذ سنوات طويلة، وهو عقم السلطة في إعاقة الحركات الثورية التغييرية الذي كرسته منذ تقويضها للديموقراطيات وأحقية ابداء الرأي وحرية ممارسة المعتقد، والتي استكملته فيما خص موضوع الافقار والتفقير والفساد وخلق شريحة “بلطجية” و”شبيحة” تحمي الأنظمة حين لا تستطيع الأجهزة الأمنية القيام بهذا الدور. 

من هذا المنطلق، نفهم لماذا تحول عمل الأجهزة الأمنية لحماية هذه الأنظمة ذاتها، حيث تحول عمل مؤسسات الجيش من حماية الدولة ومواطنيها إلى حماية السلطة من المواطنين، وهي النقطة التي يؤكد عليها لينين في كتابه الدولة والثورة. ناهيك عن تقويض الديموقراطية عبر عدم فصل السلطات عن بعضها، لا بل تكريسها في يد السلطة السياسية دون حسيب أو رقيب، بحيث يصبح الرئيس هو نفسه القاضي وهو المشرّع وهو الاعلامي وهو القانون لا بل هو النظام نفسه (يمكن النظر إلى دستور كل من سوريا والبحرين على سبيل المثال لا الحصر). وقد أدت هذه النقطة، وهذه التركيبة، إلى المحافظة على هامش الحركة الواسع لقوى الثورة المضادة، ذلك لأن الحركات الاعتراضية اعتقدت بدايةً أن النظام هو الرئيس وأن إزالة هذا الرئيس ستعني تغيير النظام بالضرورة، لكنها سرعان ما واجهت قوى الثورة المضادة، خصوصاً بعد الإنقلاب الذي قامت به المؤسسة العسكرية في مصر بالتواطؤ مع حركة تمرد، والذي كان من الممكن أن يؤدي إلى تثوير المجتمع بشكل مختلف وأكثر جذرية بحيث يقوّض مؤسسات النظام السابق والقوى القيمة عليه أو تلك الرديفة له، إن كانت المؤسسة العسكرية من جهة أو الحركات الاسلامية التي استخدمتها الأنظمة كفزاعة تهدد بها أية محاولة تغيير ممكنة من جهة أخرى.

لقد تطور الوعي المتراكم للقوى الثورية، خصوصاً اليسارية، وبشكل سريع نسبياً، بحيث بدأت تلاحظ المسافة الفاصلة بين واجهة الأنظمة وقواها المحركة الفعلية، إذ أدركت وبما لا يطاله الشك أن النظام لا يمكن اختزاله بشخص الرئيس، بل إنه نمط من العلاقات القائمة التي تحافظ على طبقة مهيمنة متداخلة وإن بدت مختلفة، وأن الإطاحة بالرئيس لا يعني الإطاحة بالمنظومة والبنية الايديولوجية المهيمنة بالضرورة. فالطبقة التي نتكلم عنها لها مصالح مشتركة، وتضم مجموعة مستفيدة من النظام سواء أكانت برجوازيات صغيرة أم تجار أم أصحاب مؤسسات وشركات أم قيادات عسكرية. هي طبقة كاملة متكاملة، تهيمن على كافة الموارد، تسيطر على كل مفاصل الدولة التي تحمي هيمنتها، لا تنقسم طائفياً ولا أيديولوجياً ولا تفترق فيما بينها إلا على مستوى المصالح المباشرة حيثما وجدت. 

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *