أكثر من خمسة أعوام مضت على المطالبة بإقرار قانون لحماية المرأة من العنف الأسري. في كل عام تحمل النساء اللافتات ذاتها، ويصرخن طلباً لقانون يحميهنّ، من دون أن يكون هناك صدى لأصواتهن. ومنذ فترة وجيزة نشرت إحصاءات تفيد بأنّ “امرأتين تقتلان في الشهر، بنتيجة العنف الأسري”، ولكن هذه النسب لم تعد دقيقة. هذا الشهر تمّ قتل أربع نساء جراء العنف الأسري، ومن المؤكد أن هناك جرائم أخرى لا يصرّح عنها.

أكثر من خمسة أعوام مضت على المطالبة بإقرار قانون لحماية المرأة من العنف الأسري. في كل عام تحمل النساء اللافتات ذاتها، ويصرخن طلباً لقانون يحميهنّ، من دون أن يكون هناك صدى لأصواتهن. ومنذ فترة وجيزة نشرت إحصاءات تفيد بأنّ “امرأتين تقتلان في الشهر، بنتيجة العنف الأسري”، ولكن هذه النسب لم تعد دقيقة. هذا الشهر تمّ قتل أربع نساء جراء العنف الأسري، ومن المؤكد أن هناك جرائم أخرى لا يصرّح عنها.

هي جرائم تضج بها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، ولا يحرّك لها المسؤولون ساكنا. الجريمة تتكرر، تختلف أدوات الجريمة وأسلوب القاتل، ولكن النتيجة  هي نفسها. مسلسل قتل النساء مستمر، في ظل قوانين تمييزية بحق النساء لا يمكن إلا أن تكرّس العنف. القاتل ليس واحدا، والشركاء كثر، من سياسيين يتجاهلون واجباتهم، ويرفضون إقرار مشروع حماية النساء من العنف الأسري، مروراً برجال دين يبررون العنف باعتباره تأديباً للمرأة، وصولاً إلى مجتمع ذكوري يرى الجريمة، ويشيح بصره عنها ويصمت. لأجل ذلك فإن الجرائم لن تتوقف، ما دام القاتل يطلق سراحه من دون عقاب يمكن أن يجعله عبرة لغيره. وهكذا ستتوالى أسماء الضحايا، طالما أنّ المجلس النيابي يجد دائما حججاً لتأجيل إدراج القانون ضمن جدول أعماله. 

لماذا لم يقر حتى الآن قانون العنف الأسري؟

اذا نظرنا إلى المشهد، من دون التمّعن بخلفياته، يمكننا تلمّس “الانقسام الطائفي”، أي أنّ من يعيق قانون حماية المرأة من العنف الأسري هم كل من: “حزب الله وتيار المستقبل وحركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي”، بينما يؤيد القانون كل من: “التيار الوطني الحرّ وحزب الكتائب والقوات اللبنانيّة”. إلاّ أننا اذا تمعنّا جيدا نرى العكس تماما في قانون منح جنسية المرأة لزوجها وأولادها، فالأحزاب التي تعارض قانون حماية المرأة توافق على قانون منح الجنسيّة، والعكس بالعكس.. لذا فنحن نستنتج أنّ هذه الأحزاب غير معنيّة بحقوق المرأة وقضاياها إن لم تتوافق مع مصالحها السياسيّة والطائفيّة. هذه المؤشرات تعني أننا لا يمكن الوثوق بأي طرف من أطراف السلطة، لأنّ مصلحتها تكمن في الإستمرار بحرمان المرأة من قوانين تحميها، فهي تخشى من المساس بمؤسساتها التقليديّة، ومن ضمنها المؤسسات الدينيّة. 

إن هذه السلطة، العائدة بمؤسساتها، وتوازناتها، وقواعدها، وحتى رموزها، وشخصياتها الأساسية، إلى اتفاق الطائف – وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهليّة – كرست أسس نظام اقتصادي استغلالي، يرفض إعطاء المرأة حقوقها الاقتصاديّة، من جهة، “كالمساواة في الرواتب، وإعتبار العمل المنزلي عملاً مأجور، وما إلى ذلك”، و، من جهة أخرى، لا يكتفي بالإبقاء على شروط استغلال المرأة، اقتصادياً، واجتماعياً، بل يبقي كذلك على شروط استغلال كل العمال، والمنتجين، ومن ذلك عبر “عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وعدم تثبيت المياومين والمتعاقدين، الخ…”

وهذه السلطة لم تكتف بعرقلة القانون بل قامت كذلك بإفراغه من مضمونه… فمن قانون مخصص لحماية المرأة، على وجه التحديد، قامت بتعديله ليشمل الأسرة بأكملها، أي الرجال والأطفال، كما بررت الاغتصاب الزوجي، وشرّعته، باعتباره بمثابة  “حق زوجي”، كما غضّت النظر عن قهر العاملات الاجنبيات اللواتي يتعرضن للضرب والاغتصاب، عدا الاستغلال المفرط، داخل منزل الاسرة.

من هنا نستخلص أنّ العنف ضد المرأة غير محصور بالعنف الأسري فقط، بل هو جزء من نظام أكبر، يعيد إنتاج العنف بصيغ متنوعة. لذا علينا أنّ ننتقل من التعامل مع الموضوع من منطلق إصلاحي، يعامل المرأة كمجرد ضحية مجتمع بطريركي، الى خطاب يظهر المرأة كمناضلة ضد الظلم الاجتماعي، ويوّحد هذا النضال مع كفاح العمال والعاملات المستمر بوجه الطبقة السائدة، بوجه خاص، والسلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والإديولوجية، أيضاً، بوجه عام.  ذلك أن الأفكار السائدة في المجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، واسقاط هذه الطبقة لا يأتي إلا عبر توحيد المرأة والرجل، المتعرضَين للظلم والقمع والقهر، في هذا الصراع. وكما قال تروتسكي “ليس من الممكن تغيير وضع المرأة تغييراً جذرياً، إلا إذا تم تغيير جميع الشروط الاجتماعية، والعائلية، والحياة المنزلية”. 

واليوم، ها نحن نسير من المتحف إلى وزارة العدل، هذه الوزارة ذاتها التي سمحت بإطلاق سراح القاتل، زوج رولا يعقوب، بعد يوم على وفاتها، والتي لم تحرّك ساكناً لضمان معاقبة من ترك الطفل مأمون المحمد يموت على أبواب المستشفى، والتي هي نفسها من غضّت النظر عن جريمة بيصور، فضلاً عن جرائم أخرى كثيرة ليس المجال متاحاً، في هذا البيان المقتضب، لتعدادها، والإفاضة في شرحها، وتعيين أبعادها، وخلفياتها.

وأخيراً، إن العدل ليس قصراً، والحق لا يُستجدى، بل ينتزع انتزاعاً؛ ونحن نسير اليوم من المتحف إلى قصر العدل، لا لنطلب إلى حكام بلدنا الرحمة بنسائنا، فنحن على علم مسبق بأنّ كراسي هؤلاء لا تعوم إلّا  على آلامنا، وكل أسباب الظلم اللاحق بنا. بل لنستنهض لدى كل معذبي شعبنا ومعذباته، إرادة النضال الباسل والمستميت، وبشتى الوسائل والإمكانات، لفرض أبسط حقوقنا، وفي مقدمتها حقوق المرأة، التي تشكل اليوم أكثر بكثير من نصف هذا الشعب، وبين تلك الحقوق ما ورد في النص الأساسي، الذي لعبت الدور الأهم في بلورة مضمونه ومطالبه، والأفكار الجوهرية فيه، منظماتُ المجتمع المدني، على اختلاف مكوناتها، كمسودة لقانون حماية النساء من العنف الأسري، وذلك قبل أن تمسخه وتشوهه، إلى هذا الحد أو ذاك، اللجان النيابية، التي خضعت بعمق لضغوط مفرطة في رجعيتها مارستها المرجعيات الدينية، والطائفية، والقوى السياسية والاجتماعية، التي لا تزال تحاول منع المجتمع اللبناني عن الالتحاق بركب التقدم، والثورة، والتغيير، على المستوى العالمي، ولا سيما في ما يتعلق بحقوق المرأة. 

بيروت في 8 – 3 – 2014

المنتدى الاشتراكي – لبنان

 

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *