أصل إلى الحاجز عند مدخل مخيم نهر البارد، أترجل من السيارة وأتوجه إلى الشباك حيث يستقرّ أحد عناصر مخابرات الجيش اللبناني. أقدّم له إخراج قيدي اللبناني، فيسألني عن سبب الزيارة ومدّتها ولا يتردد في سؤالي عن سبب خلو خانة الطائفة من ذكرها. فأطلعه على قرار وزير الداخلية زياد بارود بالسماح للبنانيين بالتقدم لشطب طائفتهم من سجّلات نفوسهم. إلاّ أنّه لم يكترث حيث قال: “على كلّ حال طايفتك واضحة من اسم العيلة! الحديث شغل العنصر كثيرا، وبدا كمن يريد أن يستفيض في النقاش طارحاً موضوع الزواج المختلط “ما كلنا لبنانية” يضيف.

أصل إلى الحاجز عند مدخل مخيم نهر البارد، أترجل من السيارة وأتوجه إلى الشباك حيث يستقرّ أحد عناصر مخابرات الجيش اللبناني. أقدّم له إخراج قيدي اللبناني، فيسألني عن سبب الزيارة ومدّتها ولا يتردد في سؤالي عن سبب خلو خانة الطائفة من ذكرها. فأطلعه على قرار وزير الداخلية زياد بارود بالسماح للبنانيين بالتقدم لشطب طائفتهم من سجّلات نفوسهم. إلاّ أنّه لم يكترث حيث قال: “على كلّ حال طايفتك واضحة من اسم العيلة! الحديث شغل العنصر كثيرا، وبدا كمن يريد أن يستفيض في النقاش طارحاً موضوع الزواج المختلط “ما كلنا لبنانية” يضيف. ألاحظ في هذا الوقت بدء ارتسام خط طويل من المنتظرين الذين يريدون الاستحصال على إذن بالدخول. فأقاطعه وألفت نظره إلى الموضوع، فيجيب “معليش ينطرو”. أحرجت ملاحظتي العنصر فسرّع بإتمام الإجراءات للسماح لي بالزيارة. كان النهار قد انتصف، فالزيارة (لغير الفلسطينيين من أهل البارد) ليست مسموحة بعد الثامنة ليلاً. أنتهي من الإجراءات لدى مخابرات الجيش، فنعود أنا وصديقي (الفلسطيني من مخيم البارد) إلى السيارة. فتستوقفه “أم محمود”، امرأة ناهز عمرها الستين عاما، من أهل المخيم، محمّلة بأكياس الخبيز والعلة والقرصة قطفتهم من سهل بعيد وجاءت بهم لبيعهم في المخيم لتعيل عائلتها التي اتخذت من كاراج مسكناً لها بعد تدمير منزلها جراء الحرب بين الجيش اللبناني وما عُرِف بـ”فتح الإسلام”. نحمل الأكياس إلى السيارة ونتقدّم بها ببطء. يتقدّمنا صف من عشرات السيارات التي تنتظر دورها للمرور على حاجز الجيش للتفتيش والتدقيق بالتصريحات. تتحدث أم محمود عن معاناتها اليومية عند الحاجز مع التفتيش. هي التي تصحو يوميا عند الخامسة والنصف للتوجه إلى السهل عند السابعة لتعود بعدها إلى المخيم سيرا على الأقدام محمّلة بزوّادة اليوم لتبيعها: “لمين بدنا نشكي؟ هيداك اليوم موّتو شاب من الضرب بكعب البارودة لإنو اعترض على تفتيش العساكر للبنات، منشكي أمرنا لله”. في هذا الوقت يصل دورنا عند الحاجز، فيُظهر صديقي بطاقته الزرقاء وتصريح دخوله إلى مخيمه. فيطلب منه فتح الصندوق ويسأله عن محتوى الأكياس وتفتّش الحقائب في المقعد الخلفي وعلبة الأشرطة الموسيقية. ويعود إلى السيارة لنلج أخيرا المخيم الجديد.

من يزور المخيم مؤخرا، بعد عودة بعض سكانه وبدء إعادة الإعمار، يشعر بأنه يدخل إلى معسكر أمني أكثر منه إلى منطقة سكنية مدنية، جرّاء انتشار الحواجز والأسلاك الشائكة. الشعور هذا يتأكّد عند تلمّسه لدى الأغلبية القاطعة ممن التقينا بهم في المخيم. وما يزيد هذا الشعور حدّة، وجوب استصدار تصاريح دخول، لا للزوار فحسب، بل لأهل المخيم وسكّانه. يقول محمود (اسم مستعار): “إحنا عايشين بمعسكر أمني. ممنوع دخول أي واحد من دون تصريح من الجيش وفرع المخابرات حتى لإلنا نحنا الفلسطينيين، أهل المخيم..وإذا ضاع التصريح بضلّني برّة، مندخل بتصريح على بيوتنا، طالما عم ناكل ونشرب، ماشي الحال. بس إذا بدك تعمّري بدك إذن، إذا حدا بدو يعملك زيارة بدك إذن، كل شي، كل شي بإذن”. يضيف محمود: “أما إذا كان في تحرك على أمور مطلبية متل المطالبة بالتعويضات أو التعجيل بالإعمار.. أو نشاط سياسي ما، فالجيش بياخذ إحتياطات عالية وبيستنفرعناصره مسبقاً في نقطة التجمع، هيدا غير إنو بدنا إذن مسبق بالتحرك لبتتغلغل فيه عناصر من المخابرات باللباس المدني. وصلت الحالة لدرجة إنو في تنظيمات بتنظم زيارة للرائد في فرع المخابرات لتبلغه بنيتها القيام بنشاطات”.

كثيرة هي قصص سكّان المخيم مع الحواجز والتصريحات. مؤمن مثلا، شاب في الثامنة عشر من عمره، اضطر إلى الانقطاع لأشهر عن المعهد حيث يدرس، والكائن خارج المخيم، جرّاء فقدانه لتصريح الدخول إلى البارد. أمّا أميرة (اسم مستعار) فاضطرت إلى أن تبيت بعيدا عن بيتها وأسرتها بعد أن منعت من دخول منزلها للسبب عينه.

تُجمع الفصائل الفلسطينية بتنوع مشاربها وانتماءاتها على ضرورة وقف التصاريح عند مدخل المخيم. فهذه التصاريح مُذِلَّة وتُعَدُّ انتهاكاً للكرامة الإنسانية. فيتم التعاطي مع كلّ مدني على أنه “إرهابي محتمل” حتّى إثبات العكس. واقع الأمر أن ما تبنيه الحكومة اللبنانية، هو جدار أمني إقصائي لا يقلّ عنصرية عن ذاك الذي تبنيه إسرائيل أو ذاك الذي شَرِع ببنائه نظام حسني مبارك على الحدود مع قطاع غزّة. والملاحَظ، هنا وهناك، أن التبريرات هي نفسها،: “منع تنامي الأصوليات”، “إجتثاث الفصائل المتطرفة” و”الحفاظ على الأمن”. وبحجة “الدواعي الأمنية” يتمّ انتهاك أبسط حقوق الإنسان منها حريّة التنقل وحق العيش بكرامة. فالإجراءات الأمنية تستمدّ قانونيتها من مؤتمر المانحين في فيينا في حزيران 2008، الذي جرى التوافق فيه على “أن تتولى قوى الأمن المسؤولية داخل المخيم والمناطق المتاخمة له، ويتولّى الجيش المسؤولية على المعابر وفي محيط المخيم”. وتستمدّ مشروعيتها السياسية من بعبع فتح الإسلام وشبح التوطين للتشديد القمعي والتعامل الأمني مع سكان المخيم.

تحيل هذه الممارسات الأمنية بالذاكرة، بالنسبة للعديدين، إلى أيام عُهِدَت فيها المخيمات وشؤون اللاجئين إلى المكتب الثاني (الاستخبارات العسكرية). في تلك الفترة، عانى الفلسطينيون الكثير جرّاء التعسّف الأمني، من حظر تجوّل، تفتيش، تجسس واعتقالات. وما التصاريح اليوم، كما يقول أبو طه، أحد سكان المخيم، إلا “استعادة للطريقة نفسها التي كان يتم التعاطي فيها مع المخيمات قبل 1968. ممّا يدلّ على أنّ الدولة ما زالت تعتمد نفس العقلية والنظرة تجاه الإنسان الفلسطيني”.

رغم الشكاوى من ممارسات الجيش عند الحواجز على مداخل المخيم عند بدء عودة الناس إلى منازلهم، إلاّ أنه تم قبولها كإجراءات أمنية استثنائية. وبعد ثلاث سنوات على انتهاء الحرب والمباشَرة بإعادة الإعمار يتمّ تكريس هذا الأسلوب بدليل الإجراءات المرتبطة التي تدعم هذا النهج وترفع من مهام القوى الأمنية داخل المخيم، كان آخرها المذكرة الصادرة عن وزير الداخلية زياد بارود، القاضية بحظر 23 مؤسسة وجمعية فلسطينية إنسانية واجتماعية تعمل في المخيم الجديد، إلا بعد “ترخيصها”، ومن بينها اللجنة الشعبية!

بالنسبة إلى المجتمع الفلسطيني داخل مخيم نهر البارد، فقدت هذه الإجراءات الأمنية المشددة، خاصة منها موضوع التصاريح، مبرراتها. فالقوى الأمنية متواجدة كما الجيش ومخابراته، بالإضافة إلى أنه تم نزع سلاح الفصائل. إلاّ أنّه يبقى مبررها الوحيد، غالباً، النهج السياسي الذي تسعى الحكومة اللبنانية إلى تعميمه كنموذج تعامل مع المخيمات الفلسطينية جميعها في لبنان، حيث توكل شؤون المخيمات إلى الجهات الأمنية على تنوعها.

ينعكس هذا الأمر على الحياة داخل مخيم نهر البارد. هذا المخيم الذي كان يوما من الأيام أهم سوق تجاري في شمال لبنان، أضحت طرقاته مقفرة سوى من الشباب الباحثين على فرصة عمل. فالحواجز الأمنية والأذونات والتفتيش إلخ تساهم أكثر بسلخ المخيم عن محيطه اللبناني وتعرقل إعادة تنشيط الحياة الاقتصادية فيه. في السابق كانت تدب الحياة هنا وينشط التجار والباعة اللبنانيين والفلسطينيين وكان يفضِّل اللبناني والفلسطيني الشراء من المخيم لرخص الأسعار، فكان الناس يقصدون المخيم من المناطق الشمالية كافّة بهدف التبضع. أمّا اليوم ونتيجة الدمار المهول والعراقيل الأمنية يصعب إعادة تنشيط الاقتصاد “فالألف ليرة هي نفسها التي يتداولها السكان جميعا هنا، فتذهب من صاحب الدكان إلى إبنه فالبقال ..لتعود بعد إكمال دورتها إلى صاحب الدكان نفسه”.

مخيم نهر البارد اليوم نموذج واضح للإقصاء الأمني، فتمّ تركيب الحواجز الأمنية قبل الشروع بعملية الإعمار وعودة الناس إلى منازلهم وممتلكاتهم. والتعاطي الرسمي مع اللاجئين الفلسطينيين يتمّ على أسس أمنية، حيث يتمّ تناسي حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وحرمانهم منها. الضغط النفسي والاجتماعي الذي يتعرّض له الفلسطينيون في المخيم بعد تجربة الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات وجراء الحالة الاقتصادية المُعدَمة والمعاملة السيئة من قبل الأمن… كل ذلك ينذر بانفجار وشيك. المطلوب اليوم الإسراع بالإعمار وإنهاء الحالة الأمنية في التعامل مع المدنيين ومنحهم حقوقهم الإنسانية المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الإنسان التي وقّع عليها لبنان.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *