ينطلق مشروعَا ميزانيّة الدّولة وقانون الماليّة لسنة 2014، في توطئته، من تصوّر عام صِيغَ على خلفيّة التّوجّهات ومبرّرات الإجراءات الخطيرة والتّقشّفيّة التي ستُقْدِمُ عليها الدّولة، في قادم الأيّام، في حقّ عموم الشّعب، بفئاته الضّعيفة والمتوسّطة.

 ينطلق مشروعَا ميزانيّة الدّولة وقانون الماليّة لسنة 2014، في توطئته، من تصوّر عام صِيغَ على خلفيّة التّوجّهات ومبرّرات الإجراءات الخطيرة والتّقشّفيّة التي ستُقْدِمُ عليها الدّولة، في قادم الأيّام، في حقّ عموم الشّعب، بفئاته الضّعيفة والمتوسّطة. ففي إطار استعراضه لتحدّيات الوضع الاقتصادي المحلّي وصعوبات الوضع الاقتصادي العالمي، يحمّل القانون الجديد، وزر العجز في التّوازنات الماليّة إلى غالبيّة الشّعب، الذي ثار من أجل الكرامة والشّغل والتّنمية، على اعتبار، أنّ تحقيق النّموّ وتعديل ميزان الدّفوعات يستوجب إصلاحات اقتصاديّة وتضحيات على رقاب الضّعفاء، قد تَمَسُّ أساسًا منظومة الدّعم، بدعوى توجيه الدّعم لمستحقّيه، ومراجعة المنظومة الجبائيّة، بهدف تعبئة موارد الدّولة. ومن ثمّة، الضّغط على النّفقات من خلال تجميد الأجور وتأجيل الانتدابات، ممَِّا يجعل الدّولة تتخلّى عن مسؤوليّاتها في الإنفاق العمومي، وتتملّص من واجب التّشغيل، أو تحسين المقدرة الشّرائيّة المتهرّئة للفئات المتوسّطة والضّعيفة.

وتلخّص الفقرات الخمس للتّوطئة، في مشروع القانون الجديد، أهمّ ملامح السّياسة الاقتصاديّة التي تتبنّاها حكومة “النّهضة” وشركائها، والتي تثبت مدى ولائها، كما سابقاتها من حكومات ما بعد 14 جانفي أو ما قبلها، للاملاءات الماليّة العالميّة، ومدى وفائها لأسيادها من صنّاع القرار في النّظام الاقتصادي العالمي، السّاعي إلى ترميم الأنظمة العميلة والمتهاوية، بعد أن ثارت الشّعوب المضطهدة عليها وأطاحت برؤوسها في حركات احتجاج عارمة لا مثيل لها. وهي ملامح منظومة اقتصاديّة تُعَدُّ تتويجا لماراطون المفاوضات السّريّة، بين “حكومة الثّورة” وصندوق النّقد الدّولي، منذ محضر جلسة العمل الوزاريّة بتاريخ 31 جانفي2013، حول «التّعاون مع صندوق النّقد الدّولي»، والتي كشفت عن جملة من الإجراءات والتّدابير المنتظرة، تمّ التّفاوض في شأنها مع صندوق النّقد الدّولي، وتتعلّق أساسا بتعديل أسعار المحروقات والقيام بإصلاحات هيكليّة في القطاع البنكي، وفي السّياسة الماليّة العامة والسّياسة النّقديّة والصّرف والقطاع الخاص. وقد صدرت، حينها، عن هذه الجلسة توصيّات بـ«صياغة وثيقة للإجراءات الأوّليّة والمعايير الهيكليّة المتعلّقة بتعديل أسعار المحروقات والإصلاح الجبائي ومجلّة الاستثمارات ودعم الأسر المستهدفة من الدّعم»، تكفّل بإعدادها البنك المركزي، فيما بعد، في «رسالة النّوايا»، الممضاة من قبل محافظ البنك المركزي ووزير “خزانته” والموجّهة إلى رئيسة الصّندوق “كريستين لاغارد” بتاريخ فيفري2013، حيث تتعهّد الحكومة الحاليّة بالاستجابة إلى كلّ شروط المؤسّسة الماليّة العالميّة، وتلتزم بإجراء إصلاحات هيكليّة كبرى على مدى سنتين، يتمّ بمقتضاها التّرفيع في أسعار المحروقات والمصادقة على صيغة جديدة تجعلها تحدّد بشكل آلي، وتحرير الأسعار، ورفع الدّعم عن المواد الأساسيّة، وإقرار إصلاح على قانون الضّرائب يسمح بتخفيض نسبة الضّرائب على الشّركات الاستثماريّة، وإلغاء كلّ القيود المسلّطة على التّوريد. وفي المقابل، تعمل الدّولة على تجميد الأجور، والضّغط على نفقات التّصرّف في أكثر القطاعات حيويّة، وبالتّالي مزيدُ التّقشّف واستنزاف المقدرة الشّرائيّة.

فالتّأكيد، في مشروع القانون هذا، على أنّ «المرحلةَ تقتضي اتّخاذَ إجراءاتٍ وإصلاحاتٍ هيكليّة بهدف استعادة التّحكّم في التّوازنات الماليّة الكبرى» لن يكون إلاّ تماهيًا وانسجامًا مع الالتزامات الماليّة التي قطعتها حكومة “النّهضة” على نفسها مع أسيادها في مؤسّسات المال العالميّة، من جهة، ومدخلاً ومبرّرًا لتحميل غالبيّة الفئات الضّعيفة صعوباتِ الوضع الاقتصادي المحلّي، من جهة أخرى. لذلك لم يُخْفِ هذا المشروع إرادة الدّولة في تملّصها من مسؤوليّاتها عن تدهور الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والتي كانت دافعا للحراك الثّوري في تونس، باعتباره يُحمِّلُ كلّ الأزمة للطّبقات المتضرّرة من منوال تنموي تفقيريّ ومعادي لمنطق الاستحقاق الشّعبي لعقود من الزّمن، ويذهب إلى أنّ «ثِقَلَ حَجْمَي الأجورِ وارتفاعَها وتَضَاعُفَ أعْبَاءِ الدَّعْمِ يُحتّمُ تَوَخِّي سياسةَ التّحكّمِ في النّفقات ومزيد دعم وتكثيف الاستخلاص للموارد الذّاتيّة الجبائيّة وغير الجبائيّة».

فالحكومات المتعاقبة إثر 14 جانفي، وإلى الآن، وبإذعانها المتواصل لشروط صندوق النّقد الدّولي وتوصياته، تعمل جاهدة على معاداة عموم الشّعب، وتحمّله، إدّعاءً، أعباء صعوبات الوضع الاقتصادي، وما تمرّ به البلاد من مخاطر. فبإظهارها تضخّم « مناب الأجور في نفقات التصرّف للدّولة المقدّرة بـ 59%» من جملة نفقات الدّولة، تؤكّد أنّ النّظام الاقتصادي المحلّي المرتهن للوصاية والاملاءات الخارجيّة، والذي ترعرع في ظلّ الاستبداد والفساد، لا زال يحمِّلُ الفئات الضّعيفة والمتوسّطة تبعات سياساته، ويَلْتَفُّ على مطالب عموم الشّعب واستحقاقاته، ويتجاهل إرادته في الكرامة والشّغل والحريّة.

1- تعبئة موارد ميزانيّة الدّولة على حساب رقاب الفقراء
تقدّر الميزانيّة الجديدة المتوقّعة لسنة 2014 بـ 28.125 م د، وهي مُتأتّية أساسا من الموارد الذاتيّة (الجبائيّة وغير الجبائيّة) بــ 20.287 م د، وموارد الاقتراض بـ 7.838 م د. وقد ضبطت مؤشّراتها على خلفيّة الحدّ من عجز التّوازنات الماليّة وميزان الدّفوعات، وذلك من خلال إجراء إصلاحات هيكليّة تمسّ منظومة الدّعم، الموجّهة للطّبقات الضّعيفة والشّرائح المتوسّطة، والتّرفيع في المداخيل الجبائيّة وغير الجبائيّة. وبالنّتيجة، تتحمّل الفئات المتضرّرة تبعات إجراءات تقليص العجز في الميزانيّة. فالمداخيل الجبائيّة من حيث هي اداءات مباشرة وغير مباشرة، ستشهد ترفيعًا في الضّرائب على المرتّبات والأجور، رغم حالة التّهرّؤ في المقدرة الشّرائيّة للطّبقات المتوسطة، وتدنّي الأجور لأكثر من 650 ألف عامل، إضافة إلى الارتفاع الجنوني والمستمرّ للأسعار. فالضّريبة على الدّخل سَتَمُرُّ من 2640 م د (2013) إلى 3715 م د (2014)، وسترتفع الاداءات على القيمة المضافة بـ 7.2 %، ومعلوم الاستهلاك بـ 6.5%، والمعاليم الدّيوانيّة وإتاواتها بـ 6.8%. وبالنّتيجة، ستتحمّل الفئات الضّعيفة والمتوسّطة آثار هذه التّعبئة المجحفة للموارد الجبائيّة تقشّفًا وتفقيرًا وتجويعًا.

ومثل هذه الإجراءات الواردة بقانون الماليّة الجديد، عندما لا تَمَسُّ التّهرّب الضّريبي، أو سنّ ضريبة على الثّروات الكبرى للأغنياء ( وتونس تحتلّ المراتب الأولى إفريقيًّا وعربيّا في عدد المليارديرات والمليونيرات)، وعندما لا تُخْضِعُ الشّركات الأجنبيّة لضريبة على أرباحها، ولا تتصدّي لكافة أشكال تهريب رؤوس الأموال إلى الخارج، فهي تكشف عن الطّبيعة المتوحّشة للنّظام الاقتصادي المنتصر لمصالح رأس المال العالمي، المتحالف مع وكلائه الجدد والدّاعم للأغنياء، والمتجاهل لإرادة الشّعب المفقّر في استحقاقاته في الثّروة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة.

والمفارقة هنا، أنّ الشّعب التّونسي الذي ثار على سياسات الحيف الاجتماعي والتّهميش والبطالة الجماعيّة وسياسات التّجويع، معتبرا أنّ مطلب العدالة الاجتماعيّة مدخل كلّ الحرّيات، وأنّ الحقّ في الدّيمقراطيّة والكرامة يَمُرُّ حتمًا عَبْرَ مراجعة السّياسات الاقتصاديّة المرتهنة للاملاءات والشّروط الخارجيّة، والمنتصرة لمصالح رأس المال الأجنبي ووكلائه المحليين المستفيدين الوحيدين من النّظام القائم، يجد نفسه، اليوم وبعد ثلاث سنوات من سقوط رأس النّظام، فريسة لقوى الالتفاف، من خلال مواصلة تعاطي النّظام الاقتصادي القائم مع مصير البلاد بنفس الآليّات القديمة، وكأنّ الشّروط الموضوعيّة للمسار الجديد لم تتغيّر. فقد أثبتت حكومة النّهضة، كما سابقاتها، أنّها لم تخرج عن سياق وضع مصير البلاد وثرواتها وسيادتها على ذمّة النّظام الاقتصادي العالمي واستعدادها لحماية مصالحه بكلّ الطّرق الممكنة، حتّى وإن هدّد ذلك السّيادة الوطنيّة ومصالح الطّبقات الضّعيفة المتضرّرة من اقتصاديات الاملاءات والتّوصيات والتّجويع.

2- نفقات ميزانيّة الدّولة وسياسات التّقشّف
يَعْتَبِرُ قانون الماليّة الجديد أنّ تحقيق النّموّ في تونس وتعديل التّوازنات الماليّة يمرّ حتما عبر إصلاحات هيكليّة وإجراءات استعجاليّة تنعش الاقتصاد، وهي الوصفةُ نفسُها التي يقترحها صندوق النّقد الدّولي عند تدخّله في أيّة منطقة في العالم ( في غانا والأرجنتين وأندونيسا..). باعتباره ينطلق من دافع رئيسي، يعمل على التّرويج له لدى الرّأي العام المحلّي، ومفاده “تنشيط الاقتصاد وإخراجه من حالة الرّكود، وخلق مناخ من الاستقرار والثّقة المساعد على الاستثمار”، وإخراجه من حالة الاختناق، جرّاء تراكم الدّين الخارجي، وصعوبة السّداد، وتقلّص احتياطات النّقد الأجنبي، وعدم كفايتها لتمويل الواردات أو تحويل أرباح الشّركات الأجنبيّة في البلد المعنيّ.

ويرتبط عادة برنامج الإصلاح الهيكلي، المُمْلَى من قبل صندوق النّقد الدّولي، بشروط وتعليمات تستهدف “استرداد التّكلفة”، على المدى القصير، من خلال التّفويت في المؤسّسات العموميّة، والضّغط على الإنفاق العمومي في المجالات الأكثر حيويّة، ورفع الدّعم عن المواد الأساسيّة، التي هِيَ قِوَامُ نفقات الاستهلاك للفقراء بطبقاتهم المختلفة، وتحرير التّجارة الخارجيّة، وهي من الإجراءات التي لا تُقَدِّمُ المؤسّسات الماليّة العالميّة أيّ تنازل بشأنها. ومثل هذه الإجراءات الاقتصادية من شأنها أن تنعكسَ سلبًا على الوضع المعيشي للمواطن تقشّفا وتدهورا في المقدرة الشّرائيّة، بفعل التّرفيع المستمرّ للأسعار، وتقليصًا في فرص الشّغل، وارتفاعًا في منسوب البطالة، وازديادا في الفوارق الاجتماعيّة.

ولعلّ ما ورد في قانون المالية الجديد، فيما يتعلّق بتعبئة الموارد أو بنفقات التّصرّف، لم يخرج عن استراتيجيات الإملاء والتّوصيات، كما لم يقطع مع منطق الانتصار للأغنياء ومصالح رأس المال الأجنبي ووكلائه المحليين. وتقدّر نفقات التّصرّف بـ 23.350 م د إضافة إلى 4675 م د “بعنوان خدمة الدّين العمومي أصلا وفائدة وإيفاءً للدّولة بالتزاماتها”، وهو الالتزام الوحيد الذي تتعهّد به الدّولة، أمام تراجعاتها في الإنفاق العمومي على استحقاقات عموم الشّعب المفقّر في الشّغل والتّنمية والحياة الكريمة. ففي هذا الباب تتعهّد الدّولة بإجراءات تقشّفيّة خطيرة على شعب مفقّر ومهدّد في لقمة عيشه وتحميله تبعات الإصلاحات الهيكليّة المملاة من قبل الدوائر الماليّة العالميّة. فالإجراءات ستتّجه نحو “التّحكّم في نفقات التسيير” بالتّقليص فيه بنسبة 5.5 %(باستثناء الدّفاع والدّاخليّة)، والتّخفيض في اعتمادات الدّفع لنفقات التّنمية بنسبة 20 %، وعدم إدراج أيّ مشروع جديد للسّنة المقبلة، بما يعني تخلّي الدّولة كُلِّيّا عن مسؤوليّاتها في الإنفاق العمومي الذي يشمل قطاعات حيويّة مثل الصحة والتّعليم والتّشغيل، كحقّ من حقوق الشّعب الأساسيّة. كما ستمسّ هذه الإجراءات “التحكّم في تطوّر نفقات الأجور والضّغط على الانتدابات”، وهو ما يعني تملّص الدّولة من مسؤوليّاتها في التّشغيل وتصدّيها للتّدهور الفادح في المقدرة الشّرائيّة لعموم الأجراء. كذلك لا تجد الدّولة حرجا في إمكانيّة توفير 100 م د، برفع الدّعم عن المواد الأساسيّة، وبالتّالي، المساس بقوت الطّبقات الشّعبيّة، التي تعيش دون خطّ الفقر، في أساسيات عيش الكَفَافِ لديها. وهي في المقابل تنتصر للأغنياء الجدد على حساب الوضعيّة الاقتصاديّة الصّعبة التي تمرّ بها البلاد، بترحيل أرباح الشّركات الأجنبية سنويّا بنسبة 2.5 م د من العملة الصّعبة ودون فرض ضريبة عليها، وبالتّشجيع على توريد المواد الكماليّة والتّجهيزات الثّمينة من سيّارات فخمة وعطورات، وصلت قيمتها سنة 2012 إلى 350 م د، رغم الصّعوبات في مخزون النّقد الأجنبيّ.

إنّ النّظام الاقتصادي العالمي، برعاية مؤسّساته الماليّة المتدخّلة بالاملاءات والتّوصيات في اقتصاديات الدّول، ومن خلال سياسات وكلائه الجدد في تونس، المنتصرة لمصالح رأس المال العالمي، يتجاهل إرادة الشّعب واستحقاقاته في الثّروة والكرامة، ويعبّر عن طبيعته الاستعماريّة المتوحّشة، والمتحكّمة في مصير البلاد ومقدّراتها، وعن إجرامه في حقّ الطّبقات الشّعبيّة، بدعوى إخراج الاقتصاد من حالة الرّكود والاختناق. وهو بذلك، يتحوّل إلى منقذ للنّظام المحلّي، بإعادة ترميمه والمحافظة عليه وإسناده في وجه عواصف التّغيير.

المصدر: الحوار المتمدن

تاريخ النشر 7 كانون الأول 2013

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *