كان آخر لقاء لي بالصديق الرائع، مدير قصر الأونيسكو، على امتداد سنوات طوال، الأستاذ أنطوان حرب، بمناسبة الإعداد للندوة، في القصر المذكور، في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، التي تكلم فيها جلبير الأشقر على كتابه،”الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية”.

كان آخر لقاء لي بالصديق الرائع، مدير قصر الأونيسكو، على امتداد سنوات طوال، الأستاذ أنطوان حرب، بمناسبة الإعداد للندوة، في القصر المذكور، في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، التي تكلم فيها جلبير الأشقر على كتابه،”الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية”. وسبق ان استضاف المركز الثقافي المشار إليه، على امتداد المرحلة التي كان يديره فيها صديقنا الراحل، العديدَ العديد من المحاضرات، والندوات، والمناسبات الثقافية والفكرية المتقدمة الأخرى، سواء تلك التي كانت تتم، بمبادرة من الحالة التي ننخرط فيها، من مواقع الماركسية الثورية، أو من حالات متقدمة أخرى. وذلك في الوقت عينه الذي كان يضمن فيه وجود أنطوان حرب، على رأس المؤسسة المنوَّه بها، ظهورَ فكر مختلف، من شتى التنويعات، يميناً ويساراً، من على منبر قصر الأونيسكو بالذات. فلقد كان مديره ديمقراطياً إلى ابعد الحدود، وحريصاً على بذل كل ما يستطيع لحماية مبدأ الديمقراطية، والدفاع عنه، وذلك في خدمة ثقافة تعددية، وغنية، ومهتمة شديد الاهتمام بتشجيع كل ما يطلق روح الإبداع.

وإذ يكون اذِّكاري للرجل، في مناسبةٍ بهذا الحزن، بل حتى بما يشبه الفجيعة، لا بد من ان اتذكر، أيضاً، اليوم الذي تعرفتُ إليه به، ذات بعد ظهر من العام 1976، في عز الحرب الأهلية، وكان آنذاك يشرف على مركز الحزب الشيوعي، في أميون. وقد حصل ذلك بمبادرة مني، شخصياً، إثْرَ اختطاف الحزب لمواطن من بلدتي، تنورين، في جبال قضاء البترون، وهي، بالمناسبة، بلدة أنطوان، ايضاً، وذلك في مسعىً للضغط على أقرباء للمواطن المذكور سبق أن خطفوا العديد من الحزبيين الشيوعيين من بلدة كفور العَرْبي، المجاورة لتنورين، كي يطلقوا سراحهم. ولقد تحدثت مع أنطوان، من مواقع أخلاقية بحتة اعتبرت أنها يُفترَض أن تلازم من ينسبون انفسهم للشيوعية، وتمنيتُ عليه إطلاق سراح الشخص المحتجز لدى الحزب، من دون إبطاء.

وعلى الرغم من تفهُّمه الصادق لطلبي، وخلفياته، فلقد قال لي، بألم حقيقي، إنه يعزُّ عليه ألا يلبِّيه، لأن “قوانين الصراع اللبناني” لا تنسجم، بالضرورة، مع صرامة المبادىء التي يجب ان تحكم سلوكنا، حيث أن حياة أشخاص متعددين باتت في الميزان، وهي معرضة جدياً للخطر. ومع ذلك، لم يمرَّ يومان أو ثلاثة حتى عرفتُ بإطلاق الشخص المعني، الذي أشاد على الملأ بشهامة خاطفيه، وطريقتهم الدافئة جداً والرحيمة في التعامل معه، خلال احتجازهم إياه.

كما أني لن أنسى كذلك أن انطوان كان بين الأوائل (من بلدته الاصلية) ممَّن اختاروا الالتزام بما رأى فيه فكر الطبقة العاملة، ودفع لأجل ذلك، بين ما دفع، ثمناً باهظاً جداً: استشهاد أخوين له، أحدهما اختفى خلال قتال في جنوبي بيروت، في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ضد قوى يمينية طائفية رجعية، والثاني، في عملية ضد الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان، في الفترة نفسها، تقريباً.

أنطوان، يا صديقي، ورفيقي: أنا حزين جداً لرحيلك، الأكثر من مبَكِّر.. ليس لأني لن أستطيع، بعد الآن، تلبية دعوتك للصعود معك، ذات يوم – الأبكر، بحسب رأيك، آنذاك، يكون الأفضل – وذلك إلى بيتكم الجبلي، في مصيف العائلة، في “راس بْنِيّا”، بقرب غابة أرز تنورين، بل بوجه اخص لأنك كنت لا تزال جاهزاً – على رغم إحباطات كثيرة سببُها وضعُ حزبكم، البائس، الراهن – للمزيد من العطاء الثوري، ولا سيما في مرحلة من صعود الحراك الشعبي، على امتداد المنطقة العربية، تعِدُ بالكثير.

أنطوان حرب، أنا في قمة الحزن لرحيلك!

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *