كثير هو النقد الموجه للممارسات “التنموية” في فلسطين الأوسلويّة (لقائمة مفصّلة ومطوّلة، انظر عادل سمارة: استلاب التموُّل واغتراب أدبيات “التنميّة”). يتمركز أغلب هذا النقد بوضوح ضد الإطار النيوليبرالي، بحيث يقوم على رفض الفصل بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة كما تدعي هذه النظريات والممارسات السائدة من خلال الإعلاء من قيمة السوق كفضاء أوحد لصياغة المجتمع وكوجهة نهائية باتجاه إلحاقه وإخضاعه.

كثير هو النقد الموجه للممارسات “التنموية” في فلسطين الأوسلويّة (لقائمة مفصّلة ومطوّلة، انظر عادل سمارة: استلاب التموُّل واغتراب أدبيات “التنميّة”). يتمركز أغلب هذا النقد بوضوح ضد الإطار النيوليبرالي، بحيث يقوم على رفض الفصل بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة كما تدعي هذه النظريات والممارسات السائدة من خلال الإعلاء من قيمة السوق كفضاء أوحد لصياغة المجتمع وكوجهة نهائية باتجاه إلحاقه وإخضاعه. ويستند بالتالي هذا النقد إلى وضع السلطة الفلسطينية وانجرافها عن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني، ويبيّن بوضوح آليات المنظمات غير الحكومية الممولة دوليا في إدارة هذا الانجراف، من ناحية الممولين ذوي التأثير الأقوى على سياسات السلطة، ومن ناحية المنظمات المذكورة الصاعدة لتعبئة مساحات في المجتمع المدني الفلسطيني يتم تصحيرها من خلال تعزيز آليات السوق التنافسية التي تعيق تطوير بدائل مستقلة تتعارض مع تعميق الربط الاقتصادي مع الاحتلال، وتثبيت الواقع ما فوق الاستعماري بدلا عن مشروع للتحرر الوطني.

تبدأ إشكاليات هذا النقد من هذه الثنائية المعروضة: الإلحاق الاستعماري المركب مقابل مشروع تحرر وطني. تكثر في هذه الأعمال مقولات الاقتصاد الوطني المستقل، وسوء خيارات السلطة في الابتعاد عنه، وتحولات القطاع الخاص المنجرف من أصحاب الأعمال الصغيرة إلى شرائح كمبرادورية، وانتقاد التغييب المستمر لتشكيلات المجتمع المدني الفلسطيني الذاتية والشعبية (مؤسسات تقدمية وتقليدية على السواء) مقابل استحضار لنماذج مؤسسية لا علاقة لها بمناهضة الاستعمار. من هنا تنزع هذه المقولات إلى أن لا تخوض الصراع في داخل بنية السوق تحديدا على اعتبار أن النيوليبرالية قاصرة عن التحليل لأنها داخل السوق فقط، وينزع هذا النقد في المقابل إلى الأشكال الأيديولوجية التي يُدرك فيها هذا الصراع (قومي، وطني، قانوني، … الخ) باعتبارها نقيض السوق وليست تمثلات للصراع في داخل السوق.

توجهات “ما بعد الحداثة” (اللا قومية) التي تتحدد في أشكال هوياتية، مكانية، ذاتية، أو “ما بعد الاستعمار” (القومية) هي توصيفات الخروج من السوق إلى الأشكال الأيدولوجية للسوق وخوض الصراع في المُفرزات لا الُمسببات. تهدف الفقرات التالية إلى توضيح هذا السياق كمقدمة أساسية للتعامل مع النقد المؤطر بالقضية الوطنية التي تمنعه من الدخول إلى تحليل المبنى الطبقي الشامل للصراع. فلسطين هي مركز هذه المقولات على اعتبار تكثف ظواهر الاضطهاد فيها، علما بأن ما ينطبق على فلسطين ينطبق إلى حد كبير على غيرها من البلدان في المنطقة، وبشكل عضوي، بحكم وحدة ومركزية آلية الاضطهاد والاستغلال والقهر العاملة في المنطقة والتي ترتبط بالمشروع الصهيوني بكليّته.

“ما بعد الحداثة” والتشظي اللا متناهي
أتاح تقدُم فروع العلوم بأنواعها “السيطرة” على الطبيعة وتقديم إجابات لما كان مبهما، وتطبيق حلول لمشكلات كبرى في بقاء ورفاه الوجود البشري. أمْلت هذه التحولات بالضرورة هدما واسعا لديناميكيات ما قبل المعرفة، وجردت “الإجابات” السابقة من فعاليتها ودورها، وبالتالي من سبب وجودها. هذه الحداثة (بمعنى تحديث حدود المعرفة باتجاه المقدرة على التوسع في تفسير الظواهر الطبيعية والتنظير لها وتوقع حركتها والإفادة منها) أفرزت تنظيما مختلفا لبنية المجتمع، أطاح بالهرمية السابقة التي قدمت منظورا جامدا للتفسير، لا جدلي ولا معرفي ولا تراكمي، ولا يسمح بالتالي بتغيير مفاصل السيطرة على المجتمع، حيث همّش المجتمع القديم من قيمة الزمان – مقولات غير قابلة للدحض أو التطوير، وأعلى من قيمة المكان – خصوصية هذه الأرض، هذا المجموع السكاني، هذه البنية الاجتماعية بما يخلق حصانة ضد عدوى نماذج أخرى في أمكنة أخرى بديناميكية علاقات اجتماعية أخرى.

إلا أن الحداثة أنتجت هيمنة من نسق مختلف، ابتعد عن الطبقات المهيمنة بذاتها (السادة الإقطاعيون وأنسابهم)، إلى طبقات مهيمنة لذاتها (بإمكانياتها المادية)، ونظمت المجتمعات بما يتيح حصر هذه الإمكانيات في حدود منع تغييرات في المبنى الطبقي الجديد – بحيث تم حصر التغيير الاجتماعي من مبنى طبقي جامد إلى مبنى طبقي متحرك يسمح بدخول عناصر جديدة إلى الشرائح العليا دون الإطاحة بالطبقة نفسها. استدعت هذه الحقيقة تثوير الحداثة، بطرح تحديات أمامها إن كانت فعلا تقود إلى تحسين حياة المجموع البشري أم أنها تنقله من مبنى هيمنة إلى آخر، وتفسير من له المصلحة في التحسين ومن له المصلحة في النقل، ولتصبح الحداثة حداثتين؛ حداثة هيمنية وحداثة ثورية انعتاقية تحررية تتفاعلان حول قوة الإنتاج.

الحداثة الهيمنية التي حملها رأس المال سحقت استقلالية البنى الاجتماعية القديمة، من خلال تفتيتها بالكامل إلى إلحاقها التابع بالبنية الأساسية عبر إيجاد قيمة موضوعية بعيدا عن العلاقة الاجتماعية. حداثة نفت أهمية المكان من خلال تشارك المعرفة عبر الزمن القصير وتوحيد الأنماط في الإنتاج. ومع هذه التغيرات برزت تمايزات مقابلة للتمايز القائم على المكان الذي انتهت مقدرته على التفسير، تمايز قامت عليه الحداثة الثورية، على رأس المال والطبقة دون عوامل تشويش المكان، يسمح بمنظور أوضح لحقيقة معقدة وأحادية.

إلا أن رأس المال – وهو الحامل الأساس لهذه التحولات، يسعى دائما للتوسع إلى فضاءات جديدة غير مخترقة بعد، بحثا عن المصادر والأسواق والعمالة الضرورية لاستمراره، فهو يقبل لأجل ذلك بالعمل من خلال منظومة حداثية تنظم المجتمع تماما وفق علاقات العمل والحقوق الديموقراطية الموضوعية، ويعمل مع بنى قديمة ومحافظة بأشكالها الدينية والقبلية، ويعمل مع بنى همجية تدميرية كالاحتلال والدكتاتورية والفصل العنصري ما دامت كل هذه الأشكال توفر مادته الأولية من مصادر وأسواق وعمالة وتلبي خروجه من أزمات التراكم المتتالية وإعاقة الإنتاج المتكرر، ويعمل أيضا على التحول بين آليات تراكم متعددة أكثر مرونة تلبي الاختلافات القائمة وتسمح بتجزئة العمل بين أمكنة مختلفة، وهو ما أعاد وأعلى من قيمة المكان وانتقص من قيمة الحداثة الأساسية التي تقوم على نفي المكان ونفي الزمن، وذلك من خلال القبول بالتمايزات، أو العودة عن الأبستمولوجيا (كُليّة المعرفة المجردة) إلى الأنطولوجيا (قيام المكان أساسا بتشكيل التحولات الزمنية)، وهذا جوهر الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة؛ الخروج مجددا من حركة التاريخ إلى اللحظات المتقطعة على اعتبار عدم اتصالها. هو إذا التحول من التذرير الحداثي وفق القيمة الموضوعية والمنظور الأحادي (رأس المال – الطبقة)، إلى بنى اجتماعية متجاورة شديدة الاختلاف – بسبب نمط الحداثة الهيمنية – تخفي هذا المنظور وتسعى إلى إبطال صحة مقولاته من خلال استحضار المكان مجددا داخل بنية الحداثة نفسها.

اعتماد إحداث شروخ في السياقات النضالية، أو الدفع بعدم ارتباطها المباشر هي العلامة الرئيسية في استحداث أدوات النضال في عصر ما بعد الحداثة هذا. في فلسطين مجددا على سبيل المثال، نرى الحملات المتتالية لمقاطعة البضائع الصهيونية ومناهضة الجدار والاستيطان والحواجز، وأخرى للحقوق الديموقراطية والثقافية داخل الخط الأخضر، وجهود كسر الحصار عن غزة، وهكذا بما يتوائم مع تفاصيل الاحتلال في فلسطين. لكن؛ هل لهذا علاقة بخصوصية فلسطين كمناطق تحت الاحتلال؟ إن مجرد النظر إلى واقع بلدان المنطقة الأخرى والتي لا تخضع إلى احتلال عسكري مباشر يثبت أن هذا ليس العامل الحاسم في اختيار أدوات العمل. في لبنان كما في الأردن والمغرب، نجد كماً ضخماً من الحملات الحقوقية للخدمات الأساسية، وللمساواة من أجل الفئات المهمشة والمضطهدة، ونضالات عمالية تجاور النضالات المناطقية، وهكذا من الحملات المحقة في الغالب الأعم، ولكن في حالة تشظي دائم وقد تخلى عن المنظور الأوحد. لا منظور أعم يجمع كل أشكال الرفض والمقاومة، حيث أغلب من ينشط أو ينخرط في الحملات – وعلى أحقيتها جميعا، لا رابط بينه وبين هذا المجموع من الأشخاص إلا في قضايا محددة جدا يتم صياغتها بالتقاطع بين الحقائق / المنظورات المختلفة من شخص لآخر.

سقوط المنظور الحداثي الثوري بحسب السياق النضالي لحالة “ما بعد الحداثة” يعني سقوط مقولات تفسير عموم الواقع والمقدرة على تفسير واقع معين، ويعني كذلك أن لا تضاد قائم ومكتمل بين طرفين، بل شبكات واسعة من التضاد والتلاقي بين عدد لا نهائي من الأطراف، وانتفاء ضرورة العمل ضمن أطر تنظيم ثابتة تتقدم على مختلف خطوط التماس وتحرز تراكمات في اتجاه لحظات الحسم. هنا تكمن الرد فعلية في غياب التطلعات متوسطة-بعيدة المدى، وبالتالي تأبيد الواقع الكلي الذي يتم رفضه باتجاه جزئياته في حركة دائمة من عدم الانجاز النوعي، أو بالأحرى من لا أهمية أو لا حتمية الإنجاز النوعي وفق المنظور الأوحد.

وبسبب سقوط أوّلية السوق القومي ضمن قواعد الإنتاج والتداخل العولمي، تعمل آليات التمويل الإمبريالي على الدمج المحموم بين مختلف المساحات، وتهيئة القوى العاملة حسب قواعد السوق العالمي الآخذ بالتشكل (وعلى وتيرة لا يكبح التماثل التام فيها إلا الصراعات الداخلية للطبقات المهيمنة عبر العالم اليوم، والتي كانت داخل الأمة بالأمس، وعلى مستوى العالم اليوم). إلا أن الاختلاف في منبع التمويل وتجاوز الوسط القومي كقناة التمويل الأولى (بتخليق الدولة للتمويل داخليا، أو قيامها بتمرير ذلك القادم من الخارج) لا يعطى اهتماما من قبل “ما بعد الحداثة” لأن المنهج المعمول به مِجهري وميكروّي، وبالتالي الأهمية النهائية متساوية بين إنجاز ضد بنية سيطرة محلية وبنية سيطرة فوق محلية لقناعة بعدم التواصل الحتمي، أو عدم وجود ذلك المنظور أساسا من كليّة السلطة. دور التمويل الأجنبي لقضية نضال معينة بالتالي لا يمكن مواجهته لمآلاته ومشروعه النهائي الذي يعمل لإحقاقه، بل بنتيجته المباشرة، بمدى قضائه على سيطرة وهيمنة محددة.

بروز تكتلات قضايا تتمدد فوق الخطوط القومية كما هو واقع الإنتاج الحديث فعليا (قضية حقوق المرأة، وقضية بطالة الشباب، وقضية الأمية، … الخ) يحيل إلى جملة من الهويات غير الطبقية بسبب وجود مساحات تباين عديدة بين الأشخاص (الجنس، والعمر، ومستوى التعليم، … الخ)، التي تتطلب في أفق “ما بعد الحداثة” أن لا يغيّب إحداها إلا سياقات هيمنية يجب العمل على دحضها بشقيها البنيوي والتحرري، فلا أولوية لأطر جامعة يعمل مجموع ما على العمل من خلالها إذ لا تعريف واحد ومتفق عليه لمبنى السلطة القائمة.
“أليس من الضروري رسم الخط الفاصل ما بين هؤلاء المعتقدين بأنه بإمكاننا الاستمرار في وضع انقطاعاتنا الراهنة داخل الثقافة التاريخية للقرن التاسع عشر، وهؤلاء الساعين بجدية إلى تحرير أنفسهم نهائيا من هذا المنهج الفكري؟” (ميشيل فوكو)

وعليه، يتم العمل مثلا على قضية “إمرأة شابة أُمية سُنّية عاطلة عن العمل من الريف المنظم حصريا وفق الخطوط القبيلة الذكورية في دولة محاصصة إثنية باقتصاد هامشي وخاضع جزئيا لاحتلال عسكري” وفق منطق تذويت واستقلالية مباني السلطة المختلفة هنا. ففي حين يسعى مركز الهيمنة إلى إدارة هذه التناقضات من أجل توسيع سوقه (مثال: إدخال المرأة في سوق العمل، أو تحسين التعليم للتوسع في قطاعات الخدمات، أو تعزيز الوعي الطائفي الإقصائي، أو استخراج الثروات الموزعة جغرافيا، أو توسيع القطاع العسكري أو لجمه… الخ)، يلتقي مع مجالات نشاط اجتماعي تتمركز حول نضالات هوياتية وحقوقية لذاتها – ولا داعي في “ما بعد الحداثة” التي تمثل إطارا فكريا لهذه النضالات المنعزلة إلى النظر للهيكل العام لمبنى السلطة، بل تعود وتبحث في قضية المرأة مثلا إن كان النضال لأجلها تشوبه هيمنة سمات المرأة “البيضاء” على المرأة “الملونة”، وابتكار الأخيرة لتعريف نضالها النسوي المناسب لمجتمعها “الملون” – استحضارا للمكان مجددا. المهم هنا للتمويل الأجنبي هو ضرورة عدم أخذ هذه الحركة ضد مبنى السلطة الأوسع في قلب العلاقات الاقتصادية، بل في إفرازاتها الاجتماعية، وهنا يقع التقاطع مع آليات الهيمنة العالمية، الإصلاحية والتدجينية، والقائمة على المساومات أو الحدود ضمن المنهج الانشطاري اللانهائي من قضايا الحقوق القائمة بذاتها من مبادرات وجمعيات (تأهيل المرأة الريفية، حق الشباب في الرياضة، تعليم مناسب لسوق العمل، مراكز عبادة متساوية للطوائف، التعبير الثقافي عن الأقلية القومية، المشاركة في العملية السياسية، … الخ).

“ما بعد الاستعمار” والبحث عن سراب “البرجوازية الوطنية”
“القادة البرجوازيون في الدول غير المتطورة يحصرون الوعي القومي في جمود تام. إن روح وجسم هذا الوعي يكتمل فقط عندما يتم شمول الرجال والنساء على مجال واسع في عمل مستنير ومنتج” (فرانز فانون)

في حين ترفض “ما بعد الحداثة” البنيوية والبنيوية المضادة لها من مداخل الهيمنة، تبحث “ما بعد الاستعمار” عن تلك البنيوية المضادة، وتصوغها قوميا على اعتبار أن الضد والآخر قومي أيضا. تتلاقى المنهجيتان هنا في اللحظات المتقطعة غير المتواصلة من التاريخ، حيث انطلاق موجة “ما بعد الاستعمار” في لحظة إنجاز التحرر الوطني في العالم الثالث، ونقضها لمآلات البرجوازيات الناشئة من حيث تبعيتها، لم يحول دون ثبات أفقها القومي، فلا زالت تبحث عن “البرجوازية الوطنية”، وتنتقد فشل البرجوازية المحلية في تحقيق نقلتها الحداثية للمجتمع وبأنها “برجوازية فاشلة”، أو لا تستحق حتى صفة البرجوازية لأن تلك تعني التحديث ضمن وعي قومي حسب “ما بعد الاستعمار”. تُنزع البرجوازية تدريجيا من واقع الإنتاج الرأسمالي تحديدا إلى فئة تقع عليها مهام الحداثة.

القناعة هنا أن المجتمع غير الحديث تماما – من حيث عدم اكتمال آليات التذرير المجتمعي إلى القيمة الموضوعية تماما، هو ليس مجتمعا رأسماليا بحسب تطورات منهج “ما بعد الاستعمار”. فالنزوح الحديث في آلية التفسير من أن هذه البرجوازية ليس لها دور في تحديث المجتمع كما كانت في أوروبا، إلى أن هذه المجتمعات ليست رأسمالية وما زالت قواها البرجوازية تبحث عن مشروعها القومي، وأن فشل هذه القوى يكمن في أنها سيطرت ولم تهيمن، علما أن التسليع الثقافي (توحيد قيم الاستهلاك عبر العالم) الذي تتسم به الرأسمالية المتأخرة أداة الهيمنة الملائمة لعالمية رأس المال ولم يعد للكثير من البرجوازيين طموحات قومية. وما دامت “ما بعد الاستعمار” تبحث ولا تزال رغم هذا عن المشروع القومي في ظل تطورات رأس المال، نرى هنا مجددا البحث عن تمايزات لمجتمع ما – الإعلاء من قيمة المكان مجددا – لخلق صيرورة تطور خاصة ومختلفة. ترى الفشل على سبيل المثال في اختيار أدوات علمية تؤبد التبعية للمستعمِر السابق ومراكز رأس المال، بما يعنيه ذلك من ارتداد عن قيم التنوير والعلمانية، وإغفال حقيقة الإمبريالية من عالمية رأس المال وشراكته فوق القومية، ومحاولة ابتداع طرق في خلق قيم مشتركة بين البرجوازية والمجموع الشعبي يعمل على توطينها، ويغرق في المثاليات والأصالة المكانية كحوامل لهذا المشروع،
في المقابل، اندمجت برجوازيات المنطقة في مشروع السوق الليبرالي تماشيا مع الاقتصاد العالمي ومركزيته الشمالية، وبغض النظر عن فئات برجوازية صناعية سقطت على هذا الطريق لتضارب مصالحها مع المجموع الأوسع من البرجوازية. فبينما اتجهت برجوازية وبيروقراطية المغرب منذ الستينيات إلى الاندماج العالمي، اتجهت أيضا إلى ذلك هذه الفئات في تونس في السبعينيات، وفي مصر في الثمانينيات، وفي الأردن في التسعينيات، وفي سوريا مع بداية الألفية. هذه حقيقة أقرت بها “ما بعد الاستعمار” في توصيف علاقة البرجوازية البيروقراطية في دول العالم الثالث، ولكن البرجوازية في حالة فلسطين لم تنجز الاستقلال، بل إعادة انتشار للاحتلال بما يسمح لهذه الفئات بالعمل. وهذا هو جوهر مشروع هذه البرجوازية، فالغطاء القومي وظيفي ضد “آخر” لم تعد مستقلة عنه تماما.

هذا تحديدا ما يستدعي العمل بأنساق أخرى، أي أنساق طبقية وعالمية. طبيعة المشروع الصهيوني في المنطقة تحتم ذلك، لا وجود منفرد لفلسطين ضد عدوها المستعمِر. وكما فشلت التنمية المتصالحة مع الاحتلال، لن توجد تنمية تحررية تبحث عن مشروع وطني تقوده البرجوازية والبيروقراطية التي أسهمت سابقا في إزاحة الاحتلالات العسكرية عن أراضيها، البرجوازية الفلسطينية عقدت تحالفاتها مع الاحتلال كما غيرها من برجوازيات المنطقة. منبع التحرر يقع في مكان آخر.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *