نسمع ونقرأ يوميا العديد من التحليلات والاستنتاجات والقناعات حول تغيير النسيج المجتمعي السوري في ظل الثورة. ويستخدم العديد كلمة تمزق وتشوه كصفة رئيسية لوصف المجتمع السوري الحالي. ولا شك ‬بأ‫ن ما يقوم به النظام السوري من تحريض وممارسات طائفية منذ اليوم الأول من الثورة، ووحشيته غير الموصوفة في مقاومة الثورة ومعاقبة مناصريها ودعم معاديها، قد ترك أثره على المجتمع وغير من آساليب التفكير والتعامل في بعض المناطق. لكن ما يتجاهله أو لا يعلمه معظم من يكتب عن المجتمع السوري هو الجزء الأكبر من الحقيقة.

نسمع ونقرأ يوميا العديد من التحليلات والاستنتاجات والقناعات حول تغيير النسيج المجتمعي السوري في ظل الثورة. ويستخدم العديد كلمة تمزق وتشوه كصفة رئيسية لوصف المجتمع السوري الحالي. ولا شك ‬بأ‫ن ما يقوم به النظام السوري من تحريض وممارسات طائفية منذ اليوم الأول من الثورة، ووحشيته غير الموصوفة في مقاومة الثورة ومعاقبة مناصريها ودعم معاديها، قد ترك أثره على المجتمع وغير من آساليب التفكير والتعامل في بعض المناطق. لكن ما يتجاهله أو لا يعلمه معظم من يكتب عن المجتمع السوري هو الجزء الأكبر من الحقيقة. هذه الحقيقة التي لا يدركها الآن إلا الشعب السوري في الداخل ممن صنعوا الثورة وشاركو‬ا‫ فيها وهذا النص هو وسيلة لإظهار التغيرات التي ‬صنعتها ثورة الشعب السوري.

‫لقد تغير المجتمع السوري منذ الأيام الأولى من الثورة، فقد أظهر السوري حقيقته التي اعتاد إخفاءها عبر العقود الماضية، فلم يعد همه منحصرا في مصلحته الشخصية التي كان مضطرا دائما للدفاع عنها كمحاولة للشعور ببعض الأمان ‬و‫الاستقرار والتوازن الوهمي الذي يعلم أنه قابل للتخلخل والسقوط عند أول خط أحمر يتجاوزه. بل اتسع هذا الهم ليشمل جاره وصديقه وأبناء بلده في المحافظات الأخرى التي لم يزر معظمها مسبقا. وأخص بهذا التغيير جيل الشباب في سورية، الذي كان يخضع مرغما لعملية تفريغ واضحة من أي انتماء أو قضية أو حس وطني، ولعملية إقصاء ممنهجة عن أي دور في إحداث تغيير في المجتمع، وبالتالي عن أية مشاركة في بناء صورة مستقبلية له ولوطنه. وتبلورت أول نتائج هذا التغيير في أفق وفكر الشباب السوري من خلال كسر ‬ا‫لنماذج المناطقية والطبقية وحتى الفردية المفروضة مسبقا، فمنذ أن بدأت الثورة تغيرت نظرة السوريين لبعضهم البعض، فبعد أن كان ابن الشام وحلب أهم من أبناء المناطق الأخرى والأكثر ذِكرا، ‬و‫بعد أن كان الشمال والشرق السوري رمزا للمناطق المتخلفة في سورية، والجنوب السوري منطقة مجهولة، والساحل السوري منطقة معزولة، أصبح فخرا وشرفا للسوري أن يكون ابن درعا أو حمص أو دير الزور آو حماه أو ابن الريف الدمشقي  ‬أو ‫أي‬ منطقة‫ من المناطق الثائرة. تغيرت كل الخريطة السورية وبدأ السوريون بالتعرف على أسماء قرى ومناطق لم يعرفوا أنها موجودة بالأصل، فمن الحراك والمسيفرة في الجنوب إلى تلبيسة والبيضة والقصير في الوسط إلى كفرنبل وسراقب وبستان القصر والقورية في الشرق والشمال.‬

‫اجتمع والتقى ابن المدينة مع ابن الريف، طالب الجامعة مع صاحب المهنة ومع العاطل عن العمل، الغني مع الفقير، المتدين مع الملحد، وبدأ يتغير وبشكل ملحوظ نمط الشللية المعتمد على الصفة الجامعة المشتركة، وتغيرت حتى الأماكن التي اعتادوا على ارتيادها سابقا، من مطاعم ومقاه إلى بيوت وحارات والعكس. بل إن العديد من الشباب ذهبوا إلى محافظات أخرى للمشاركة في مظاهراتها ونشاطاتها الثورية.‬

‫كسرت التصنيفات الفردية  والتقييمات المعتمِدة على معايير معينة مثل مستوى العلم والنفوذ الاجتماعي ودرجة الغنى المادي، فأصبح التقدير والاحترام  موجه للأشخاص الأكثر مشاركة والأكثر صدقا وإلى صاحب الفعل والفكر الحقيقي بغض النظر عن أي من المعايير المذكورة سابقا، وأخص بذلك أبناء الأحياء والريف الذين كانوا يعانون من نبذ اجتماعي على اعتبارهم من الطبقة الثانية أو الثالثة في المجتمع، أما بعد الثورة أصبح هؤلاء من أكثر الناس بروزا في ‬المجتمع‫ المشارك بالثورة، ولا أقصد هنا البروز الإعلامي بل هم أكثر من ساهم في الثورة بكل صدق ووعي وسرية، ويبتعدون قدر الإمكان عن الشهرة أو الظهور العلني الذي لا يصب في مصلحة الثورة‬.

‫برز كذلك مفهوم الثقة الذي غاب بشكل أو بآخر عن العلاقات بين الأفراد في المجتمع السوري. فلم يكن السوري يثق بالسوري قبل الثورة، حيث كانت ثقافة التخوين والشك هي السائدة إلى حد ما، فلا أحد يقتنع بأن الآخر يمكن أن يقدم له مساعدة أو حتى نصيحة بدون مقابل. كل هذا اختفى ليحل مكانه ‬الشعور‫ ‬بالثقة‫ المطلقة بين المشاركين في الثورة على اختلاف أنواع المشاركة. فكم من عائلة استضافت شبابا وعائلات أخرى لم تعرفها من قبل، وأكثر هذه العائلات من ذوي الدخل المحدود، وكم من سوري أمن على حياته بكلمة ثقة من سوري آخر، ‬و‫كم من بيوت خبأت نشطاء بعيدا عن أيادي الأمن والشبيحة لأيام وأسابيع، كم من الأشخاص تقاسموا دخلهم ومدخراتهم  لمساعدة النازحين أو المتأثرين بالأوضاع في سورية من دون معرفة شيء عنهم أو عن ماضيهم أو دينهم.‬

‫كذلك تغير معنى الشعور بالمسؤولية عند الشباب السوري، فمن تحمل مسؤوليته الشخصية، أو عدم تحملها حتى، إلى تحمل مسؤولية المضي في ثورة ستغير صورة مستقبل بلده، حيث نستطيع أن نرى كيف أخذ الشباب السوري هذه المسؤولية على عاتقه بكل جدية من خلال اندماجه التام بالنشاطات الثورية وتسخير كل طاقاته و أفكاره و نقاشاته بكل ما يمكن أن يكون مفيدا لليوم و الغد، وتقاسم الجميع على اختلاف مقدراتهم وتعليمهم كل المهام وطوروا أنفسهم بما يتناسب مع متطلبات الوضع الحالي، فالكثير منهم كان جاهلا مثلا باستخدام الانترنت لعدم توفرها وغلاء استخدامها، وبالتصوير و استخدام الكاميرات على أنواعها، لكنه وجد نفسه مضطرا لتوثيق ما يحدث من تجاوزات وانتهاكات يقوم بها النظام ضد أهله وشعبه، فتعلمها بسرعة وعلم الآخرين من حوله، انطلاقا من شعوره بالمسؤولية في ايصال وتوضيح صورة ما يحدث للخارج.‬

‫حتى انه أخذ دور المسؤولية التي وجب على الجيل الأكبر تحملها، أو التي تعلمنا أن الجيل الأكبر يجب تحملها من أخذ قرارات مصيرية تخص البلد، فالشباب السوري هو المتواجد على الأرض وهو من يقوم بالفعل وهو من يقرر ما يجب فعله لإكمال ثورة شعبه وتحقيق أهدافها، بينما قسم كبير من جيل آبائه وأجداده ما زال ناكرا للواقع، أو يفضل الحياد. طبعا لكل هذا مبررات كثيرة لكن الكلام هنا يتطرق إلى النتائج والواقع بعيدا عن المبررات.‬

‫ومن أروع نتائج هذه الثورة والتي انعكست مباشرة على وعي السوريين صغارا وكبارا، هي إدراكهم لحقوقهم وواجباتهم كمواطنين، ولمعنى المواطنة والحرية والكرامة والمساواة، حق المشاركة في بناء بلدهم وحقهم في تقرير مصيرهم. هذه المفاهيم التي عمل النظام وحزب البعث على إلغائها و طمسها وحسر دور المواطن السوري في التلقي والتنفيذ. هذا الوعي هو أكثر ما يخيف النظام و حتى الدول الأخرى المعادية للشعب السوري أو حتى ‬تلك ‫التي تدعي دعمها له، فقد اعتادوا أن نكون شعوبا نائمة  لا نعرف معنى حق المطالبة ولا نملك النية أصلا بالمطالبة بأي من حقوقنا، بل إن دول الغرب بالذات تعتبر حقوق الإنسان حكرا عليها وبأن شعوب العالم الثالث غير قادرة على إدراك هذه الحقوق فطريا، بل بحاجة لمنظماتهم كي تأتي وتعلم هذه الشعوب معنى الإنسان، متجاهلين أو ربما غير مدركين أن أكثر من يدرك الشيء هو فاقده.‬

‫هذه التغيرات في شخصية السوري المشارك في الثورة أو حتى الصامت والتي بشكل تلقائي تنعكس على طبيعة العلاقات الاجتماعية، لا يمكن أن تكون وليدة اللحظة أو بتحريض  أو تأثير من المؤامرات الكونية التي لا ينفك النظام الاستعانة بها لتبرير تغير واندفاع شعب كان لا يتوقع منه سوى الانصياع والرضوخ لقوانينه وأحكامه الجائرة‬.

‫هذا التغير هو المعدن السوري الحقيقي الذي توارى في ظل حكم السلطات الأمنية والخوف من ممارساتها التي عرفت بها وعاشها السوريون عبر أربعين عاما. إن هذه المعايير والمفاهيم والأخلاق الجديدة بالنسبة للنظام والتي فرضها الشعب السوري على الأرض حقيقة وواقعا، هي التي أرغمت هذا النظام على استخدام طائراته وصواريخه ودباباته، ظنا منه أنها قادرة على محو هذه الصورة الجديدة للمجتمع السوري وإعادة ‬فرض ‫صورة العبودية والذل والرضوخ القديمة.‬

‫تحية إلى شعبي السوري المناضل وإلى ‬المجتمع‫ السوري الجديد وليخف منه كل الطغاة‬،‫ لأن له الحق في ذلك.‬
‫ ‬

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *