عندما قرّر مجلس الوزراء تمديد عقد تشغيل المعاينة الميكانيكية مع شركة «فال» لفترة 6 أشهر في موازاة إطلاق دفتر شروط لإطلاق مناقصة مفتوحة لتلزيم هذه الأعمال، لم يكن هدفه التصويب على شركة ما أو على قطاع ما، بل كان الهدف الذي سعى إليه بعض الوزراء الذين ضغطوا باتجاه استصدار هذا القرار، أن يتم الأمر وفق مبدأ المنافسة بين الشركات. هذا الخيار لا يختلف كثيراً عن خيارات الخصخصة والفوضى التي تنتجها.


عندما قرّر مجلس الوزراء تمديد عقد تشغيل المعاينة الميكانيكية مع شركة «فال» لفترة 6 أشهر في موازاة إطلاق دفتر شروط لإطلاق مناقصة مفتوحة لتلزيم هذه الأعمال، لم يكن هدفه التصويب على شركة ما أو على قطاع ما، بل كان الهدف الذي سعى إليه بعض الوزراء الذين ضغطوا باتجاه استصدار هذا القرار، أن يتم الأمر وفق مبدأ المنافسة بين الشركات. هذا الخيار لا يختلف كثيراً عن خيارات الخصخصة والفوضى التي تنتجها.

هؤلاء الوزراء لم يكونوا جذريين في مواقفهم ولا يشبهون في مواقفهم من الخصخصة أيا من الخبراء الرافضين لاستباحة الخدمة العامة والتي يرون أن على الدولة تقديمها لا القطاع الخاص. وقرّر هؤلاء الوزراء الحفاظ على صيغة الخصخصة كحل وسط بين خيار «الخصخصة بالتراضي» التي كان يروّج لها وزير الداخلية مروان شربل حين اقترح تمديد العقد مع «فال» لمدة 5 سنوات، وخيار إعادة المعاينة الميكانيكية إلى كنف الدولة لتقديمها للمواطن مثل باقي الخدمات العامة التي لم تُخصخَص بعد… وتمكّنوا من فرض خياراتهم في مجلس الوزراء الذي أقر إجراء مناقصة مفتوحة لتلزيم أعمال المعاينة الميكانيكية.

هذا المسار هو أحد أوجه هذه الخصخصة التي كان يُعبّر عنها، في حالة المعاينة الميكانيكية، بالإشارة إلى تلزيم هذه الخدمة وفق عقد BOT لفترة 10 سنوات. ومن أبرز منتجات هذا المسار ما يتعلق باستدامة عمل موظفي الشركة الملتزمة، إذ تحولوا تلقائياً إلى قنبلة موقوتة سرعان ما أصبحت عرضة للانفجار مع صدور قرار مجلس الوزراء الذي أرخى صاعق التفجير.
هناك وجهتان تفسّران مفاعيل هذا القرار؛ الأولى أطلقها الموظفون الساعون إلى الحفاظ على ديمومة عملهم، والثانية متصلة بموقف الشركة من هذه الحقوق.

وبحسب أوساط الموظفين، فإن إدارة شركة «فال» أبلغتهم قبل أشهر، أنها ستنهي عقودهم. وبحسب بيان صادر عن الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، أصدره بعد اجتماع لمندوبي الفروع في «فال»، فإن الموظفين «أمام مأساة ستحلّ عليهم من خلال القرار الذي اتخذته إدارة الشركة بإنهاء كل عقود العمل في الشركة، وأيضا أمام عدم مبالاة الادارة والوزارات المعنية بمصير 400 عائلة، ومصير دورة اقتصادية متكاملة مرتبطة بهذا القطاع من العمال والموظفين وأصحاب المهن في هذا القطاع… لذلك تقرّر تنفيذ اعتصام يوم غد الخميس من أجل فرض ديمومة العمل».

إزاء هذا الكلام، تأتي الوجهة الثانية للموضوع، فيردّ المدير العام للشركة وليد سليمان، على ما يصفه بأنها «ادعاءات تجّار النقابات»، لافتاً إلى أن الشركة «لم تصدر أي قرار بإلغاء العقود مع أي من الموظفين، لكننا أبلغناهم بأن الشركة ستتوقف عن العمل في حال عدم فوزها في مناقصة التزام أعمال الميكانيك. وبالتالي لن يكون ممكناً العمل معها… لكننا مصرّون على المشاركة في هذه المناقصة التي نحتاج إليها لنعمل، ونأمل أن نربحها حتى نلغي كل الحديث عن استدامة عمل الموظفين في هذه الشركة… لكننا اليوم دخلنا في مرحلة فراغ حكومي لا يمكن بموجبها إجراء أي مناقصة وبالتالي سننتظر حتى تموز لنرى ماذا سيحصل».

وفي السياق نفسه، يؤكد وزير العمل سليم جريصاتي ان «استمرارية عمل موظفي شركة فال محفوظة وفق المادة 60 من قانون العمل. قضية هؤلاء الموظفين تتطابق مع قضية عمال شركة الخرافي التي كانت تلتزم أعمال تشغيل وصيانة مجمع الجامعة اللبنانية في الحدث. وقد راسلت مجلس الوزراء ووزير الداخلية وأكّدت لهم أن هؤلاء الموظفين سينتقلون بموجب المادة 60 من قانون العمل إلى الجهة التي ستفوز بالمناقصة سواء كانت الشركة نفسها، أو جاءت شركة جديدة، أو قررت الدولة استرداد هذا القطاع وتشغيله مباشرة».

إذاً، الحلّ موجود في القانون. فالمادة 60 تقول إنه «إذا طرأ تغيير في حالة رب العمل من الوجهة القانونية بسبب إرث أو بيع أو إدغام أو ما إلى ذلك في شكل المؤسسة أو تحويل إلى شركة، فإن جميع عقود العمل التي تكون جارية يوم حدوث التغيير تبقى قائمة بين ربّ العمل الجديد وأجراء المؤسسة». لكن وجود المواد القانونية «لم يمنع التعاون مع وزارة الداخلية للعمل على تضمين دفتر الشروط بنداً يشير إلى استدامة عمل الموظفين وانتقالهم إلى الجهة الملتزمة الجديدة» يقول جريصاتي.

مشكلة موظفي الشركات التي تلتزم أعمال تشغيل المرافق العامة، ليست سوى غيض من فيض الخصخصة في لبنان. فبحسب الخبير في شؤون السير، صائب الخليل، إن وظيفة المعاينة الميكانيكية كانت تقوم بها دائرة الميكانيك بالكادر الرسمي الموجود فيها، لكن السلطة بتركيبتها الحالية ذهبت في اتجاه خصخصتها بدلاً من تطويرها والاعتماد عليها رغم أن هذه الخصخصة هي «أكبر سرقة للمواطن ومصادرة لحقوقه لأنه لا يوجد ما يسمى رسم المعاينة الميكانيكية في القانون اللبناني».

وتجدر الإشارة إلى أن موظفي المعاينة الميكانيكية ليسوا وحدهم من واجه هذه المشكلة، فمياومو الكهرباء واجهو الأزمة نفسها، ولم تحل مشاكلهم إلى اليوم رغم انضمام قسم كبير منهم إلى الشركات الملتزمة التي تسمى «مقدمو الخدمات». أما في مجمع الجامعة اللبنانية والتزام شركة الخرافي، فقد أعيدت المناقصة «وربما جرى ترتيبها لتفوز الشركة التي كانت ملتزمة من أجل عدم إطلاق شرارة تحرّك عمالي تقوده نقابات عمالية ضدّ احزابها ورؤساء أحزابها» يقول المطلعون.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *