قال “لست مهزوماً ما دمت تقاوم”، وقال “إن المثقف إما أن يكون ثورياً أو لا يكون”، وقال الكثير الكثير من الجمل، بانسياق لغوي يناهز المطلق الفكري والنضالي، يلامس “براكسيس” الضرورة في بلاد تحكمها كل الأمور الغيبية المفارقة، والتي توعد إنسانها بجمال بعيد، لا بل بفرحٍ في غير حياة.


قال “لست مهزوماً ما دمت تقاوم”، وقال “إن المثقف إما أن يكون ثورياً أو لا يكون”، وقال الكثير الكثير من الجمل، بانسياق لغوي يناهز المطلق الفكري والنضالي، يلامس “براكسيس” الضرورة في بلاد تحكمها كل الأمور الغيبية المفارقة، والتي توعد إنسانها بجمال بعيد، لا بل بفرحٍ في غير حياة.

ما الذي يمكن أن يقوله المرء لمهدي بعد ربع قرن على وفاته، لا بل على استشهداه، لا بل على موته في أحد أزقة بيروت وهو يهم إلى الجامعة لتقديم محاضرته المعتادة؟ شارع الجزائر، بيروت، ولا أدري إذا ما تمت الصلاة على رفاته، ونقلها من ثم إلى حاروف، إلى بلدته. ماذا يمكن للفرد أن يقول لهذا المارد الشيوعي في يوم استشهاده؟ هل نقول إنك انتحرت، إذ عرفت أنك ستموت ومع ذلك رفضت الحماية، ورفضت الإختباء، وأصريت على التوجه إلى جامعتك اللبنانية التي احببت؟ هل نقول إن قيادة حزبك نسيت أنك قُتلت، مع مجموعة من المفكرين الآخرين، وإن القيادة نفسها قتلتك مرة أخرى حين تناست الأمر، فذكرتك كشهيد دون قاتل، وها هي الآن تدافع وتبرر كل ما يقومون به، وكأنك لاشيء، وكأنك لم تمت، وكأنهم لم يقتلوك، وكأنك منتصب في شارع الجزائر منذ ربع قرن ولم تحرك ساكناً، بل وقفت هناك متأملاً كل شيء، وأن قرار عودتك إلى الحياة قاب قوسين أو أدنى؟ هل نقول إن قيادة انتميت إليها نسيتك، كما نسيت عدداً غير يسير من الذين قُتلوا من الخلف، على أيدي نفس القوى، على أيدي نفس الحلفاء الأعداء، على أيدي الفكر المغلق الذي رأيته دائماً، وفي إحالته للماضي، عقبة، لا بل عقبات في وجه التغيير؟

هل نقول إنك مت دفاعاً عن حرية الكلمة والتفكير، وإن حزبك الآن يستبعد كل من يقول كلمة حرة، أو يفكّر بحرية أكثر مما تستطيع هذه القيادة تحمُّله؟ هل نقول إنهم يرفضون التضامن مع الثائر، لا بل يحجمون عن تسمية الطغاة بالإسم، ويمعنون في ترك الساحة المتأججة دون نقد، دون توجيه، دون تأثير، ودون مشاركة؟ هل نقول إن الديكتاتورية باتت الآن داخل الحزب، وإن التلبُّس بات حالة التفكير وليس العمالة؟ وهل نقول إن الحزب الثوري، الذي أمضيت عدداً غير يسير من أيامك داخله، لم يعد ثورياً، بل لا يسعى إلا إلى منصب من هنا أو كرسي من هناك، وإن كان على محادل القوى الطائفية، وكأن الإصلاح هو الأداة الثورية للتغيير المنشود في دولة تشبه كل شيء إلا الدولة؟

كثيرةٌ هي الأسئلة، وصعبة بشكل مطلق محاولة الإجابة عليها. إلا أن السؤال رحمة الفكر بلغة هايدغر، لا بل السؤال هو المحفّز الأول على التفكير، على المعرفة، على معرفة من أصّر على تصفية الفكر الممارِس، على تصفية الجسد الذي يحمل الحياة في داخله، ويحيلها صيرورةً تخاطب الآتي!

هل نقول إن جورج حاوي فارق الحياة أيضاً، وأغلب الظن أن من قتله استهدف مشروعه كما مشروعك؟ وهل نقول إن العالم العربي بأكمله، وإن الشعوب العربية بمعظمها، باتت في حكم الضرورة التاريخية من أجل قلب الأنظمة التي وقفت في وجه التاريخ، وإن البلد الوحيد الذي لم يدخل في لعبة التجربة هو البلد الذي حلّلت مفاصله على امتداد أوراق دفترك ولم يتأثَّر لحظة بما كتبت، ولم يناقش صفحةً من أي كتاب لك؟ وهل نقول إنك ما زالت راكناً هناك، بعد ربع قرن، دون أن تُمَس بالنقد الثوري البنّاء، بالرغم من أن كارل ماركس ذاته كان قد عدّل في كتابه البيان الشيوعي حوالي الخمس مراتٍ في ربع قرن؟

الموت أتى بالفعل، أتى على الجسد منذ ما قبل، لكنه أتى على الفكر أيضاً. أنهى كل شيء، أيقن أن لا أحد هناك ليتابع، أيقن أن القيادة لم تعد قيادة، وأن التفكير موتها، وأن الثورة مقتلها. أيقنت تلك القيادة أن إعلان العداء لمن قتلك سيؤدي إلى قتلها فقررت الإنهزام، قررت عدم المقاومة، فتحولت جملتك إلى “مهزماً لأنك لا تقاوم، لأنك لا تواجه، لأنك لا تثُر”. باتت القاعدة هي الإرتكاس، التبعية حتى نضالياً، فتم تجيير كل ما يجب القيام به إلى من لا يجب أن يقوم به، وباتت المقاومة مسألة سلاح دون أن تعني التفكير النقدي والجاد والهادف والمختلف والتحرر الوطني والاجتماعي على السواء.

بات كل شيء مختلفاً، بات “الصفر” كل ما تراه هذه القيادات الغفيرة التي لم تبدّل خطابها قيد أنملة منذ ما قبل مماتك إلى الآن، وباتت كافة الحركات التي بلا تاريخ وبلا فكر نقدي تغض الطرف عن كتاباتك، فركنَت هناك في البدهي، في الفكر المسطّح، تتأمل وتنتظر الرحمة، لا بل تنتظر رصاصة تأتي فتحوّل الموجود إلى قتيل، تبعده عن تحمُّل المسؤولية، وتعفيه من المواجهة… وإن بالكلام!

في هذا اليوم مات مهدي المفكر، ولم يكن لجسده أي عدو. مات المفكر الفذ بإقدام، مات ولم ولن يعلم أن الشعوب العربية ستثور وأنها قاب قوسين أو أدنى من اثبات تجاربها، لا بل خوضها بغية الوصول إلى مكان تحلم فيه، إلى مكان يعكس انسانيتها كل لحظة.

مات مهدي عامل وكنا ننوي القول: لا ترتبط المشكلة بعدم فهم كيفية التغيير، بل باعتبار الامور تحدث مرة واحدة ونهائية لتعم الديموقراطية ويتم تحرير البلاد من كل فساد وطغيان واحتلال.. اعذرهم يا مهدي، فهؤلاء لا يفقهون أن الثورة ديمومة وليست ناجزة ونهائية، لا يعلمون أنها صيرورة تتشكل مع كل انجاز جديد لتخلق وعياً مختلفاً، وعياً ينظر إلى المستقبل بوصفه أرض الإمكانية، وليس إلى الماضي بوصفه جنة فقدناها ونحاول العودة إليها.

تحية إليك مهدي عامل يوم مماتك، تحية إلى الثورات العربية التي تحوّل المستقبل إلى امكانية، وتحية إلى فكرٍ دينامي يعمل حين تقف كافة المنظومات الفكرية الأخرى، فكر يرى الممكن بالآتي، الممكن بما يجب أن يكون، الممكن في بلاد تعمها الفوضى والفساد والطغيان والمستحيل… الشعوب ثارت يا مهدي، وإن دون فكرٍ نظري. الشعوب ثارت وها هي تخوض تجاربها وتخط نظريتها في آن. الشعوب ثارت دون مفكر على وزنك، أو على وزن رفيقك حسين مروة، فالعقم الطارئ على الفكر هو من حالة العقم الطارئ على المغامرة، على الممكن، على سبر أغوار المجهول، على النقد، على الحرية، على حرية تكمن هناك تُدعى حرية الموقف، حرية الكلمة.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *